كرة الترسيم البحري في ملعب لبنان.. ماذا بعد؟

لم يحظَ ملف ترسيم الحدود البحرية بأي إجماع وطني منذ عقد ونصف من الزمن. كل طائفة ومرجعية لبنانية تُغني على موالها. ما جرى غداة الزيارة الأخيرة للموفد الأميركي عاموس هوكستين يشي بـ"قطبة مخفية" جوهرها عدم وضع هذا الملف "على نار حامية"، كما كان يأمل كثيرون محلياً.

قال الموفد الأميركي المعني بترسيم الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة عاموس هوكستاين كلمته شفيهاً.. ثم سلّمها مكتوبة إلى سفيرته في بيروت دوروثي شيا. حتى الآن، يتكتم المسؤولون اللبنانيون حول مضمون الرد الخطي الأميركي، لكن جرت العادة أن الخبر السعيد يتنطح كثيرون لقطفه ومصادرته، أما الخبر الحزين فيصبح يتيماً. هذه هي حال أفكار هوكستاين التي بنى على أساسها المسؤولون اللبنانيون أبراجاً من الإقتصاد، قبل أن يصدمهم الرجل بأقل مما كانوا ينتظرون.

لنبدأ من الناقورة. بعدما أنهى الوفد العسكري والتقني اللبناني مهمته في رسم الاطار والمسار والحدود التقنية المقبولة وغير المقبولة لترسيم الحدود، وفي صلبها الخط الرقم 29، واضعاً القرار في عهدة السلطة السياسية، بعد خمس جولات من المفاوضات غير المباشرة في الناقورة، بدا الإسرائيلي خلالها ضعيفاً في مقارعة حجة الوفد اللبناني المدعّم قانونياً وتقنياً، تحرك ملف الترسيم، بعد جموده لأشهر عديدة، وذلك بـ”فضل” الرسالة الاسرائيلية الى الامم المتحدة التي اعترضت على فتح لبنان دورة التراخيص الثانية والتي تشمل البلوكات (1 و2 و3 و5 و6 و7 و8 و10) واعتبارها البلوكات (8 و9 و10) متنازعاً عليها، فكان ردّ لبنان برسالة حملت في طياتها إعتراضاً على أي إستثمار في البلوكات الواقعة جنوبي الخطين 23 و29، الامر الذي حرّك الوسيط هوكستين الذي زار تل أبيب وانتقل بعدها الى بيروت.

في اسرائيل، قدّم هوكستين (بالتنسيق مع مراجع لبنانية وبعض المستشارين ممن تواصل معهم عبر الواتساب) عرضاً شفهياً لم ينل موافقة اسرائيلية، فكان أن إنتقل الموفد الأميركي الى لبنان وقدم عرضاً شفهياً ركيزته إعتماد الخط (23) زائدا في مكان ما (حقل قانا يكون من حصة لبنان) وناقصاً في مكان آخر (ضمان حقل كاريش لإسرائيل)، اي اعتماد خط بحري متعرّج لا هو خط فريدريك هوف (2012) ولا هو الخط (23) الذي أرسله لبنان إلى الأمم المتحدة في العام 2011 ولا الخط 29 الذي جعله الوفد اللبناني أساس مفاوضات الناقورة الأخيرة.

قطع حزب الله بلسان رئيس كتلته النيابية محمد رعد صومه المقصود، وخرج بمواقف تصعيدية، بعدما لمس ان هناك تنازلات مجانية غير مبررة تقدم عليها السلطات اللبنانية، وكأن لبنان يتخلى عن اسلحته التفاوضية تدريجيا

يومذاك، تعاطى لبنان الرسمي بايجابية مع الطرح الاميركي، وطلب رئيس الجمهورية ميشال عون من هوكستين ان يقدم مقترحاً خطياً تفصيلياً مدعماً بالخرائط، حتى يدرسه لبنان ويجيب عليه رسمياً، و”قد إنطلقت الايجابية اللبنانية من كون اسرائيل التي لم تتنازل عن الخط (1) حتى الآن حكما سترفض العرض الاميركي، وبالتالي فليكن الرفض اسرائيلياً وليس لبنانياً”، على حد تعبير مصادر لبنانية متابعة، غير أن ما فات القيادات اللبنانية هو أن الاميركي “لم يبلغهم بالرفض الاسرائيلي، انما سارع الى اعداد المقترح المكتوب الذي سلمته السفيرة الأميركية إلى رئيس الجمهورية تمهيداً لإتخاذ القرار المناسب”، وهو بطبيعة الحال لن يكون محل موافقة لبنانية، الأمر الذي سيتضمنه جواب لبنان الخطي مرفقاً بتعديلات اساسية على المقترح الاميركي، مما سيفسّر رفضا لبنانياً للمقترح وتبرئة لإسرائيل من تهمة الرفض.

