الحزام والطريق Archives - 180Post

801-7.jpg

عندما واجه الرئيس الصيني شي جين بينغ نظيره الأميركي دونالد ترامب خلال قمة بكين الأخيرة بفرضية "فخ ثيوسيديدس"، لم يكن هدفه الخوض في مناظرة فلسفية مستمدة من التاريخ اليوناني القديم والحرب المدمرة بين أثينا وإسبارطة؛ بل إطلاق تحذير مفاده أنه "علينا أن نجد اتفاقاً لإدارة صعود الصين من دون حرب بيننا وبينكم، أو أن التاريخ سيُبيّن لنا أن أية مواجهة ستُرتب نتائج سيئة لنا ولكم".

TAI-WAN-IT.jpg

لا يمكن فهم التحركات الصينية المتسارعة في بحر الصين الجنوبي بوصفها مجرد نزاع حدودي على جزر صغيرة أو شعاب مرجانية متناثرة في المياه الاستوائية. فالصراع الدائر هناك أعمق بكثير من خرائط السيادة وأبعد من الخلافات القانونية حول الحدود البحرية.

850.jpg

عام 2023، تمّ في قمّة العشرين بنيودلهي الإعلان عن مبادرة ممرّ الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC) كردٍّ أميركي-إسرائيلي على مبادرة الحزام والطريق الصينية، وداعماً للاتفاقات الإبراهيمية بين إسرائيل ودول الخليج، بل مؤسِّساً لمنظور تحالفٍ "هندي-إبراهيمي" مُفترض يرعاه بنيامين نتانياهو ودونالد ترامب. ممرٌّ يصل آسيا بأوروبا برّاً عبر الخليج والأردن وميناء حيفا، ويشمل طرقاً وسككاً حديدية، وكذلك مادّة المستقبل: البيانات، عبر كابلات الألياف الضوئية.

12D61FE9-F8D1-401B-A19F-BAD9E8322E59.jpeg

لم تعد زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين حدثاً دبلوماسياً عادياً يرتبط بالخلافات التجارية أو الرسوم الجمركية أو التنافس التكنولوجي فحسب، بل جاءت في لحظة تشهد تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، حيث بدأت الولايات المتحدة تدرك أن العالم يتجه تدريجياً من مرحلة الهيمنة الأميركية الأحادية إلى مرحلة الصراع على إعادة توزيع مراكز القوة العالمية.

800-4.jpg

مع بدء العد العكسي للقاء القمة المرتقب بين دونالد ترامب وشي جين بينغ في بكين، تبدو التوقعات أعلى من الوقائع، والرهانات أكبر من المؤشرات المتاحة. ومع ذلك، فإن مجرد انعقاد هكذا قمة يكشف عن لحظة دولية حسّاسة، تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى فوق خرائط ملتهبة، من شرق أوروبا إلى غرب آسيا، مروراً بالعقدة الأكثر تعقيداً: إيران.

Trump-Xi-trade-truce.jpg

في لحظات التحول الكبرى، نادرًا ما تعلن الدول أهدافها الحقيقية. الحروب، لا تُفهم من خلال بياناتها الرسمية، بل من خلال ما تعيد تشكيله في خرائط القوة العالمية. من هذا المنظور، تبدو الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران أقل ارتباطًا ببرنامج نووي أو صاروخي أو توازن ردع أو نفوذ إقليمي، وأكثر اتصالًا بمحاولة عميقة لإعادة هندسة النظام الدولي (وضمناً الإقليمي) في لحظة يتآكل فيها التفوق الأميركي لمصلحة نظام متعدد الأقطاب.

800-1.jpg

خلال الأسبوع الماضي، برزت باكستان كوسيط في الحرب التي تشنها أميركا وإسرائيل على إيران، وهذه هي المرة الأولى التي تلعب فيها باكستان دورًا بهذا الحجم في قلب الخليج العربي. السؤال: هل هذا الدور مدفوع باتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان التي تنص على التزام كلا البلدين بالتعامل مع أي عدوان ضد أحدهما بوصفه عدوانًا ضد البلدين، مع التذكير بأنّ إسلام آباد التزمت الصمت عندما انهالت الصواريخ والطائرات المسيّرة على حليفتها الرياض التي لم تستنجد علناً بحليفتها الآسيوية.

750-1.jpg

خُماسيّةُ إيرانَ استثناءٌ كبيرٌ. سبقتْها ستالينغراد في الحربِ العالميّةِ الثانية، وهي الأولى في الراهنِ المعاصر بعد كوبا وفيتنام. يقعُ التمايزُ بينها جميعاً في المنطلقاتِ الفكريّة، وينشأُ التشابهُ التطبيقيُّ في الميدانِ السياسـو-إستراتيجي. كلُّها كانت حروبَ تصدٍّ للكولونياليّةِ الرأسماليّة، والرمزُ الأعلى فيها كان مواجهةَ الولاياتِ المتحدة. ولقد انهزمت فيها كلُّها.

799-2.jpg

صراع الخرائط والممرات محتدمٌ اليوم، جغرافياً وسياسياً، في منطقة تشغل قلب العالم، بما تختزنه من إرث حضاري ومادي ومعنوي: من الموقع الجغرافي، الذي يمتد بين محيطات وسلاسل جبلية وما بينها من خطوط مواصلات وتقاطع ممرات، إلى ما يختزنه باطنها وسطحها من خيرات دفينة ومعلومة؛ النفط والغاز والطاقة الهوائية والثروات الطبيعية وتقاطع الطرقات. وإذا ما أضفنا إليهم التاريخ المتنقل بين الحق والأمم والحضارات والأديان فسنصبح على واقع، بقدر ما هو غنيّ، بقدر ما هو معقّد وغير مستقر؛ فمنطقة الزلازل لا تستقر على فالق واحد بل تتعدد وتتنوع؛ بعضها محلي وكثيرٌ منها خارجي، إن بالواسطة أو بالمباشر.

800-19.jpg

لم يعد الصراع في بحر الصين الجنوبي مجرّد نزاع بحري تقليدي تدور رحاه حول خلافات حدودية بين دول متجاورة، بل تحوّل خلال العقدين الأخيرين إلى إحدى أكثر ساحات التنافس حساسية في بنية النظام الدولي المعاصر. ففي هذا الحيّز البحري تتقاطع اعتبارات الطاقة والتجارة العالمية مع حسابات الأمن القومي وإعادة توزيع القوة، ما يجعل هذا البحر مرآةً للتحوّلات الجيوسياسية الكبرى التي يشهدها العالم، وفي مقدّمتها صعود الصين، في مقابل سعي الولايات المتحدة إلى الحفاظ على موقعها القيادي الذي بات يواجه تحدّيات متزايدة من قوى صاعدة أكثر قدرة وجرأة.