“لعنة كاساندرا”: عندما يُصبح المستقبل خبراً قديماً

في الميثولوجيا الإغريقية، امتلكت كاساندرا هبة ثقيلة: رؤية ما سيأتي. رأت سقوط طروادة، وحذّرت من الحصان الخشبي، وعرفت الكارثة وهي ما تزال احتمالاً. مأساتها ولدت من المسافة بين المعرفة والفعل. بعد آلاف السنين، خرجت كاساندرا من الأسطورة وصارت مؤسسة كونية موزعة بين المختبرات والأقمار الصناعية ومراكز الأبحاث والنماذج الاقتصادية والبيانات والخوارزميات.

يعرف العالم اليوم عن مستقبله أكثر مما عرف أي مجتمع سابق. يعرف مسارات الاحترار، وتحولات المياه والغذاء، ومؤشرات الأوبئة، واتجاهات الشيخوخة والهجرة، وحركة الديون والأسواق، وتبدلات المهن تحت ضغط الذكاء الاصطناعي، كما تستطيع مراكز الدراسات التقاط مقدمات أزمات اجتماعية وسياسية قبل اكتمال صورتها. الحضارة طوّرت قدرة هائلة على استشراف الغد، فيما بقي الإنسان يحمل دماغاً صاغته آلاف السنين من الاستجابة للخطر القريب: نار أمامه، حيوان يطارده، عدو عند حدود القرية.

هنا تبدأ لعنة كاساندرا الحديثة.

في العام 2026 نُشرت دراسة في (International Journal of Disaster Risk Reduction)، جمعت في طيّاتها نتائج 127 دراسة، أظهرت أن إدراك المخاطر يتشكل عبر علاقة الفرد بالخطر، وعلاقته بالجماعة، وخصائصه النفسية والاجتماعية.  ونُشرت دراسة أخرى في (Safety Science) شملت 705 مشاركين وجدت أن الأعراف الاجتماعية تؤثر في إدراك التحذيرات بدرجة قوية؛ فنحن نقرأ الخطر أيضاً في وجوه الآخرين وسلوكهم.  عندما يبقى الجميع جالسين، يكتسب الجلوس معنى الطمأنينة، وتنتج الجماعة شعورها بالأمان بشكل متبادل.

الأغرب أن التحذير نفسه يشيخ. تجارب اعتمدت التصوير الوظيفي للدماغ وجدت انخفاضاً تدريجياً في الاستجابة العصبية مع تكرار رسائل التحذير، بالتوازي مع ازدياد شرود الذهن. إنها آلية «الاعتياد»: ما يقرع جرس الخطر في المرة الأولى يستطيع، بالتكرار، أن يتحول إلى جزء من الأثاث النفسي.

وهنا يمكن اقتراح تعبير آخر: تضخم المستقبل.

وكما تفقد العملة النقدية بعض قوتها مع تضخمها، تتراجع قوة المستقبل حين يصبح حاضراً بكثافة في كل دقيقة. يستيقظ الإنسان على تحذير من المناخ، يتناول قهوته وأمامه احتمال حرب وشيكة؛ يقرأ ظهراً تقريراً عن مهنة ستبتلعها الأتمتة؛ يُشاهد مساءً كارثة طبيعية، وبين خبرين تمر أمامه إعلانات وأغانٍ وقطط راقصة. دراسة عالمية حديثة شملت بيانات من 120 دولة وجدت أن البشر يلجأون عادة إلى مصادر متعددة للتحقق من معلومات الإنذار، في بيئة اتصالية صار فيها الخبر موزعاً بين الإعلام التقليدي والمنصات الاجتماعية.

لقد حدث انقلاب أنثروبولوجي بالغ الغرابة: كان أسلافنا يملكون معلومات قليلة عن أخطار كثيرة، بينما نملك معلومات كثيرة عن أخطار كثيرة حصلت أو ستحصل. صار الإنسان يحمل كوارث الكوكب في جيبه، ويمررها بإصبعه.

لهذا تبدو كاساندرا شخصية شديدة المعاصرة. مأساتها القديمة كانت في غياب التصديق، ومأساتنا تكمن في وفرة الإنذار حتى الاعتياد. طروادة الجديدة تعرف مكان الحصان، وتملك صوراً فضائية له، وتحليلاً للخشب، ونماذج تحسب ما قد يخرج من جوفه، ثم تنشغل ساعات طويلة بالسؤال عن صاحب المنشور الأول.

ربما أصبحت المشكلة الكبرى في علاقتنا بالمستقبل كامنة في فجوة صغيرة ومخيفة: قدرتنا على معرفة ما يقترب تنمو بسرعة مذهلة، وقدرتنا على الشعور بأن ما نعرفه يستحق الفعل تتحرك بإيقاع أبطأ.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  ترامب في مواجهة بيروقراطية الدولة.. هل ينجح؟
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  مركز دايان: فتح وحماس مُهدّدان.. وأسئلة ما بعد عباس