“فورين أفيرز”: الحرب الأميركية على إيران بلغت الطريق المسدود

 الأولوية الآنية "هي لوقف المسار الذي يُحوّل حربًا إقليمية إلى أزمة طاقة عالمية، وإعادة فتح المجال أمام تسوية أميركية إيرانية أوسع قبل أن تختفي آخر صمامات الأمان التي أبقت الاقتصاد العالمي قادرًا على امتصاص الصدمة". هذا ما يتفق عليه كل من ريتشارد هاس، الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية الأميركية وكارولين كيسان، الأستاذة في جامعة نيويورك، في مقالة مشتركة في "فورين أفيرز".

على مدار ستة أشهر، بدت الحرب الأميركية ــ الإسرائيلية على إيران مربكة، لكنها قابلة للاحتواء. فقد أُغلق مضيق هرمز أمام الملاحة، ما عطّل ممرًا يعبره نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا ونسبة أكبر من تجارة النفط. ورغم ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات في مناطق عدة، استطاعت الدول اتخاذ تدابير ساعدت على استقرار سوق الطاقة، فيما أحجمت الولايات المتحدة وإيران عن استهداف البنية التحتية الحيوية للطاقة في الخليج على نطاق واسع، ما أتاح استمرار حالة الجمود من دون التسبب في كارثة اقتصادية عالمية.

لكن الوضع تغير مع امتداد الحرب إلى البنية التحتية ومسارات التصدير البديلة التي كانت تخفف أثر إغلاق هرمز. فبحلول منتصف أيلول/سبتمبر، أصبح مضيق باب المندب، وهو الممر البديل الرئيسي لنقل النفط والغاز عبر البحر الأحمر، تحت سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين)، أبرز حلفاء إيران. كما أصابت طائرة مسيّرة، قيل إنها أُطلقت من العراق، خط أنابيب «الشرق ــ الغرب» السعودي، ما أدى إلى تعطيله مؤقتًا. ومع ارتفاع سعر النفط إلى 110 دولارات للبرميل، تعاظمت المخاوف من أن تصل الأسعار إلى 150 أو حتى 200 دولار إذا تواصل استهداف البنية التحتية أو تصاعد القتال بين السعودية والحوثيين.

بات على واشنطن، في هذه الظروف، البحث عن مخرج من وضع لم يعد قابلًا للاستمرار. فستة أشهر من الهجمات العسكرية والإكراه الاقتصادي لم تدفع طهران وشركاءها إلى تقديم تنازلات، وليس ثمة ما يضمن أن استمرار النهج نفسه سيغيّر النتيجة. كما أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يستطيعون حماية البنية التحتية للطاقة ومسارات الشحن إلى ما لا نهاية. ومن هنا تصبح العودة إلى الدبلوماسية، وفق منطق هذا الطرح، الخيار الأقل سوءًا: اتفاق ينهي الحرب، ويحمي الممرات المائية الحيوية، ويضع حوافز وضمانات للالتزام، بالتوازي مع تشجيع الرياض على التوصل إلى تسوية مع الحوثيين. وقد يتطلب ذلك تنازلات مؤلمة، لكنها أقل كلفة من أزمة طاقة عالمية.

امتصاص الصدمات

عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران، حذّر اقتصاديون ومحللون من أن إغلاق مضيق هرمز قد يؤدي إلى أزمة طاقة حادة وركود عالمي. وكانت المخاوف مبررة؛ فقبل الحرب، كان نحو 20 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة يعبر المضيق يوميًا، إلى جانب ما يقارب خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.

