في النُقصَان.. والكَمَال

دار الحديثُ حول الصِحَّة، وما لبثت سيدةٌ ضمن الجالسات أن طلبت مِن رفيقتها معلوماتٍ عن دواء تتناوله بانتظام: "كمّلي جميلك واكتبي لي اسمه". ما بين أعراض تعبٍ غير مفهومة، وفحوصات عديدة، وإشارات لنقص بعض المعادن والفيتامينات؛ باتت المُكمّلات الغذائية حديثٌ دارج يتداوله كثير الناس؛ لكن الأمرَ يبدو عجيبًا في أوساطٍ تأكلُ الأفضلَ، وتُراعي الصِحيَ والمفيد، والحالَ أن معظمَ المنتجات تخضع لصور من التصنيع المُكثف الذي يُفقدها المزايا الطبيعية ويُكسبها مَضارًا كثيرة.

يقول أبو البقاء الرندي: “لكل شيءٍ إذا ما تمَّ نُقصانُ.. فلا يُغَرٌّ بطِيب العَيْشِ إنسانُ“، والمعنى أن تلك هي طبيعة الحياة، لا كمال فيها ولا اكتمال؛ لا سيما والبشر أنفسهم ناقصون، وفي المأثور الدينيّ “الكمال لله وحده” ما يؤكد القول ويُضيف أن “كلّ بني آدم خطَّاء”. الخطأ مُلازم للبشر، واقع لا محالة ما دام وجودهم؛ لكن الأقوالَ الحكيمة لا ينبغي أن تمثلَ مدخلًا لارتكاب الحماقات، ولا أن تؤخذَ كتبرير مَقبولٍ لكل زلة فاضحة.

***

أسماءُ القمَر سَبعة؛ يُكنى بها منذ ولادته وحتى التمام. يبدأ هلالًا وينتهي بدرًا؛ ويكتسب في هذه الحال اسمًا إضافيًا يربطه بالشهر الذي ظهر فيه؛ قَمَر يناير (كانون الثاني) على سبيل المثال يُدعى “الذئب”، وقَمَر (كانون الثاني) فبراير “الثلج”، والقمَر “الوردي” لأبريل (نيسان). اكتمالُ القَمَر في بعض الأساطير إيذانٌ بتحوُّل البشر إلى مُستذئبين، والنظر إليه باعثٌ لدى بعض الثقافات القديمة على الجنون، وفي اللغات الأجنبية المُنحدِرة من اللاتينية؛ تشتقُّ كلمة “المَجنون” من اسم القمر.

***

الدائرةُ تكوينٌ هندسيٌّ كاملٌ، فريد، لا تخلله زوايا ولا تحدُّه نقطة بداية أو نهاية. خَط واحد سَرمديّ يمضي في سلام، مُتجردًا من الانحرافات، خالصًا من المُعوقات والاختيارات؛ لكن هذا الخَط لا يَصل رغم انسيابيته إلى أيّ مكان ولا يختبر أيَّ جديد. السَّير في دوائر كاملة مُغلقَة صورة سلبية غير محمودة؛ إذ يدور الواحد حول مركز ثابت، ولا يحقق في النهاية تقدمًا مَلموسًا. دوائرنا كثيرة؛ نعجَز عن كسرها والتحرُّر من أسرها. الخوفُ من التغيير، والرضاءُ بالقليل، وتفضيلُ المُجرَّب المَعروف على كل مَجهول؛ جميعها دوائر تحرمنا بلوغَ الهدف.

***

إن ارتكب امرؤٌ من الأفعال ما يُشين، وافتقرت تصرفاتُه إلى الاستقامة والصلاح؛ نُودي من الناس: “يا راجل يا ناقص“. النداءُ من قبيل التوصِيف والتبكيت في الوقت ذاته، وجمع المفردتين “رجل” و”ناقص”؛ إنما يُزلزِل القاعدةَ المُجتمعِيَّة العتيقة التي تفترِضُ الكمالَ في كلّ ذَكَر، فمتى زال الافتراضُ؛ بات الموصوفُ عارًا ومَجلبَةً للسُّخرية والتجريح.

***

الشُّعور الدفين بالنقص أزمةٌ نفسيةٌ صَعبة. على المستوى الجَسَدي؛ قد يستشعر الدميمُ ما ينقصه من جمال عند اجتماعه بأسوياء الملامِح مُنبسٍطي الوُجوه، ومثله قصير القامة ما حلَّ بين مَمشوقي القوام، والنحيفُ في حضوره وسط الضخام. لا شك أيضًا أن هناك مَن يَشعر داخله بكونه مُحتقرًا وضيعًا، ومَن يدرك فائضَ حظه من الحمق والجهالة، ومن ينعى دومًا فقرَه. تدفع الأزمةُ صاحبَها لمواراة النقصِ بشتَّى الوسائل والابتعاد عن مصادر المقارنة المُحتمَلة؛ لكنها قليلًا ما تُحرضه على محاولة تغيير الوَضع.

