نحن في خضم مرحلة يتداخل فيها الجيوبوليتيك مع الجيو-اقتصادي بصورة متزايدة، بحيث أصبحت القوة لا تُقاس فقط بما تمتلك الدولة من سلاح وما تحشد من جيوش، بل أيضاً بقدرتها على التحكم في الموارد التي يحتاج إليها العالم لإنتاج الطاقة والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة.
خلال القرن العشرين، كان النفط أحد أهم مفاتيح القوة الدولية. فالدولة التي تمتلك النفط أو تسيطر على طرق نقله وأسواقه تستطيع امتلاك هامش واسع من النفوذ الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي. لكن القرن الحادي والعشرين بدأ يوسّع مفهوم «المورد الاستراتيجي». فمع التحول نحو الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والبطاريات والإلكترونيات والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية، أصبحت المعادن الأرضية النادرة والمعادن الحيوية، مثل الليثيوم والكوبالت والغرافيت والنحاس جزءاً أساسياً من معادلة القوة.
والأهم أن الصراع لم يعد فقط على امتلاك المناجم، بل على امتلاك سلسلة القيمة كاملة: الاستخراج، المعالجة، التكرير، التصنيع، ثم الوصول إلى الأسواق. وهنا تظهر أهمية الصين. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، كانت الصين في عام ٢٠٢٥ الدولة الرائدة في تكرير معظم المعادن الحيوية، إذ كانت صاحبة أكبر حصة من التكرير في ١٩ من أصل ٢٠ معدناً استراتيجياً محل الدراسة، بمتوسط يقارب ٧٠%. وفي العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في المغناطيس، بلغت حصة الصين من التكرير نحو ٩١% في ٢٠٢٤، فيما وصلت حصتها من إنتاج المغناطيسات الدائمة إلى نحو ٩٤%. في الفترة نفسها..
وهنا تتحول المادة الخام إلى أداة قوة. فالمادة الاستراتيجية تقود إلى التجارة، والتجارة تقود إلى عملة التسوية، وعملة التسوية تخلق طلباً إضافياً على تلك العملة. ومن هنا يمكن فهم جزء من مساعي الصين إلى توسيع استخدام اليوان في التجارة الدولية، ليس باعتباره بديلاً للدولار، وإنما باعتباره وسيلة لتوسيع المجال الذي تستطيع الصين من خلاله تقليل اعتمادها على النظام المالي الذي يهيمن عليه الدولار.
لكن الأرقام الحالية تظهر أن الطريق ما يزال طويلاً. فقد بلغت الاحتياطيات الرسمية العالمية من العملات الأجنبية ١٣.١٤ تريليون دولار في الربع الرابع من عام ٢٠٢٥، وكانت حصة الدولار حوالي ٥٦%، مقابل ٢٠.٢٥% لليورو و١.٩٥% فقط لـ”عملة الشعب” أو “الرِنمينبي” (Renminbi) ولذلك يصبح أيُّ حديث عن نهاية الدولار مبالغاً فيه اليوم؛ فالقوة النقدية لا تقوم على التجارة وحدها، وإنما على عمق الأسواق المالية والسيولة والثقة ودور العملة في الاحتياطيات والتمويل الدولي.
لكن السؤال الأكثر أهمية قد يكون مختلفاً: هل تستطيع الصين أن تُقلّص تدريجياً المجالات التي يحتاج فيها العالم إلى الدولار، بدلاً من محاولة إسقاطه مباشرة؟
هنا يصبح «الحزام والطريق» أكثر من مجرد مشروع للبنية التحتية. فالميناء لم يعد مجرد مكان تصل إليه السفن وتغادره، والممر التجاري لم يعد مجرد خط يربط نقطتين. عندما تتصل المناجم بالمصانع، والمصانع بالموانئ، والموانئ بالممرات البرية والبحرية، ثم ترتبط التجارة بالتمويل وأنظمة الدفع والعملة، نكون أمام منظومة متكاملة. ولهذا تصبح الموانئ والممرات جزءاً من معركة القوة، لأنها تتحكم في حركة الموارد والبضائع ورأس المال.
ومن هنا ننتقل من “جيوبوليتيك النفط” إلى “جيوبوليتيك المعادن”، حيث تتحرك الطاقة والمعادن والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد جنباً إلى جنب. النفط لن يفقد أهميته، لكن مفهوم المادة الاستراتيجية لم يعد محصوراً فيه. فالليثيوم يدخل في البطاريات، والعناصر الأرضية النادرة في المحركات والمغناطيسات والتكنولوجيا والدفاع، والنحاس في شبكات الكهرباء، والغرافيت في البطاريات، فيما ترتبط الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي مباشرة بالأمن الاقتصادي والعسكري.
وهنا تبرز أهمية “فخ ثيوسيديدس”. فثيوسيديدس لم يقل إن الحرب بين القوة الصاعدة والقوة المهيمنة حتمية، بل أظهر كيف يمكن لصعود قوة جديدة أن يولّد الخوف لدى القوة المهيمنة، وأن يتحول الخوف إلى تنافس ثم إلى صراع. وهذا ما يجعل المنافسة الأميركيةـالصينية اليوم تتجاوز التجارة إلى التكنولوجيا والطاقة والمعادن والممرات والتمويل والعملات.
وقد لا تكون المعركة المقبلة حول اليوان والدولار مجرد منافسة بين عملتين، بل بين منظومتين ماليتين واقتصاديتين متكاملتين: عملة، أسواق، بنوك، أنظمة دفع، تكنولوجيا مالية، ممرات، وشبكات تسوية عابرة للحدود. أي أن المستقبل قد لا يكون صراعاً بين «عملتين» بالمعنى التقليدي فقط، بل بين منظومات مالية أكثر رقمية وترابطاً.
وهكذا تصبح المعادلة أكثر وضوحاً: المادة، ثم المصنع، ثم الميناء، ثم الممر، ثم السوق، ثم العملة. ومن يملك القدرة على ربط هذه الحلقات معاً يمتلك جزءاً مهماً من القوة.
لذلك، فإن “حروب بلا قتلى” قد تكون في الواقع حروباً على مناجم ومعامل تكرير وموانئ وممرات ورقائق ومعادن وأسواق وأنظمة دفع، وعلى من يمتلك القدرة على تحديد قواعد اللعبة الاقتصادية.
ولعل السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس فقط ما إذا كان اليوان سيحل مكان الدولار، بل ما إذا كان العالم يتجه تدريجياً نحو إعادة توزيع وظائف القوة المالية والاقتصادية بين منظومات متنافسة، في مرحلة قد تصبح فيها المعادن الحيوية بالنسبة إلى القرن الحادي والعشرين شبيهة بما كان النفط بالنسبة إلى القرن العشرين.
(*) ثيوسيديدس هو مؤرخ إغريقي شهير من القرن الخامس قبل الميلاد، وتُؤشر عبارة “فخ ثيوسيديس” إلى الحرب بين أثينا وإسبارطة، وتحديداً إلى النزوع إلى الحرب عندما تواجه دولة مهيمنة (إسبارطة) تحدياً من دولة صاعدة (أثينا).
