لبنان والأردن من خطوط العروبة إلى خط الغاز

شكّل الحضور القوي للأزمة اللبنانية في لقاءات عاهل الأردن عبدالله الثاني مع الرئيسين الأميركي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين، في تموز/يوليو، وآب/أغسطس الماضيين، وما استتبعها من محاولات لإحياء خط الغاز العربي، فرصة لإعادة الطرق على أبواب الذاكرة اللبنانية ـ الأردنية منذ تأسيس إمارة شرقي الأردن في عشرينيات القرن الماضي.

يتصدر رشيد طليع  (1877–1926) رأس قائمة اللبناييين الذين أدّوا دوراً سياسياً مميزاً في التاريخ السياسي الأردني منذ الإعلان عن تأسيس الإمارة، فالرجل تولى رئاسة أول حكومة أردنية في نيسان/ابريل عام 1921، وعهد إليه الأمير (الملك) عبدالله بن الحسين تنظيم شؤون الإمارة الناشئة، من خلال ضبط موازنتها أولاً وتنظيم شؤونها الأمنية ثانياً، وذاك ما يشرحه مؤرخون ومفكرون عديدون من بينهم الكاتب والمؤرخ أمين سعيد (1892ـ1967) في كتابه بالغ القيمة “الثورة العربية الكبرى”.

لم يكن رشيد طليع سوى واحدٍ من عشرات اللبنانيين الذين وفدوا إلى الأردن بعد سقوط  حكومة فيصل بن الحسين في دمشق عام 1920، وإلى الإمارة الأردنية المستحدثة حملوا أحلاماً جديدة تستعيد ترميم مشروع “سوريا الكبرى” الذي تلقى ضربة مزلزلة إثر الحملة الفرنسية على الحكومة الهاشمية في دمشق.

ومن هؤلاء اللبنانيين الذين تبؤوا مناصب عالية في إمارة شرقي الأردن، فؤاد يوسف سليم (1894ـ 1926) أحد مؤسسي الجيش الأردني وقائده في فترة لاحقة، وسيرته العسكرية يوردها بالتفصيل كبير المؤرخين الأردنيين علي محافظة في كتابه “تاريخ الأردن المعاصر” الصادر عام 1973.

ويتموضع الشاعر المعروف محمد علي الحوماني (1898 ـ 1964) في صدراة الذين عملوا في الشؤون التربوية والتنشئة القومية في الأردن، وكانت لقصائده سبق السبق في المواد الأدبية والإحتفالات الرسمية في الإمارة الأردنية، وعلى ما تقول “وكالة الأنباء الأردنية” بتاريخ 21 آذار/مارس 1921 وفي ذكرى مئوية الأردن “إن اول مدرسة ثانوية انشئت في الأردن هي مدرسة السلط الثانوية التي خرّجت أول فوج لها في السنة الدراسية 1926-1927 وقد كان المعلمون الذين يدرسون في هذه المدرسة صفوة من المعلمين اللبنانيين والسوريين، ومن اللبنانيين الشعراء محمد علي الحوماني ونديم الملاح وفؤاد الخطيب”..

وفي السياق ذاته، نشرت صحيفة “الرأي” الأردنية في 19 أيلول/سبتمبر 2014 مقالة للناقد الدكتور محمد عطيات بعنوان “الشعر في الأردن نشأته ومسيرته وتطوره” قال فيها “كان (الحوماني) مدرساً في مدرسة السلط لسنوات طويلة واللغوي اللبناني مصطفى الغلاييني والباحث الشاعر عادل ارسلان وفؤاد الخطيب (وغيرهم) اسهموا في إحداث حالة اهتمام شعري متوهج، ولعل محمد علي الحوماني وفؤاد الخطيب أثّرا أكثر من غيرهما في الجيل”، وفي المحفوظات الأردنية قصائد مؤثرة لشعراء لبنانيين أمثال محمد كامل شعيب (1890ـ1980) وشبلي ملاط (1867 ـ 1960) ومحمد نجيب مروة (1880 ـ 1956).

