عندما لا تكفي الأجوبة.. لماذا نحتاج إلى الإستشارة الفلسفية؟ (1)

في عالم يموج بالإنجازات والاختراعات، يبقى سؤال واحد يراوغنا جميعًا: لماذا؟ هذا السؤال البسيط في ظاهره، العميق في جوهره، هو ما يجعل الآلاف منا - برغم استقرارهم الوظيفي، وهدوء حياتهم الأسرية، وصحتهم الجيدة - يشعرون بفراغ غامض يتسلل إلى أيامهم. هي حيرة وجودية تبحث عن إجابة. هنا يظهر دور الاستشارة الفلسفية، ذلك الحوار الذي يرافقك في رحلة لاكتشاف رؤيتك الخاصة للحياة. إنها مساحة آمنة للتفكّر والبحث عن الحياة التي تريد حقًا أن تعيشها. هل أنت مستعد للحوار؟

حوار في عيادة غير تقليدية

  • الدكتور: أهلًا بك
  • العميل: عمري 42 عامًا، عملي مستقر، زواجي هادئ، صحتي جيدة.. ولكن أشعر أن كل شيء يفقد معناه.. لماذا كل هذا؟ لست مكتئبًا.. ولكن أصبحت الحياة بلا طعم… حياتي فراغ!
  • الدكتور: هل ترى حياتك الحالية تعكس القيم الحقيقية التي تؤمن بها؟
  • العميل: لم أفكر في ذلك أبدًا.. وبخاصة بهذه الطريقة!
  • الدكتور: ربما حان الوقت للتفكير. أنا لا أبحث عن مرض نعالجه.. جلّ ما نفعله أن نبحث عن رؤية للحياة نعيد بناءها سويًا.

أزمة المعنى في عصر الاكتظاظ

نحن نعيش في زمن حقّق فيه الإنسان إنجازات هائلة، إن كان من حيث التقدم الطبي وإطالة العمر، أو من حيث التكنولوجيا واختصار المسافات، أو الرفاهية المادية التي لم يعرفها جيل قبله. ومع ذلك، تتفاقم حالات القلق، والاكتئاب، والشعور بالفراغ الوجودي بمعدلات تنبؤ بالخطر. فهناك شريحة واسعة من البشر تشبه صاحبنا في الحوار.. لا يُعاني من مرض بالمعنى التقليدي، لكنه يعاني من حياة تفتقر للمعنى. قد يساعده المعالج النفسي ويُخفّف عنه أعراض قلقه، لكن يبقى السؤال راقدًا في ظلمات نفسه.. “لماذا أعيش؟ ولماذا كل هذا”؟

هنا تبرز الحاجة إلى الإستشارة الفلسفية، باعتبارها ممارسة عصرية تهدف إلى تطويع النظريات والمناهج الفلسفية لمعالجة مشكلات الإنسان المعاصر وأزماته الوجودية التي لا يستطيع حلّها بمفرده. هي ليست محاولة لاستبدال الطب النفسي، ولكنها إضافة نوعية لمن يبحث عن إجابات لا عن تشخيص.

لماذا العلاج النفسي وحده لا يكفي؟

يقدم العلاج النفسي بكل جدارة، أدوات ثمينة لمعالجة الاضطرابات النفسية كالاكتئاب السريري، والقلق المرضي، واضطربات الشخصية، والصدمات النفسية.. الخ، لكن مشكلة صاحبنا ليست اضطرابًا، بل حيرة.. والحيرة لا تعالج بالبروتوكولات العلاجية وحدها.

يلاحظ الفيلسوف الكندي لو مارينوف (1951) Lou Marinoff في كتابه الشهير “افلاطون وليس البروزاك” أن مشاكل عديدة تجد أسبابها في التشكيك بمعنى الحياة، وفي غياب رؤية واضحة للقيم والأهداف. حيث تستمر جلسات التحليل النفسي سنوات وهي تدور حول تفاصيل الطفولة، بينما يظل السؤال الجوهري معلقًا: “ماذا أفعل بحياتي الآن”؟

لا تنكر الاستشارة الفلسفية أهمية الماضي، لكنها تركز على الحاضر والمستقبل، وعلى الخيارات التي يمكن للشخص أن يتخذها اليوم، وذلك بناءً على رؤية واضحة لشكل ونوعية الحياة الطيبة.

ما هي الاستشارة الفلسفية بالضبط؟

هي حوار سقراطي معاصر ومنهجية رواقية حديثة تجمع بين شخصين، أحدهما خبير في فن طرح الأسئلة الجوهرية، والآخر باحث عن فهم أعمق لحياته. وفي الوقت عينه، لا تشير الاستشارة الفلسفية لامتلاك المستشار جميع الإجابات. ومع ذلك، يعرف كيف يساعدك على اكتشاف إجاباتك أنت. وعلى الرغم من بساطة الأدوات إلا أنها تنم عن عمقها.

