هذه المعضلة تظهر منذ المدخل. فقد أُحيل المشروع إلى الحكومة ضمن المهلة، لكن من دون إنجاز قطع الحساب عن سنة 2025 وإحالته وفق الأصول. وهذه ليست مخالفة شكلية يمكن تجاوزها بحجة الاستعجال.
قطع الحساب هو المرآة التي تُختبر فيها صدقية الموازنة المقبلة: ماذا أنفقت الدولة فعلًا؟ ماذا حصّلت؟ أين أخطأت في التقدير؟ وأين تجاوزت الاعتمادات أو أخفقت في تحصيل الإيرادات؟ من دون هذه الإجابات، تصبح الموازنة التالية توقعًا يبنى فوق توقع سابق لم تُحسم نتائجه. والمفارقة أنّ المشروع نفسه يعرض في جداول الإيرادات مقارنات مع ما حُصّل فعليًا خلال الـ 2025، ما يعني أن جزءًا مهمًا من المادة المحاسبية اللازمة موجود أصلًا. فلماذا يمكن استخدام أرقام التنفيذ لبناء موازنة جديدة، ولا يمكن استكمالها في قطع حساب يتيح الرقابة عليها؟
هنا تقع المشكلة الدستورية قبل الاقتصادية. المادة 87 من الدستور لا تجعل الحسابات السابقة ترفًا مكمّلًا للموازنة، بل جزءًا من انتظام المالية العامة. كما أن المادة 195 من قانون المحاسبة العمومية تحدد مهلًا لإعداد قطع الحساب وحساب المهمة. والغاية واضحة: لا يجوز أن يناقش البرلمان ترخيصًا جديدًا بالجباية والإنفاق فيما لا تزال نتائج الترخيص السابق معلّقة. تختصر هذه البداية شيئًا من فلسفة المشروع كله: ماضٍ مالي لم يُقفل، حاضر يُراد تمويله، ومستقبل اقتصادي لا تزال ملامحه ضبابية.
المهمّ، ليست الموازنة جردةً بما تستطيع الخزينة أن تجبيه وما يتعيّن عليها أن تنفقه. في معناها الأعمق، هي النص الاقتصادي الأكثر صراحة للدولة: تكشف، بالأرقام لا بالشعارات، تصورها للنمو والعدالة والثروة، وتحدد من يدفع كلفة الدولة، وعلى ماذا تنفق هذه الكلفة، وأي اقتصاد تريد أن تتركه بعد عام.
من هذه الزاوية تبدأ مشكلة مشروع موازنة 2027. فالمشروع لا يعاني فقرًا في التدابير بقدر ما يعاني فقرًا في الرؤية التي تنتظم حولها. ثمة وفرة في الأدوات وندرة في الاتجاه: رسوم، تعديلات ضريبية، آليات تحصيل، تشدد في الامتثال يقابله تراخٍ في مواضع أخرى، ومعالجات متفرقة لا تتجمع في سياسة مالية واحدة. كأن الدولة تعرف كيف تدير حاجتها إلى المال، لكنها أقل وضوحًا في تحديد ما تريد أن تفعله بالاقتصاد الذي تأخذ منه هذا المال.
موازنة خزينة أكثر منها موازنة دولة
هنا يقع الفارق بين موازنة الخزينة وموازنة الدولة. الخزينة تفكر في سنة مالية؛ الدولة يفترض أن تفكر في دورة اقتصادية. الأولى تسأل كيف تدفع استحقاقاتها، والثانية كيف تعيد إنتاج قدرتها على تمويلها. الأولى تريد بلوغ نهاية السنة بأقل اختلال ممكن، أما الثانية فتريد أن يكون الاقتصاد، عند نهاية السنة، أكثر قدرة مما كان عليه في بدايتها.
ومشروع الـ2027 أقرب إلى المنطق الأول. فالثقل الأساسي للإنفاق يبقى في الوظيفة التشغيلية للدولة، فيما لا يظهر الاستثمار العام بالقوة الكافية لتحويل الموازنة إلى رافعة لإعادة تكوين الرأسمال العام والقدرة الإنتاجية. والمشكلة ليست في الرواتب أو التقاعد أو التقديمات الاجتماعية؛ فهذه حقوق والتزامات. المشكلة أن يصبح المال العام، في وظيفته الغالبة، تمويلًا لاستمرار الدولة وأزماتها أكثر منه تمويلًا لنموّها.
لهذا لا يكفي التوازن الحسابي لصناعة توازن اقتصادي. الصفر في خانة العجز ليس شهادة سلامة للمالية العامة. قد تتساوى الإيرادات والنفقات لأن الاقتصاد أصبح أقوى، وقد تتساوى لأن الاستثمار تقلص، أو لأن الالتزامات أُرجئت، أو لأن الجباية توسعت. الرقم واحد، لكن المعنى الاقتصادي مختلف جذريًا.
حين تتقدم سهولة الجباية على فلسفتها
في الإيرادات، يبدو المشروع أكثر نشاطًا. وهذا ليس عيبًا بذاته. فلا دولة من دون ضرائب، ولا سيادة مالية مع إدارة عاجزة عن التحصيل. لكن السيادة الضريبية ليست القدرة على الوصول إلى أكبر عدد من الجيوب؛ بل إنها القدرة على توزيع العبء وفق منطق اقتصادي واجتماعي عادل.
