هل يستطيع صانع الذكاء الاصطناعي التكيّف معه؟

أمضى الإنسان معظم تاريخه في تغيير العالم كي يناسبه. روّض النبات والحيوان، أعاد تشكيل الأرض بالزراعة، ثم سخّر المادة والطاقة في الثورة الصناعية، قبل أن تمنحه ثورة المعلومات قدرة غير مسبوقة على تخزين المعرفة وتداولها والتأثير في السلوك.

الآن، ومع ثورة الذكاء الاصطناعي، أصبحنا أمام منعطف مختلف: للمرة الأولى لا يغيّر الإنسان البيئة المحيطة به فقط، بل يصنع أنظمة تحاكي بعض القدرات التي استخدمها طويلًا لتعريف ذكائه وتميّزه. هنا تحديدًا يظهر سؤال أكثر عمقًا من السباق إلى بناء آلة أذكى: هل الإنسان نفسه مهيأ للعالم الذكي الذي يصنعه؟

هذا السؤال يقع في قلب مشروع Sapiens 5.0، الذي طرحه بول فيرشور وخوسيه هالوي وتوني بريسكوت في بيان عن تطوير التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. هذا المشروع لا ينطلق من افتراض أن التكنولوجيا وحدها ستعالج أزمات البشرية، بل يضع الإنسان نفسه في قلب المشكلة والحل، ويدعو إلى الجمع بين العلوم الطبيعية والهندسة والعلوم الاجتماعية والإنسانية لفهم «الوضع البشري» قبل محاولة إعادة تصميم المستقبل.  

إعادة التفكير في الإنسان

كانت الثورات التقنية السابقة توسّع قدرة الإنسان على التدخل في العالم الخارجي. لكن هذه القدرة جاءت بثمن. فقد رفعت الثورة الصناعية مستويات الإنتاج والصحة والرفاه، وفي الوقت نفسه أسهم نموذجها المادي في التلوث واستنزاف الموارد والضغط على المناخ والأنظمة البيئية.

ثم جاءت ثورة المعلومات لتضيف طبقة جديدة. لم يعد الإنسان يتدخل في المادة والطاقة فقط، وإنما في المعلومات والانتباه والسلوك والعلاقات الاجتماعية. ومع الذكاء الاصطناعي أصبحت الآلات قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات والتعلم منها، والمشاركة في اتخاذ قرارات كانت تُعد، حتى وقت قريب، مجالًا بشريًا في الأساس.

وهنا تكمن المفارقة: لقد تطورت التكنولوجيا بسرعة هائلة، فيما بقي الإنسان كائنًا بيولوجيًا تشكّل عقله خلال مسار تطوري طويل لم يكن مصممًا سلفًا لمواجهة الشبكات الرقمية والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ولهذا يرى مشروع Sapiens 5.0 أن أزمات العصر لا يمكن فصلها بعضها عن بعض. فالأنظمة البيولوجية والنفسية والاجتماعية والثقافية التي يعيش الإنسان داخلها متشابكة بدورها مع أنظمة الأرض الفيزيائية والبيولوجية، لتشكّل ما يشبه «شبكة من الشبكات». وأي حل يعالج عنصرًا واحدًا ويتجاهل بقية الشبكة قد ينقل المشكلة بدل أن يحلها.

ليس ذكاءً اصطناعيًا يشبه الإنسان

وهنا ينبغي توضيح أحد الالتباسات الأساسية. ما يقترحه المشروع ليس مجرد سباق لبناء ذكاء اصطناعي بمستوى الإنسان، بل تطوير ما يسميه (Humane AI)؛ والأقرب عربيًا هو «ذكاء اصطناعي إنساني التوجّه»: تكنولوجيا تعمل بالتعاون مع البشر ووفق احتياجاتهم وقيمهم، بدل اختزال المستقبل في منافسة بين الإنسان والآلة.

وفي هذا النموذج لا تكون الخوارزمية صاحبة القرار النهائي ولا يكون الإنسان مراقبًا عاجزًا عنها. المطلوب فرق تجمع الطرفين، بحيث تخضع أهداف النظام وسياق عمله وتأثيراته للمراجعة والتعديل استنادًا إلى المعرفة العلمية والخبرة الاجتماعية والثقافية والأخلاقية البشرية.

