يُقدّم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت في تقدير موقف صدر في 24 أيلول/سبتمبر 2026 قراءة دقيقة لهذه المعضلة، انطلاقاً من قرار فتح اعتماد إضافي بقيمة 56,500 مليار ليرة لتمويل ستة رواتب إضافية للعسكريين وموظفي القطاع العام، بمفعول رجعي اعتباراً من آذار/مارس 2026. ويشير التقدير إلى أن الكلفة لا تقف عند حدود الرواتب، إذ تضاف إليها تعويضات عائلية ومنح مدرسية للعسكريين، بما يرفع الكلفة الإجمالية إلى نحو 780 مليون دولار؛ لكن أهمية المسألة لا تكمن في الرقم وحده. فالرواتب الستة تكشف مأزقاً أعمق في إدارة الدولة اللبنانية لملف الأجور والمالية العامة.
تصحيح مؤقت
لا ينطلق النقاش من فراغ اجتماعي. فالموظفون في القطاع العام تحملوا خلال سنوات الانهيار خسارة هائلة في القيمة الفعلية لأجورهم، بعدما تراجعت قيمة الليرة بنحو 98 في المئة. ويشير تقدير المركز العربي إلى أن مجموع التعويضات والمساعدات وسائر المبالغ التي حصل عليها العاملون في القطاع العام لم يتجاوز ثلث قيمة رواتبهم في نهاية عام 2019. لذلك فإن إعادة تصحيح الأجور ليست ترفاً مالياً، بل ضرورة للحفاظ على قدرة الإدارة العامة على العمل والاستمرار.
المشكلة أن الحكومة لم تعتمد التصور الإصلاحي الذي كان يمكن أن يحول هذا التصحيح إلى سياسة أجور طويلة الأمد. فقد أعد مجلس الخدمة المدنية ووزارة المالية، بالتعاون مع خبراء برنامج SIGMA، تصوراً يقوم على إلغاء الزيادات والتعويضات الاستثنائية التي أقرت منذ 2020، ومضاعفة الرواتب تدريجياً وصولاً إلى 46 ضعفاً عام 2030، بالتوازي مع إصلاحات في نظام التقاعد.
غير أن هذا المسار لم يعتمد بصيغته الكاملة، واستمرت الدولة في سياسة التعويضات المؤقتة. وهنا يتحول تصحيح الأجر من جزء من إصلاح شامل إلى استجابة دورية لضغط اجتماعي ومالي وسياسي.
هذه النقطة هي جوهر المشكلة: لبنان لا يملك حتى الآن سياسة مستقرة للأجور، بل سلسلة من التسويات التي تؤجل إعادة بناء هذه السياسة.
كلفة الدولة
تكشف الأرقام التي يعرضها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات حجم المعضلة. فقد بلغت نفقات الرواتب والأجور وملحقاتها في نهاية 2025 نحو 2.58 مليار دولار، أي ما يعادل 72 % من النفقات الجارية و54.5 % من إجمالي النفقات العامة. أما الزيادة الجديدة، التي تقدر بنحو 780 مليون دولار، فتوازي قرابة 30 % من حجم الإنفاق القائم على الرواتب والأجور وملحقاتها.
وتزداد دلالة هذه الأرقام عندما تقارن بالنفقات الاستثمارية التي لم تتجاوز 7.2 % من إجمالي الإنفاق العام عام 2025. فكل توسع إضافي في الإنفاق الجاري يعني، في ظل موارد محدودة، تضييق المساحة المتاحة أمام الاستثمار العام.
وهنا لا يصبح السؤال: هل يستحق الموظف زيادة في راتبه؟ بل: كيف تستطيع الدولة أن تمول هذه الزيادة بصورة مستدامة من دون أن تحوّل معظم مواردها إلى إنفاق تشغيلي؟
المفارقة أن المالية العامة شهدت في 2025 تحسناً نسبياً، مع ارتفاع الإيرادات وتحقيق فائض أولي كبير. لكن المركز العربي للأبحاث يحذر من صعوبة الحفاظ على هذا التحسن في ظل الحرب وتطوراتها، وفي ظل عدم إنجاز إعادة هيكلة الدين العام والإصلاح المالي.
اقتصاد بلا سياسة
تتجاوز تداعيات القرار المالية المباشرة مسألة حجم الإنفاق. فزيادة الرواتب تضخ سيولة إضافية في الاقتصاد، بينما تمثل الرواتب والأجور أحد أبرز مصادر الضخ النقدي بالليرة. ويشير المركز إلى أن زيادة هذه الكتلة بنحو 30 % تحتاج إلى إجراءات لامتصاص السيولة والحفاظ على التوازن النقدي واستقرار سعر الصرف.
لكن رفع القدرة الشرائية ليس بالضرورة مشكلة في حد ذاته. المشكلة أن الاقتصاد اللبناني لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد. وبالتالي يمكن أن يتحول جزء مهم من الدخل الإضافي إلى طلب على السلع المستوردة، بما يزيد الضغط على الاستيراد والكتلة النقدية وسعر الصرف.
وهنا تظهر الفجوة التي يضعها تقدير المركز في صلب النقاش، لبنان لديه أهداف مالية، لكنه لا يملك بعد سياسة اقتصادية متكاملة للنمو. فهناك تركيز على تثبيت سعر الصرف، وتحقيق فائض أولي، وضبط الإنفاق، وتأمين الإيرادات، لكن لا توجد في المقابل رؤية واضحة تربط الأجور بالأسعار والضرائب والإنتاج والاستثمار والنمو.
لهذا تبدو قضية الرواتب الستة أكبر من حجمها المالي المباشر. إنها تكشف دولة تتحرك بين ضرورات متعارضة، عليها أن تعوض موظفيها عن خسائر الانهيار، لكنها تخشى أثر الإنفاق على المالية العامة؛ تريد زيادة القدرة الشرائية، لكنها تخشى أثرها النقدي والاستيرادي؛ تحتاج إلى إدارة عامة قادرة على العمل، لكنها لا تزال عاجزة عن بناء نظام مستقر للرواتب والتقاعد.
المشكلة، إذن، ليست في أن الدولة دفعت ستة رواتب إضافية، ولا في أن الموظفين حصلوا على جزء من حقوقهم المهدورة. المشكلة أن هذه الزيادة لم تأت، حتى الآن، ضمن مشروع مكتمل لإعادة بناء المالية العامة والاقتصاد والإدارة.
وهذا هو السؤال الذي يتجاوز قرار الرواتب: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تنتقل من إدارة الخسائر إلى بناء سياسة؟
فالرواتب يمكن أن تعالج جزءاً من خسارة الموظف، لكنها لا تعالج خسارة الاقتصاد. والتعويض يمكن أن يشتري بعض الوقت، لكنه لا يصنع نمواً. أما الاستمرار في معالجة الأجور عبر قرارات مؤقتة، من دون إصلاح مالي واقتصادي متكامل، فيعني أن الدولة لا تزال تدير الأزمة بدلاً من أن تبدأ فعلياً بالخروج منها.