فالضريبة ليست تقنية محاسبية محايدة. هي تدخل في توزيع الدخل والثروة وفي توجيه السلوك. من هنا يطرح المشروع سؤالًا جوهريًا: هل يجري بناء النظام الضريبي وفق القدرة على الدفع أم على سهولة التحصيل؟
المعاملات والاستهلاك والخدمات مطارح ظاهرة وسريعة الوصول. أما الثروة والريع والأرباح الأكثر تعقيدًا فتحتاج إلى إدارة ضريبية أقوى وقواعد بيانات أوسع وقدرة أكبر على التدقيق. والخطر يبدأ عندما تتحول محدودية الإدارة إلى فلسفة ضريبية غير معلنة: أن تجبي الدولة حيث تستطيع، لا حيث ينبغي اقتصاديًا أن تجبي.
عندها يصبح المكلف الظاهر أكثر عرضة من الثروة القادرة على التخفي، والاستهلاك اليومي أكثر سهولة في الالتقاط من الريع المتراكم. وهنا لا تعود العدالة مسألة نسب فقط، بل مسألة اختيار للمطرح الضريبي نفسه. فالعدالة ليست أن يدفع الجميع المبلغ ذاته، بل أن يتوزع العبء بحسب القدرة، وأن يبقى الالتزام أقل كلفة من المخالفة.
دولة تشدّ بيد وترخي بالأخرى
هذه القاعدة تصبح أكثر أهمية عند قراءة سياسة الامتثال في المشروع. فثمة محاولات جدية لتعزيز الرقابة ومكافحة التهرب، لكن يقابلها في مواضع أخرى تخفيف لبعض العقوبات أو فتح نوافذ للتسوية.
المشكلة هنا ليست أخلاقية، بل اقتصادية وقانونية. فالمنظومة الضريبية تصنع حوافز. وإذا أصبح انتظار التسوية أقل كلفة من الالتزام في موعده، فإن الدولة تكون قد أعادت تسعير المخالفة بدل ردعها. والتسوية التي تتكرر تفقد صفتها الاستثنائية؛ تتحول إلى توقع يدخل في حساب المكلف.
والدولة لا تجبي بالقانون وحده، بل بصدقية القانون.وصدقيته تبدأ حين يعرف المكلف أن الامتثال ليس سذاجة، وأن من دفع في موعده لن يجد نفسه في وضع أسوأ ممن انتظر. عندها فقط تتحول الضريبة من مواجهة موسمية مع الإدارة إلى قاعدة مستقرة في العلاقة بين المواطن والدولة.
ما ينقص الموازنة هو الفكرة
الخروج من الانهيار لا يحصل بمجرد تحسين قدرة الخزينة على تمويل نفسها. قد ترتفع الإيرادات، وتُدفع الرواتب، وتستمر الخدمات، وربما يتحقق توازن حسابي، فيما يبقى الاقتصاد عاجزًا عن إنتاج الثروة التي تحتاج إليها الدولة للاستمرار.
عندها لا يكون العجز قد اختفى. يكون قد انتقل من دفاتر الخزينة إلى بنية الاقتصاد.
لا يعني ذلك أن مشروع 2027 يخلو من الإصلاح. فيه تصحيحات ضرورية، ومحاولات لرفع الامتثال وتحديث التحصيل ومعالجة بعض التشوهات. لكن تكاثر الإصلاحات الجزئية لا يصنع، وحده، مشروعًا إصلاحيًا.
ما ينقص هو العمود الفقري الذي يحول الإجراءات المتفرقة إلى سياسة واحدة.
أي دولة نريد تمويلها؟ وأي اقتصاد نريد أن يمولها؟ كيف يصبح الإنفاق العام استثمارًا في توسيع القاعدة الاقتصادية بدل أن يبقى توزيعًا لما استطاعت الخزينة جمعه؟ وكيف تنتقل الضريبة من وسيلة لسد الحاجة إلى أداة لتصحيح الاختلالات وتوجيه رأس المال والإنتاج؟
هذه ليست أسئلة نظرية. إنها جوهر الموازنة.
فالمالية العامة لا تستقيم لمجرد أن يتساوى ما يدخل بما يخرج. بل تستقيم حين يصبح ما يخرج قادرًا على توسيع ما سيدخل غدًا.
وهنا تختصر موازنة 2027 مأزقًا أوسع للدولة اللبنانية: انشغال متزايد بكيفية تمويل وجودها، في مقابل عجز مستمر عن إعادة تعريف وظيفة هذا الوجود.
لذلك ليس السؤال الأهم: هل تستطيع الخزينة تمويل سنة 2027؟ بل ماذا سيكون قد تغيّر في الاقتصاد اللبناني عندما تنتهي سنة 2027 الماليّة؟
إذا بقي الجواب غامضًا، فلن تكون المشكلة في الأرقام. ستكون في الفكرة التي كان يفترض أن تمنح هذه الأرقام معناها. فالدولة التي تضع موازنة لسنتها من دون أن تضع تصورًا لمستقبلها، لا تعالج أزمتها؛ بل إنها تعيد تمويلها.
