في اختيار الغريم

على طرفِ الرَّصيف الضَّيق الذي يحتلُّ أكثر من نصفِه معرضُ سيارات، جلس بائع ثلاثينيّ ببضاعته المتواضعة المَرصُوصة بترتيب وإتقان على قفصٍ صَغير من الخشب. وصلت حملةٌ لإزالة الإشغالات، تركت سيارات المعرض على حالها؛ بينما انتزع الأفراد المكلفون بإخلاء المكان فرشةَ البائع ودفعوه بعيدًا عنها. وسط الشدّ والجَّذب والصياح هَمسَ عابر لزميله: "ما قدرش ع الحمار اتشطَّر ع البردَعة".

الحمار كائنٌ صعبُ المراس، معروفٌ بعناده الشديد، أما البَردَعَة؛ فكساءٌ سميك، يوضع على ظهره كي يُيَسر جلسةَ الرَّاكب. الحمار حيٌّ يدبُّ على الأرض، والبردعةُ جمادٌ لا يعي ولا يملك من أمره مُعارَضة أو رفضًا. الصُّورة التي يقدمها المثلُ الشعبيّ بليغةٌ في إيصال المَعنى؛ وإن تجاوزت ألفاظها حدود اللباقة والتهذيب، الحمار والبردَعةُ كلٌّ منهما مُجرد رمز، والقصد أن عدمَ القدرة على منازلة الغريم القوىّ؛ لا ينبغي أن تصبحَ بوابةً للتعدي على الأضعف.

***

الغريمُ في معاجم اللغة العربية هو الخَصم والجَّمع غُرمَاء، والكلمة توحي في ذاتها بشيء من العداء أكثر مما توحي به كلمة شبيهة مثل “المنافس”، على سبيل المثال قد تجمَع علاقة الصَّداقة بين المتنافسين في مِضمَار رياضي؛ لكنها قلما تجمع بين الغُرماءِ في أيّ مجال، والشاهد ذاك المأثور المتداول بين الناس بشأن مسألة الثأر: “إن لقيت الغَريم وإلا ابن عمه“، الغريم هنا هو الشخص الجاني الذي تشير الأعراف إلى وجوب أخذ الثأر منه؛ لكنها تبيح في الوقت ذاته استبدال أحد أقاربه به حينما يتعذَّر الوصول إليه.

***

بعضُ المرات تلجأ السُّلطة لسياسة اتخاذ الرهائن، بغرض إجبار الهاربين المطلوبين على تسليم أنفسهم. الفعل مُخزٍ مُشين؛ فالرهينة لم ترتكب ذنبًا تؤاخذ به أو تُعاقب عليه؛ لكنها تجد نفسها مُستبدَلة بالغريم الأصليّ، وتخضع لصنوف من القهر والتنكيل إلى أن يستسلمَ ويظهر، والظن أن هذه الوسيلة تخلق غرماءً إضافيين، لهم حقوق مغبونة منتهكة؛ يسعون وراءها ويتمنون لو انتزعوها بأي وسيلة.

***

تقول الحِكمةُ العربيةُ الأصيلةُ: “لا تُحاجِ من يُذهلك خوفُه ويملِكك سيفُه” أيّ لا تجادل مَن يحوزُ أدواتِ القَّمع والسَّيطرة؛ بينما لا يتحلى بأدنى درجاتِ الشجاعة. العبارةُ عميقةُ مَصقولةُ الجَّوهر، فالخائف الذي يحتمي في سلاحه ويمارس من خلاله سطوته على الآخرين؛ لا يبدو كفؤًا لنقاش عقلاني فيه أخذ وردّ، هو أضعف من المُحاجَجة بالكلماتِ وأقرب إلى الرُّعونة في الأفعال. تجسد الأنظمة القامعة، منزوعة الشرعيَّة، نموذجًا دالًا في هذا الإطار؛ فذعرٌ من كلمة حقّ ولو كان صوتُ صاحبُها خفيضًا، ونزوع لجزّ الرقاب ولو بقيت على حالها مَحنية، ومبالغة في الانتقام من الغرماء؛ لا يبررها منطق ولا يجد منها العاقلُ نفعًا.

