خلال أيام، خرجت الحادثة من حدود صاحبها ومن حدود المدينة. انتقلت صور الاحتجاجات وقصة البوعزيزي بين الهواتف والفضائيات، وصارت سيدي بوزيد حاضرة في بيوت عربية تبعد عنها آلاف الكيلومترات. رجل أحرق جسده في مدينة صغيرة، فاشتعل انتباه إقليم كامل.
وكانت مصر تحمل قصتها الخاصة.
في حزيران/يونيو 2010، أصبح خالد سعيد، الشاب الإسكندراني الذي توفي عقب توقيفه والاعتداء عليه، اسمًا أكبر من صاحبه. انتشرت صورته، وظهرت صفحة «كلنا خالد سعيد»، وعبرت القضية من النشاط الرقمي إلى الصحافة والشارع. صار وجه فرد واحد وعاءً لغضب اجتماعي تراكم سنوات، ثم جاءت لحظة أصبح فيها المصري الذي يرى الصورة قادرًا على أن يقول: هذه الحكاية تخصني.
بعد عقد، جاء لبنان بمشهد أشد فداحة.
في الرابع من آب/أغسطس 2020 انفجر مرفأ بيروت. خلال دقائق اجتاحت صور المدينة الشاشات والهواتف: الدم، الزجاج، الركام، البيوت المفتوحة على الفراغ، والوجوه التي تبحث عن أبنائها. صار المرفأ قضية اللبنانيين، وأصبح الرابع من آب/أغسطس تاريخًا شخصيًا لدى مجتمع كامل، حتى لدى الذين كانت بيوتهم بعيدة عن دائرة الانفجار.
ثلاثة حوادث مختلفة تفتح سؤالًا يبدو إعلاميًا فيما جوهره سياسي وسيكولوجي: كيف يُقرّر مجتمع أن ألمًا ما يخصه؟
عرّفت الدولة سيادتها طويلًا بالأرض والحدود والجيش والقانون والعملة. أضاف عصر الاتصال عنصراً بالغ الحساسية: انتباه السكان. القدرة على وضع قضية ما في مركز الوعي الجمعي، وإطالة عمرها، ومنحها معنى يتجاوز أصحابها، أصبحت موردًا سياسيًا. ومن هنا يمكن الحديث عن «سيادة الانتباه»: قدرة الجماعة الوطنية على إنتاج مساحة مشتركة ترى داخلها جرح الفرد بوصفه جرحًا يصيب الكل.
المسافة النفسية بين لبناني وآخر
منذ دراسة ماكسويل ماكومبس ودونالد شو المؤسسة لنظرية «وضع الأجندة» عام 1972، تراكمت أدبيات واسعة حول العلاقة بين ترتيب القضايا إعلاميًا وترتيب أهميتها لدى الجمهور. القوة الإعلامية هنا أعمق من إقناع الإنسان بموقف؛ إنها تبدأ عند تحديد القضية التي سيمنحها وقته ومشاعره أصلًا. ومنذ ذلك الحين، اتسع المجال إلى الفضائيات والمنصات والصورة القصيرة والمجموعات المغلقة والمؤثرين والحملات المنظمة، وصار الانتباه موردًا تتنافس عليه السياسة والإعلان والحرب والخوف والترفيه في اللحظة نفسها.
وهنا نصل إلى لبنان اليوم، وربما إلى أكثر أجزاء المسألة إيلامًا. الجنوب يعيش منذ أشهر جحيمًا استثنائيًا من القتل والتهجير وهدم البيوت والقرى وضرب البنى والخدمات. في حزيران/يونيو الماضي تحدثت الأمم المتحدة عن أكثر من 3500 قتيل وعشرة آلاف جريح ونحو مليون نازح في لبنان خلال موجة التصعيد التي بدأت في مطلع آذار/مارس الماضي، مع أحياء مدمرة وأراضٍ زراعية محترقة وآثار نفسية واسعة، فيما بقي مئات الآلاف أمام بيوت متضررة وقرى تفتقر إلى الخدمات الأساسية. ومع ذلك، يصعب العثور على تناسب بين هول ما يجري وبين المساحة التي يحتلها الجنوب في الوجدان اللبناني اليومي.