وبحلول آب/أغسطس، تراجعت صادرات الطاقة عبر المنطقة إلى نحو نصف مستوياتها السابقة، فيما انخفض عدد السفن العابرة للمضيق في بعض الأيام إلى أقل من عشر، مقارنة بـ130 إلى 150 سفينة يوميًا في أوقات السلم. ومع ذلك، أظهر نظام الطاقة العالمي قدرة كبيرة على امتصاص الصدمة. فبعدما ارتفع سعر النفط من نحو 70 دولارًا للبرميل قبل الحرب إلى أكثر من 125 دولارًا في نيسان/أبريل، تراجع إلى نطاق 80 ــ 90 دولارًا واستقر فيه حتى وقت قريب.

ساعد على ذلك ارتفاع الإنتاج خارج الخليج، إذ أضافت الولايات المتحدة والأرجنتين والبرازيل وكندا وغيانا مجتمعة نحو 1.4 مليون برميل يوميًا، إلى جانب السحب من الاحتياطيات. وفي آذار/مارس، أطلقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية 400 مليون برميل من احتياطيات الطوارئ، في أكبر عملية سحب منسق في تاريخ الوكالة، فيما استخدمت شركات التكرير والمتداولون المخزونات التجارية لتعويض جزء من الإمدادات المفقودة.

وتراجع الطلب بدوره، ولا سيما في آسيا. فقد خفضت الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وارداتها المنقولة بحرًا من أكثر من 11 مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى ما يزيد قليلًا على سبعة ملايين في آب/أغسطس. وسحبت بكين من مخزوناتها، وقلّصت عمليات التكرير، وفرضت قيودًا على صادرات الوقود، مؤدية دور «المستورد الموازن»: كلما ارتفعت الأسعار خفّضت مشترياتها، فأصبح مزيد من النفط متاحًا للمشترين الآخرين.

كما وجد منتجو الخليج طرقًا لتجاوز هرمز. فاستخدمت الإمارات خط الأنابيب الواصل بين حقولها والفجيرة على خليج عُمان، فيما اعتمدت السعودية على خط «الشرق ــ الغرب» لنقل الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وكان ينقل خلال جانب كبير من الحرب أربعة إلى خمسة ملايين برميل يوميًا.

وفوق ذلك كله، أسهم ضبط النفس المتبادل في تجنب الأسوأ. فعلى الرغم من تعرض عشرات المنشآت للطاقة في المنطقة لهجمات، ظلت معظم الحقول الكبرى ومنشآت المعالجة وخطوط الأنابيب ومحطات التصدير تعمل. فقد أدركت إيران وإسرائيل والولايات المتحدة أن هجومًا واسعًا على منشآت الطاقة قد يستدعي ردًا مماثلًا، ويضع الجميع في وضع أسوأ.

وكان ذلك، عمليًا، نسخة طاقوية من منطق «التدمير المتبادل المؤكد»: لكل طرف قدرة على إلحاق أذى اقتصادي بالغ بالآخر، ولذلك يصبح الامتناع عن استخدام هذه القدرة جزءًا من الاستقرار.

انهيار صمامات الأمان

بدأت الآليات التي احتوت الصدمة الأولى تتداعى. فالاستقرار النسبي لم يتحقق لأن منظومة الطاقة قادرة على تحمل اضطراب مفتوح، بل بفضل تدابير استثنائية استُهلك جانب كبير منها بالفعل. ومع دخول مصادر الإنتاج الأسهل حيز التشغيل، واستخدام مسارات النقل البديلة، وتراجع المخزونات، تقلّص هامش المناورة.

لن يكون تعويض نقص إضافي في الإمدادات سهلًا. فزيادة الإنتاج خارج الخليج تحتاج إلى حفر واستثمارات وخطوط أنابيب جديدة، أي إلى وقت. أما معظم الطاقة الإنتاجية الفائضة السريعة فتتركز في الخليج، حيث أصبحت المشكلة هي إخراج النفط نفسه إلى الأسواق. كذلك لا تبدو روسيا في وضع يسمح لها بتقديم إمدادات إضافية كبيرة بعد الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية للطاقة خلال حربها مع أوكرانيا.