***

العاقلةُ الكاملةُ في عرف أغلب الناس هي المرأة التي تتبع الطريق المرسومة لها، وتهتدي برأي المحيطين بها، لا تعارض أبدًا ولا ترفض أو تنفر، كما لا تسعى يومًا للتمرُّد على ظروفها. مِن العاقلات الكامِلات مَن يتحوَّلن إلى تعيسات قانتات؛ فقهر النفس لإرضاء الناس غالبًا ما ينتهي إلى إحساسٍ غامر بالخَسَارة؛ حتى ولو مُنيَ المرءُ بآيات المديح والإعجاب.

***

ناقصُ الأهلية لا يَملِك التصرُّف في أموره بكامل إرادته الحُرَّة. مفهوم “الأهلية” يتعلق في أحد جوانبه بسلامة وظائف العقل العليا، تلك التي تجعله مُؤتمنًا على إدارة شئونه وشئون من يرعاهم أيضًا. القُّصر ناقصوا الأهلية ومثلهم المصابون ببعضِ الاضطراباتِ النفسية، وكذلك من يعانون أمراضًا تحدُّ من قدراتهم على الاستيعاب والتفكير، وتُسبب تراجعًا ملحوظًا في أدائِهم الذهنيّ. التقييم في هذه الأحوال مطلوب، خاصة ما حاز الشَّخصُ منصبًا رفيعًا؛ قد يُهدد في لحظة أمنَ الناسَ وسلامتَهم، ويضع علاماتِ استفهامٍ وحَيرةٍ حول مستقبلهم.

***

وسط الأجيال الأكبر عمرًا يمكننا أن نجد أشخاصًا اشتقت أسماؤهم من الفعل كَملَ. من الفنانين كامل وكمال الشناوي؛ الأول شاعر وصحفيّ ذو قلمٍ مَرمُوق، والثاني فنانٌ قدير تواصَل عطاؤه من شرخ الشباب إلى الرحيل، ومن الأحدث سنًا المُمثل كمال أبو رية، والمخرجة كاملة أبو ذكري. الظنُّ أن المعنى كانت له حظوة، وكان الأهل يأملون للولد منه نصيبًا؛ والحقُّ أن التطلُّعَ للكمال في الحقبة الراهنة لم يعد عملًا منطقيًّا ولا حتى مَنظورًا؛ فأبسط الضروراتِ غابت، وأدنى الحقوق أُهدِرَت، والتسمِية في هذا التوقيت قد تبدو من الهَزْل والتعريض.

***

درجنا في أعوام الدراسةِ الأولى على أن نتلقى ورقة الاختبار وفيها فقرة أساسية تحت عنوان: “أكمل العبارة الناقصة“. الفراغ باعث على التوتر، والمكان الخالي يحرض على التفكير فيما يمكن أن يملأه بثقة وأريحية. بعضُ الإجابات تأتي مُتوقَّعة صحيحة فتنال الإشادة، وهناك أخرى مُبتكَرة فريدة، يُفكر أصحابُها خارج الصندوق؛ لكنهم لا يحظون في العادة بالدرجة المطلوبة.

إقرأ على موقع 180  إحتفالية البخاري.. أقل من عادية لولا الإبراهيمي وفرنجية!

***

الوصُولُ إلى الكمال رغبةٌ مُلحَّة تنتاب بعضَ الناس؛ فتورثهم أرقًا مستدامًا. يزعجهم وجود عيب ولو بسيط، وتقضُّ مراقدَهم أيُّ نقيصة ولو كانت غير ملحوظة؛ خاصة مع استطاعتهم تلافيها. هؤلاء هم أسفًا في أشد المعاناة، فالأحوال كربٌ مُتواصِل؛ لا هدنة تقطعه ولا استراحة تهوّن وطأته؛ لكنهم في الوقت ذاته غير معفيين من المسئولية عما صاروا إليه، وفي وصفهم أنشد المُتنبّي: “ولم أرَ في عيوبِ الناسِ شيئًا.. كنقْصِ القادِرينَ على التمَام“.

***

على كل حال ثمَّة من يتباهى بنواقصِه، فيُقِر بجهلِه ويتيه بسُلطته، ولا يهتم لرأي الآخرين ولا حتى لاستغاثاتهم من أفاعيله؛ حتى لتنطبق عليه أبيات ابن هندو: “أرى ذا النقْصِ لا يَعبأ بذَمٍ.. كذا من يَعمَ لا يَخشَ الظلاما”، والصُّورةُ الجمالية في البيت صادقةٌ حد الإيلام؛ خاصة والنماذج التي تجسدها على الأرض حاضرةٌ، نكابد صنائعَها ونتخبَّط فيما أنتجَت من إظلامٍ شاملٍ تام.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  في اختيار الغريم