فؤاد الخطيب (1880 – 1957) الشاعر والأديب كما مرّ وصفه وأحد رموز الثورة العربية الكبرى، عمل مستشاراً لعبدالله بن الشريف حسين حتى منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، وشغل قبل ذلك منصب وزير الخارجية في الحكومة الفيصلية في دمشق، حسبما يقول فيصل دراج في مقالة له منشورة في صحيفة “الدستور” الأردنية في الأول من نيسان/إبريل 2016 بعنوان “فؤاد الخطيب الشاعر الذي أراد أكثر من نهضة”.

وأما مصطفى الغلاييني (1886 ـ 1945) الذي رأس “المجلس الإسلامي الأعلى” في لبنان، فقد كان أحد أهم مؤسسي “المجمع العلمي” في عمان، وأنيط إليه أيضا وضع مناهج  مادة الأدب العربي في المدارس الأردنية، بينما يتصدر علي غندور (1931 ـ 2020) لائحة  كبار رجال الأعمال اللبنايين الذين ارتبطت أسماؤهم بنجاحات باهرة وحاذقة في الأردن، كان من بينها تأسيس شركة الخطوط الجوية الملكية الأردنية المعروفة بإسم “عاليه”.

الكاتب سلمان الحطاب: “لا يُذكر تأسيس الإمارة إلا ويأتي ذكرهم، إنهم لبنانيون في الجذور الأردنية، وهذا ما يدفع شعبنا اليوم  لتأييد الشعب اللبناني والإنتصار لقضيته العادلة” (2006)

وتطفح كتابات المؤرخين الأردنيين بإيراد دور اللبنانيين في الأردن ومن بينهم المؤرخان سليمان الموسى ومنيب ماضي، وفي القائمة اللبنانية المميزة، يتبوأ المفكرعجاج نويهض (1897ـ1982) موقعاً في غاية التأثير في مسار الأردن السياسي والفكري والتاريخي والإعلامي، وبعدما كان عمل على تأسيس مجلة “العرب” في مدينة القدس وأشرف على القسم العربي في دار الإذاعة الفلسطينية حين تأسست عام 1936، انتقل إلى الأردن ليشرف على إدارة الإذاعة الأردنية، فضلاً عن دوره الكبير في مشروع “وحدة الضفتين” عام 1950، مثلما جاء في رسالة بحثية لنيل شهادة البكالوريوس لأنس أبو يحيى بعنوان “الدروز في الدولة الأردنية 1921ـ 1950” منجزة في عام 2013.

ومن الأسماء اللبنانية اللامعة والمؤثرة في الأردن خليل نصر (1888ـ 1949) الذي كان أصدر صحيفة فلسطينية بإسم “حراب الكردى”،  ثم نقلها إلى مدينة عمان في عام 1927 ليصدرها بإسم جديد هو “الأردن” وأدّت دوراً فائق الأهمية في الحياة السياسية والفكرية الأردنية، وحافظت على وتيرة صدورها حتى العام 1982، بالرغم من الرحيل المبكر لمؤسسها، في حين تبقى أدوار الأميرين شكيب وعادل ارسلان ومحمد علي بيهم استثنائية وطليعية في غزارة تأثيرها السياسي والفكري في المسيرة الأردنية منذ مرحلة الإمارة إلى مرحلة المملكة.

هل توقف التأثيراللبناني عند محطات ومفاصل نشوء الأردن؟

بطبيعة الحال لا، وفي هذا السياق يمكن المرور على مسارات ما بعد ثبات الأردن كدولة ومملكة، وهي مسارات ترتبط بتعقيدات العلاقات الأردنية ـ العربية، وما تخللها من أزمات وصدامات في أحيان وأزمان، وبعض جذورها يعود إلى المرحلة الهاشمية الأولى:

يقول روجيه جهشان في كتابه “حسين العويني خمسون عاماً من تاريخ لبنان والشرق الأوسط”، إن الملك عبد العزيز آل سعود القى على عاتق حسين العويني (رئيس الحكومة اللبنانية لعدة مرات) عام 1924 مهمة التفاوض مع الملك علي بن الشريف حسين (شقيق ملك الأردن عبدالله الأول)، لتسوية أوضاع منطقة الحجاز بالطرق السلمية، وهو أمر افضى إلى خروج الملك علي من الحجاز إلى العراق ليكمل سنواته الأخيرة في عهدة  شقيقه الملك فيصل.