أما خفض الطلب، فقد استُخدم بالفعل إلى حد كبير. وأي تقليص إضافي واسع لن يعني مجرد ترشيد الاستهلاك، بل إغلاق مصانع وتعطيل النقل وتراجع النشاط الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، تراجعت احتياطيات الطوارئ، وهي مصممة أصلًا لمواجهة اضطرابات مؤقتة لا خسائر إنتاج ممتدة؛ وانخفض الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي إلى أقل من 300 مليون برميل، وهو أدنى مستوى له منذ ثمانينيات القرن الماضي.

إقرأ على موقع 180  الإستشارات المُلزمة في لبنان: لا دستورية التفويض والإمتناع

الأخطر أن طرق التصدير البديلة نفسها أصبحت أهدافًا. فقد أدى استهداف خط «الشرق ــ الغرب» السعودي إلى إغلاقه مؤقتًا وإخراج ملايين البراميل يوميًا من الأسواق، فيما عزز الحوثيون سيطرتهم على الساحل الغربي لليمن ومواقع في محيط باب المندب، بما منحهم قدرة أكبر على تهديد الملاحة السعودية.

وبذلك لم تعد المشكلة إغلاق هرمز وحده؛ فشبكة البدائل التي سمحت للأسواق بالتكيف مع الإغلاق بدأت هي الأخرى تتعرض للضغط.

وتداعيات نقص جديد ستكون أوسع من سوق النفط. فالديزل يشغل النقل بالشاحنات والزراعة والتشييد والصناعة وجزءًا كبيرًا من الشحن العالمي. كما أن انخفاض إمدادات الغاز الطبيعي المسال سيضغط على أسواق الكهرباء والتدفئة، خصوصًا مع اقتراب الشتاء الأوروبي، فيما يؤدي نقص الأسمدة إلى رفع تكاليف الإنتاج الزراعي.

ولن تتوزع الأعباء بالتساوي. فالدول الغنية تستطيع منافسة الاقتصادات الأفقر على الإمدادات المحدودة، بينما تواجه الدول المستوردة للطاقة خيارات أكثر قسوة بين تمويل دعم الوقود والمحافظة على استقرار المالية العامة. وفي الوقت نفسه، يضع ارتفاع أسعار الطاقة البنوك المركزية أمام معضلة التضخم من جهة، وخطر إضعاف النمو إذا رفعت أسعار الفائدة من جهة أخرى.

وهكذا، فإن ما بدأ أزمة إمدادات قابلة للإدارة قد يتحول، إذا تواصل استهداف البنية التحتية ومسارات التصدير، إلى أزمة اقتصادية أوسع نطاقًا.

العودة للمفاوضات 

لتفادي أزمة اقتصادية شاملة، يرى أصحاب هذا الطرح أن على الولايات المتحدة إعادة النظر في استراتيجيتها. فبعد قرابة سبعة أشهر من الضربات العسكرية والعقوبات والحصار البحري، لا تظهر طهران مؤشرات على الانهيار أو الاستسلام، فيما تستمر في الاستفادة من الدعم الروسي والصيني ومن عائدات محدودة للطاقة وموارد جرى ادخارها في مراحل مبكرة من الحرب.

في المقابل، تتزايد الكلفة الاقتصادية والعسكرية على واشنطن وشركائها. ولذلك تصبح العودة إلى المسار الدبلوماسي أكثر إلحاحًا.

لكن الهدف لا ينبغي أن يكون إحياء مذكرة التفاهم التي تفاوضت عليها واشنطن وطهران في حزيران/يونيو كما هي. فقد افتقرت، بحسب هذا التقييم، إلى قيود كافية على الجماعات المرتبطة بإيران وعلى القدرات الصاروخية والمسيّرات، فيما منحت طهران مكاسب اقتصادية كبيرة، بينها تخفيف العقوبات، والإفراج عن أصول مجمدة، والوصول إلى تمويل واسع لإعادة الإعمار.