وهذا اختلاف جوهري. فالسؤال لا يعود: متى يصبح الذكاء الاصطناعي أذكى من الإنسان؟ بل: كيف يمكن الجمع بين ما تجيده الآلة وما يستطيع الإنسان أن يضيفه إليها؟

حتى مفهوم «الآلات الحية» (Living Machines) في المشروع لا يعني آلات تتحول حرفيًا إلى كائنات حية. إنه اتجاه يستلهم الأنظمة البيولوجية والطبيعية في تصميم تكنولوجيات أكثر استدامة، بدل الاعتماد الدائم على مواد وموارد محدودة. فالكائنات الحية تعمل ضمن دورات طبيعية لإعادة استخدام المواد، بينما يعتمد جزء كبير من التكنولوجيا الحديثة على استخراج موارد قابلة للاستنزاف

لكن مَن يتكيف مع مَن؟

تبقى المشكلة الأصعب خارج المختبر.

فإذا أصبحت الخوارزميات شريكة للإنسان في المعرفة والعمل والقرار، فإن مفاهيم اعتدنا اعتبارها بديهية ستحتاج إلى مراجعة. ماذا يعني أن تكون «فردًا» أو «فاعلًا» أو «مواطنًا» أو «شخصًا أخلاقيًا» في مجتمع تشارك فيه أنظمة غير بشرية في إنتاج المعرفة والقرارات؟ وأين تنتهي مسؤولية الإنسان وتبدأ مسؤولية النظام الذي يعتمد عليه؟

وهنا يصبح البحث في الذكاء الاصطناعي بحثًا في الإنسان نفسه.

ولا يعني ذلك قبول الفكرة الشائعة بأن ظهور ذكاء اصطناعي يتفوق على البشر سيمنح صانعه حتمًا «قوة مطلقة». بيان Sapiens 5.0 نفسه يعرض وجود تصور من هذا النوع في النقاش حول الذكاء الاصطناعي، لكنه يقترح مسارًا مختلفًا يقوم على التعاون والتكامل بدل سباق «الفائز يأخذ كل شيء».

لهذا لا تكفي علوم الحاسوب وحدها. فنحن بحاجة إلى علم أعصاب وعلم نفس وبيولوجيا وفلسفة وأخلاق واجتماع واقتصاد، وإلى حوار بينها جميعًا. المشروع نفسه صُمم بوصفه مقاربة متعددة الاختصاصات تمتد من العلوم والتكنولوجيا إلى الإنسانيات والحوكمة والمجتمع.

فالخطر ليس أن تصبح الآلة شبيهة بالإنسان فحسب، وإنما أن نستخدم آلات تزداد قدرة بينما لا نفهم بما يكفي الإنسان الذي سيعيش معها.

وطوال آلاف السنين، كانت معادلة الحضارة واضحة تقريبًا: يواجه الإنسان بيئة لا تلائمه، فيغيّرها بأدواته حتى تصبح أكثر ملاءمة لحياته. ومن الزراعة إلى المحرك، ومن الكهرباء إلى الإنترنت، كانت الأداة تتطور فيما يبقى الإنسان مركز العملية.

إقرأ على موقع 180  العربُ في عالمٍ يغلي.. مُسيّرون أم مُخيّرون؟

أما الذكاء الاصطناعي فيقلب السؤال جزئيًا. لقد بلغ تطور الأداة مستوى يجعلها تعيد تشكيل بيئة العمل والمعرفة والعلاقات والقرار التي يعيش داخلها صانعها نفسه.

وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لـ Sapiens 5.0: ليس صناعة إنسان جديد ولا تسليم المستقبل للآلة، بل الاعتراف بأن أعظم اختراع للإنسان قد يضعه أمام أصعب مهمة عرفها حتى الآن:

بعد آلاف السنين من تغيير العالم كي يتكيف معه، هل أصبح الإنسان مضطرًا إلى تغيير نفسه كي يتكيف مع العالم الذي صنعه؟

Print Friendly, PDF & Email
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  في قلب أزمتنا اللبنانية.. هل يُعاد تعريف الشراكة الوطنية؟