  • تفكيك الأفكار المسلم بها: لماذا تعتقد أن النجاح هو هدف الحياة والفشل كارثة؟
  • كشف التناقضات: أنت تقول أن الحرية مهمة.. لكنك تعيش وفقًا لجدول لا تملك فيه اختيارًا واحدًا!
  • إعادة تعريف القيم: ما الذي يهمك حقًا؟ ليس ما قاله أهلك أو مجتمعك، إنما ما تشعر أنت أنه صحيح.

ذلك أن الهدف النهائي يكمن في وضوح الفرد تجاه ذاته وتجاه العالم.

الفلسفة ليست ترفًا أكاديميًا

لطالما اتهمت الفلسفة بأنها تسكن في برجها العاجي بعيدًا عن حياة الناس اليومية. لكن حقيقة الأمر، نشأت الفلسفة كأسلوب حياة وليس مجرد نظريات. فالإنسان كائن عاقل، تحركه أفكاره وقناعاته.. وهنا الفلسفة تتفاعل مع تلك الأفكار!

كان الفلاسفة الرواقيون والإبيقوريون في اليونان القديمة يمارسون ما نسميه اليوم بـ”الاستشارة الفلسفية”؛ يجتمعون مع الناس ويناقشون مشكلاتهم ويقدمون أدوات فكرية لمواجهة الخوف، والحزن، والموت، والفقر، والقلق..الخ.

في كتابه “فلسفة الحياة” يصف المؤرخ الألماني ريتشارد دافيد بريشت Richard David Precht (1964) أبيقور بأنه نوع من “الغورو” الروحي. و”الغورو” هو الشخص الحكيم الذي يؤسس جماعة ويعيش بينها ليعلمها كيف تعيش حياة طيبة من خلال تأملات عقلانية في الرغبات والألم والسعادة وغيرها من المفاهيم.

الاستشارة الفلسفية والعلاج النفسي

من المهم التأكيد على أن الاستشارة الفلسفية ليست خصمًا للعلاج النفسي، هي مجال مكمل له. يعرف المستشار الفلسفي المحترف متى يحيل المسترشد أو العميل إلى أخصائي نفسي، تمامًا كما يعرف الطبيب النفسي متى يُحيل مريضه إلى مستشار فلسفي لكي يتناول الجانب الوجودي من معاناته.

وبغية التمييز بينهما، في حال ظهرت جذور مشكلة الفرد كأعراض نفسية: اكتئاب سريري، نوبات هلع، أو صدمات نفسية.. فالعلاج النفسي هو الخطوة الأولى. أما إذا كانت جذور مشكلته تتركز على أسئلة حائرة عن المعنى، الهدف، القيم، أو الخيارات الأخلاقية، فتصبح الاستشارة الفلسفية هي ما يبحث عنه.

والمفارقة هنا، أنه في بعض الأحيان يحتاج العميل إلى كليهما معًا.

إقرأ على موقع 180  الأخلاقيات الطبية.. وتحدي كورونا

خاتمة: هل أنت مستعد للحوار؟

ربما تشعر عزيزي القارئ بشيء من الفراغ الذي وصفه صاحبنا في بداية المقال، وربما تكون قد حققت الكثير في حياتك.. لكنك واقع في حيرة وتسأل نفسك: “هل هذا كل شيء”؟

 تقدم الاستشارة الفلسفية ما لا تقدمه الأدوية ولا جلسات العلاج النفسي. وحدها تقدم مساحات آمنة للتفكير والتفكر بصوت عالٍ، برفقة شخص لا يحكم عليك، ولا يشخصك، ولا يصف لك دواءً.. لكنه يسألك سؤالًا واحدًا قد يتسع لكل الأسئلة.. “ما الحياة التي تريد حقًا أن تعيشها”؟

في مقالاتنا القادمة من هذه السلسلة، سنتعمق أكثر في أدوات الاستشارة الفلسفية ونستعرض جذورها التاريخية من الرواقية حتى دو بوتون المعاصر، ونضع دليلًا منطقيًا وعمليًا لتمييزها عن العلاج النفسي، ومعرفة متى تستعين بها ومتى تختار غيرها.

أما الآن، عليك أن تسأل نفسك متى كانت آخر مرة سمحت فيها لنفسك بالتفكير بهدوء في سؤال واحد: “لماذا أعيش”؟

(يُتبع)

Print Friendly, PDF & Email
يوسف أيوب

كاتب وأكاديمي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الأخلاقيات الطبية.. وتحدي كورونا