الأجدى هو التفاوض على اتفاق معدل يبدأ بوقف إطلاق النار، ويشمل الهجمات على البنية التحتية للطاقة من جميع الأطراف والجهات المرتبطة بها: الولايات المتحدة وشركاءها العرب وإسرائيل من جهة، وإيران والحوثيين والجماعات المسلحة المدعومة من طهران من جهة أخرى.

وفي الملف النووي، يمكن ربط استمرار وقف إطلاق النار بعدم تغيير إيران وضع قدراتها النووية، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات، والإفراج عن جزء من الأصول المجمدة، وبعض المساعدات لإعادة الإعمار ما دام الاتفاق محترمًا.

ومن شأن اتفاق كهذا أن يخفف سريعًا الضغط على تجارة الطاقة. فالولايات المتحدة يمكن أن تنهي حصار السفن الإيرانية، في مقابل وقف إيران زرع الألغام ومهاجمة ناقلات النفط في هرمز، بالتزامن مع البحث في إنشاء آلية متعددة الأطراف لإدارة الملاحة في المضيق بمشاركة دول الخليج.

وقد تحتاج السعودية إلى مسار تفاوضي منفصل مع الحوثيين، قد يشمل ترتيبات سياسية واقتصادية داخل اليمن. ومن مصلحة واشنطن تشجيع الرياض على التفاوض قبل أن يؤدي التصعيد إلى مزيد من ارتفاع أسعار الطاقة أو إلى تهديد استقرار المملكة.

وإنهاء القتال يمنح كل الأطراف حوافز ملموسة. فالولايات المتحدة تستفيد من انخفاض أسعار الطاقة وتراجع مخاطر تدمير البنية التحتية، وتستطيع تقليص وجودها العسكري وإعادة بناء مخزوناتها. أما إيران فتستعيد عائدات الطاقة وتتجنب تعرض منشآتها لهجمات واسعة، فضلًا عما قد تحصل عليه من تخفيف للعقوبات وإفراج عن أصول مجمدة.

لكن السؤال يبقى ما إذا كانت هذه المكاسب، ومخاطر استمرار القتال، كافية لإعادة طهران وواشنطن إلى طاولة المفاوضات.

حتى الآن، لا يبدو أن أيًا من الطرفين مستعد لإنهاء الحرب من دون مكسب يمكن تقديمه بوصفه انتصارًا. وقد ترى طهران في مسعى أميركي للتسوية دليلًا على ضعف واشنطن، بينما قد تواجه إدارة ترامب انتقادات داخلية إذا وافقت على تنازلات بعد حرب استنزفت موارد الجيش الأميركي.

ومع ذلك، فإن البدائل لا تبدو أقل كلفة. فاستمرار الحرب لا يضمن نتيجة أفضل، فيما يمكن أن يؤدي خطأ في الحسابات أو هجوم غير مصرح به على منشأة حيوية إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وانكماش اقتصادي عالمي.

لهذا، فإن القيمة الأساسية لأي اتفاق لا تكمن في حل جميع ملفات النزاع دفعة واحدة. يمكن ترحيل الملف النووي والقضايا الأكثر تعقيدًا إلى مفاوضات لاحقة. الأولوية الآنية هي وقف المسار الذي يحوّل حربًا إقليمية إلى أزمة طاقة عالمية، وإعادة فتح المجال أمام تسوية أميركية إيرانية أوسع قبل أن تختفي آخر صمامات الأمان التي أبقت الاقتصاد العالمي قادرًا على امتصاص الصدمة.

– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.

ريتشارد هاس، الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية الأميركية، ومستشار أول في Centerview Partners.

كارولين كيسان، العميد المشارك وأستاذة الممارسة المهنية في مركز الشؤون العالمية التابع لكلية الدراسات المهنية- جامعة نيويورك، وهي المديرة المؤسسة لمختبر الطاقة والمناخ والاستدامة العالمي في الجامعة ذاتها.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  الوقت.. سلاح إيران الصامت!