المشكلة هنا تتجاوز الإعلام. إنها تمس البنية النفسية للجماعة اللبنانية نفسها. علم النفس الاجتماعي يشرح الهوية الجمعية من خلال دوائر «نحن» التي تمنح الفرد شعور الانتماء، وتجعل مصير أعضاء الجماعة جزءًا من تعريفه لذاته. وفي لبنان، راكم النظام الطائفي طويلًا دوائر انتماء أصغر وأكثر كثافة من الدائرة الوطنية. دراسات عن لبنان بعد الحرب توضح كيف أعادت المؤسسات وشبكات المصالح والخدمات والزبائنية إنتاج الهويات الطائفية حتى أصبحت متغلغلة في الحياة الاجتماعية والسياسية اليومية.
وهكذا يصبح السؤال أعمق من ضعف الشعور الوطني. نحن أمام تفاوت في المسافة النفسية بين اللبناني واللبناني. حين تقع المأساة داخل جماعتي الصغيرة، يصبح القتيل «واحدًا منا»؛ وحين تقع داخل جماعة جرى تمثيلها طويلًا باعتبارها مختلفة سياسيًا أو طائفيًا أو ثقافيًا، يستطيع العقل وضع مسافة بينها وبين الذات. الأدبيات الخاصة بالهوية الاجتماعية تفسر كيف يؤدي تقسيم العالم إلى جماعة داخلية وجماعة خارجية إلى اختلافات في التعاطف والتقييم والسلوك، فيما تظهر الأبحاث اللبنانية استمرار قوة الشبكات الطائفية بوصفها مصادر للانتماء والأمان الاجتماعي.
عند هذه النقطة تتبدى ظاهرة أكثر قسوة: الشماتة. فهي، في علم النفس الاجتماعي، عاطفة ترتبط أحيانًا بالمنافسة بين الجماعات؛ يصبح ألم الجماعة الأخرى قابلًا للقراءة بوصفه خسارة لخصم، فينخفض حضوره الإنساني داخل الوعي. وفي لبنان تأخذ المسألة بعدًا وطنيًا مرعبًا: يستطيع الخلاف مع حزب أو مشروع سياسي أن يتسلل إلى إدراك الإنسان للمدني والبيت والقرية والطفل، فيتحول خلافه مع قوة سياسية إلى مسافة وجدانية من مجتمع كامل.
ومن هنا يبدو مفهوم «سيادة الانتباه» أكبر من قضية إعلام. الدولة وطن نفسي أيضًا؛ مساحةٌ يشعر فيها ابن طرابلس أن البيت المهدوم في بنت جبيل يمس شيئًا من عالمه، ويشعر ابن بيروت أن خوف عائلة في النبطية يدخل في تعريفه لمعنى لبنان. الدراسات حول الطائفية اللبنانية نفسها تكشف رسوخ البنى التي تجعل الانتماءات الجزئية أو الفرعية جزءًا عميقًا من الحياة والمؤسسات، وصولًا إلى التعليم وشبكات الخدمات والعلاقات اليومية.
هنا تكمن المأساة اللبنانية الأعمق: الجنوب يخسر بشرًا وبيوتًا وأشجارًا وأمكنة، ولبنان يخسر شيئًا آخر يصعب تصويره تحت الركام: قدرته على الشعور بنفسه كجماعة واحدة. حدود الدولة تمر في الرأس والقلب أيضًا. والسيادة الحقيقية تبدأ يوم يصبح وجع اللبناني في أقصى الجنوب قادرًا على احتلال انتباه اللبناني في أقصى الشمال، لأن الوطن، في جوهره النفسي، هو المسافة التي يستطيع ألم الآخر أن يقطعها حتى يصل إليك.