يقول بشارة الخوري “بلغنا أن رئيس الوزارة اللبنانية ـ رياض الصلح ـ تلافى بحكمته الإنشقاق في الجامعة العربية، فقد أشار إلى ممثل عمان بالتغيب عن الجلسة، فأرجىء البحث في موضوعه إلى الدورة العادية وزال التوتر”

وحين اضطربت العلاقات المصرية ـ الأردنية في أواخر أربعينيات القرن الماضي، عمل اللبنانيون على إطفائها، وحول ذلك ما يجب الوقوف عنده:

إقرأ على موقع 180  ستة أسرى يتحررون.. نفق تصدع المجتمع الإسرائيلي

ـ في “مدونات العالم العربي” للأمير شكيب إرسلان وبتاريخ 25 ـ 9 ـ 1948، “بعث ملك الأدرن عبدالله بن الحسين برقية إلى أمين عام جامعة الدول العربية عبد الرحمن عزام، محتجاً على تأليف حكومة عموم فلسطين، مصرحاً أن الأردن لا يتساهل في تشكيل حكومة في أماكن الحكومة الأردنية من حدود المملكة المصرية إلى حدود سوريا”.

هذه كانت نقطة خلاف شديدة بين الأردن ومصر، يكشف بعض وجوهها بشارة الخوري أول رئيس للجمهورية اللبنانية بعد الإستقلال، إذ يقول في مذكراته بعنوان “حقائق لبنانية”:

“جاءتنا أخبار تنذر بخطر يهدد الجامعة العربية (1948)، فقد وقفت حكومة مصر موقفاً عدائياً من الأردن، وخيّرت مندوبي الدول في واحد من أمرين: إما إخراج الأردن ـ من الأراضي الفلسطينية ـ أو خروجه من الجامعة، وأبرق رياض الصلح يستشيرني فأجبته بضرورة كسب الوقت”.

كيف تم حل هذه الإشكالية الخطيرة؟

يقول بشارة الخوري “بلغنا أن رئيس الوزارة اللبنانية ـ رياض الصلح ـ تلافى بحكمته الإنشقاق في الجامعة العربية، فقد أشار إلى ممثل عمان بالتغيب عن الجلسة، فأرجىء البحث في موضوعه إلى الدورة العادية وزال التوتر”.

وهذا الدور الوسيط  بين الأردن وأقطار عربية أخرى، سيضطلع به ايضاً الأمير عادل ارسلان، مرة بين عمان ودمشق، ومرة بين الأولى وبغداد، او بين الثانية ودمشق، غير أن رياض الصلح أول رؤساء الحكومات اللبنانية بعد الجلاء الفرنسي عن لبنان، يشكل قطب الرحى في الحراك السياسي اللبناني نحو العالم العربي ومنه الأردن بطبيعة الحال، وعلى ما يقول باتريك سيل في كتابه “رياض الصلح والنضال من أجل الإستقلال العربي” إن عبدالله الأول دعا الصلح إلى مدينة عمان عام 1951 لإبلاغه بموافقته على إنشاء مملكة هاشمية متحدة تضم الأردن والعراق، يكون الوصي على عرش العراق عبد الإله ملكاً دستورياً لها، طالباً من رياض الصلح أن يعمل على إقناع العرب بهذا المشروع.