***

في مسرحية “الجوكر” لمحمد صبحي تعبير مُوجَز، نال شهرةً واسعةً وتداوله الناسُ لفترة طويلة، ولم يزل قريبًا من ألسنتنا حتى يومنا هذا؛ إذ نجد فيه التوصيف الناجح لعديد المواقف المضحكة التي تصادفنا: “ما تقدرش”. مشهد يضمُّ مسنًا يسير بصعوبة وآخرًا عفيًّا سوف يوسعه ضربًا، التكافؤ بينهما غائب؛ لكن المُسّن برغم ضعفِه الظاهر يؤكد أن غريمِه لن ينتصر عليه ولن يتمكن من إيذائه، وبرغم التهديد يكرر عليه: “ما تقدرش”. الثقة الفائقة في النفس قد تؤدي إلى إرهاب الخَصم وبثّ الشكوك في عقله، بل وقد تقوده إلى الهزيمة برغم عوامل التفوق التي يملكها، والحال أن اختيار الغريم لا يتعلق فقط بتقدير ما لديه من عدة وعتاد، إنما بتماسكه ورباط جأشه وثباته.

***

يقول الصاحب بن عباد: “تأخرت عني والغرامُ غريمٌ.. وما مَلَّ قربَ الأكرَمِين كريمُ“. الغريم هنا ليس شخصًا محددًا تتأتى مواجهته، إنما هو العشق الذي لا سلطان عليه ولا قدرة على التحكم فيه، وهو لهذا وذاك خصم تصعب مواجهته ويتعذَّر الانتصار عليه.

***

بعض الأحيان يضيق أفقُ المَرء، فيتحامق ويسعى للعراكِ مع من لا يرقى لمَقامه. يحاول الناسُ صرفَه عما لا يليق به، ويسعون لإثنائه عن ارتكاب ما قد يدينه، ويقدمون له النصيحة مُهونين من الموقف: “ما تعملش عقلك بعقله“. المعنى أنه أكبر وأنضج بل وأحكم مِمَن يناطحه؛ وعليه أن يتصرَّف من منطلق مكانته المشهودة وأن يترفَّعَ عن التفاهات. القولةُ تحملُ من ثمّ وجهين؛ أحدهما يُعلي من شأن المُخاطَب ويمدحه، والثاني يُهين غريمَه ويُصوره كطرفٍ خفيف العقل، لا يُؤخَذ عَمله على مَحمَل الجَّد.

***

يقولُ الشاعر: “أرى العنقاءَ تكبُر أن تُصادا.. فعاند من تُطيقُ له عِنادا“، العنقاءُ طائرٌ أسطوريّ؛ يحترقُ وينهضُ مُجدَّدًا من رمادِه والمعنى أن القضاءَ عليه مُستحيل، وبالمثل يكون الوقوفُ أمام مَوجةٍ عاتية أو قوةٍ جبَّارة غاشمة، والمراد أن يتعقَّلَ المَرءُ في اتخاذ قراراته بالقدر الواجب، وأن يعمدَ أولًا إلى تقييم خصومِه؛ فإن أبصَرَ الخسارةَ أقربَ من الفوز، تراجع عما انتوى والتزم موقعَه، واستمسكَ بالصَّبر والحُلم والحصافة. الظنُّ أن النديَّةُ تضبط ميزانَ القوة وتجعل النتيجة مَقبولة؛ ولو لم ترقَ إلى الفوز المُحقَّق، أما التفاوُت الشديد بين قُدرات الغرماء؛ فنهايته هزيمة ساحقة.

***

سُلَّم القهر المعروفٌ يمضي دومًا من أعلى إلى أسفل، إذ يعجز المرءُ في بعض الأحيان عن انتزاع حقه من خَصم عتيّ ظالم، فيلجأ للتنفيث عن غضبه بتوجيهه ناحية الأضعف. الضعيفُ بدوره لا يتمكن من ردّ الإساءة أو الأذى لمن أوقعهما به؛ فيبحث عن آخر أكثر ضعفًا، وعلى هذا المنوال تمضي الأمور، لا ينتقي المرءُ في العادة الغريمَ الصحيح الذي ينبغي أن ينازله؛ بل يتوجه لمن يستطيع الانتصار عليه؛ والمحصلة النهائية تصبُّ في مصلحة القاهر الذي يستمتع ببقائه على القمة سالمًا، في حين يتصارع الآخرون ويجعلون من بعضهم البعض خصومًا وأعداءً، بينما لو توحدوا ونفضوا مخاوفهم لتمكنوا من هزيمة قامعهم في طرفة عين.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  المُجتَمَع
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180   جعجع.. ولعنة الشارع والدم!