لا شك أن العلاقات الأردنية ـ اللبنانية على المستوى الرسمي، شهدت مستويات متفاوتة صعوداً وهبوطاً، منها على سبيل المثال معارضة الدولة اللبنانية  لمشروع “سوريا الكبرى” الذي طرحته المملكة الهاشمية في الأربعينيات، ومن ثم الإنقسام الشعبي والسياسي اللبناني الحاد في عهد الرئيس كميل شمعون، ولكن محاولة الإنقلاب العسكرية الفاشلة التي قام بها جناح من “الحزب السوري القومي الإجتماعي” في نهاية عام 1961، أحدثت اضطراباً بين بيروت وعمان، بسبب عدم تسليم الأردن أفراداً متهمين بالمحاولة الإنقلابية فروا إليه، وبالرجوع إلى تلك الفترة، يمكن قراءة الآتي:

ـ في 4 شباط/فبراير 1962، أعلن الرئيس رشيد كرامي، وفقاً لما نشرته صحيفة “لسان الحال” اللبنانية، أن “هدف المؤامرة الفاشلة الإستيلاء على السلطة للإنطلاق في ما بعد إلى تحقيق أهدافهم البعيدة، ألا وهي سوريا الكبرى أو ما يسمونه الهلال الخصيب”.

ـ الملك حسين، كان أعلن في 12 كانون الثاني/يناير 1962 “شجبه لزج إسم الأردن في الأحداث اللبنانية”، وقال بحسب صحيفة “النهار” البيروتية في الثالث عشر من الشهر المذكور “إن الهدف من توجيه أصابع الإتهام نحو الأردن “تلطيخ إسمه والإساءة إلى سمعته في العالم”.

وعلى ما ظهر لاحقاً، أن منعطف الإضطراب بين لبنان والأردن، لم يعمّر طويلاً، ففي القمة العربية التي انعقدت في الإسكندرية عام 1964، التقى الرئيس شارل حلو والملك حسين (الصورة أدناه)، وفي آب/أغسطس 1967، زار العاهل الأردني العاصمة اللبنانية، ويقول أسعد الغزي في كتاب مرموق بعنوان “العلاقات الأردنية ـ اللبنانية 1953 ـ1967” إن العلاقات بين عمان وبيروت “امتازت بالود والتفاهم بين الأعوام 1964 ـ 1967 اذ لم تذكر الوثائق التاريخية أي اختلاف أو تنازع بينهما”.

وحول محاولة الإنقلاب الفاشلة، يقول الدبلوماسي اللبناني نديم دمشقية الذي أودع تجربته الطويلة في كتابه “محطات في حياتي الدبلوماسية” الصادر عن “دار النهار” في عام 1995:

“طلبت الخارجية اللبنانية من السفارة في واشنطن، تقصي صحة هذه المعلومات، عملت جاهداً بين أصدقائي في الخارجية الأميركية وأوساط وكالة الإستخبارات (سي. أي. إي) وتمكنت من تجميع معلومات من مصادر مختلفة تنفي وجود مؤامرة خارجية وراء محاولة الإنقلاب في لبنان، وكان الرأي السائد في الدول الغربية، أن الذين نفذوا العملية هم مجموعة من المغامرين اللبنانيين”.

في الختام عودة إلى عام 2006:

تحت عنوان “لبنانيون في جذور أردنية”، نشرت صحيفة “الرأي” الأردنية مقالة للكاتب سلمان الحطاب بتاريخ 7 ـ 9 ـ 2006، أورد فيها أسماء لبنانية أسهمت في بناء الأردن وتطويره “إذ لا يُذكر تأسيس الإمارة إلا ويأتي ذكرهم، إنهم لبنانيون في الجذور الأردنية، وهذا ما يدفع شعبنا اليوم  لتأييد الشعب اللبناني والإنتصار لقضيته العادلة”.

من ما زال يذكر نشيد الثورة العربية الكبرى والنشيد العربي الأول:

بيــض صنائعنا سود وقـائعـنا / خضر مرابعنا حمر مواضينا.

Print Friendly, PDF & Email
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  انتخاب رئيس حكومة جديد في ليبيا.. تقطيب "الميت"!