وبعد صمت عن الكلام المباح، ومواصلته التأكيد على وقوفه خلف الدولة في هذا الملف الحيوي جداً، قطع حزب الله بلسان رئيس كتلته النيابية محمد رعد صومه المقصود، وخرج بمواقف تصعيدية، بعدما لمس ان هناك تنازلات مجانية غير مبررة تقدم عليها السلطات اللبنانية، وكأن لبنان يتخلى عن اسلحته التفاوضية تدريجيا بينما المطلوب التمسّك بكامل هذه الاسلحة التي وحدها تجبر عدوه على الانصياع، وكانت رسائل بعيدة عن الاضواء لكل الممسكين بهذا الملف في كل المواقع الرسمية من دون إستثناء.

أيقن حزب الله ان المبادرة في ملف الترسيم لم تعد بيد لبنان، وان هناك خللا ما من شأنه ان يوصل الى نتائج كارثية، ابرزها تمييع القضية واطالة امدها واستفادة اسرائيل من حصر التفاوض على الخط (23) حتى تباشر الاستثمار في حقل كاريش الذي يدخل ضمن الخط (29) بحيث تنطلق الباخرة الماليزية نهاية الشهر الحالي لتبدأ العمل في نهاية شهر نيسان/ ابريل المقبل، فكانت رسائل سياسية عالية السقف اتبعها حزب الله برسالة جوية عبر طائرة “حسان” التي من الرسائل التي حملتها اضافة الى الرسائل الامنية وتكريس توازن الردع، ان كل المنصات النفطية والغازية في البحر الفلسطيني المحتل هي “تحت مرمى مسيراتنا، وهذا وحده كفيل بأن يجعل الشركات المستثمرة تحسب الف حساب قبل ان تقدم على الاستثمار”.

فهم المعنيون ان هذا الموقف هو اعلان صريح من ثنائي حزب الله وحركة امل بالبراءة المسبقة من كل ما يمكن أن يصدر عن هذه اللجنة عبر افقادها البعد الميثاقي

وصلت رسالة هوكستين بواسطة السفيرة الاميركية دوروثي شيا وسلمتها الى الرؤساء الثلاثة ميشال عون ونبيه بري ونجيب ميقاتي ووزير الخارجية عبدالله بوحبيب، وبطبيعة الحال وصلت نسخة من المقترح الى حزب الله. وفي الوقت نفسه، طلبت الامانة العامة لمجلس الوزراء خطياً من الوزارات المعنية، وهي الخارجية والدفاع والطاقة والمياه والاشغال العامة والنقل والبيئة تسمية ممثلين عنها إلى اللجنة التي ستتشكل لدراسة المقترح الخطي الاميركي، على قاعدة ان اللجنة تدرس المقترح وتقترح الرد وبعدها يُعقد اجتماع رئاسي ثلاثي في بعبدا يضم عون وبري وميقاتي لاتخاذ القرار النهائي في طبيعة الرد ومضمونه.

إقرأ على موقع 180  الأمن القومي الروسي في قلب أوروبا!

الا ان المفاجأة أتت من وزارة الاشغال ممثلة بالوزير علي حمية الذي رد على الطلب الخطي بتعيين ممثلين من الوزارة في اللجنة بالقول “لن تتمثل الوزارة لا بشخص الوزير ولا بأي موظف في اللجنة المنوي تشكيلها”، وعندما تمت مراجعته كان جوابه “لن نشارك في طبخة بحص لن توصل الى أي نتيجة”.

فهم المعنيون ان هذا الموقف هو اعلان صريح من ثنائي حزب الله وحركة امل بالبراءة المسبقة من كل ما يمكن أن يصدر عن هذه اللجنة عبر افقادها البعد الميثاقي، وان المطلوب ليس ادخال هذا الملف المرتبط بالامن القومي اللبناني في معمعة اللجان، انما الاستمرار وفق الاطار المتفق عليه وهو ايكال عملية التفاوض غير المباشر الى الوفد العسكري التقني دون غيره، لان اي مسار آخر يعني ادخال هذا الملف في زواريب الحسابات الداخلية التي ستؤدي الى خسائر كبيرة للبنان.

موقف “الثنائي” ليس موجهاً ضد رئيس الجمهورية الذي يحظى بثقة حزب الله وأمينه العام السيد حسن نصرالله شخصياً، “وإنما بسبب الخشية من كثرة الطباخين ودخول رموز على الخط ثبُت في اكثر من مناسبة ان همها الاساس تمثيل مصالح الخارج وتمريرها على حساب المصلحة الوطنية العليا”.

كيف السبيل للخروج من هذا المأزق؟

الامر ببساطة، كما يُفهم من حزب الله على الاقل، هو بقرار من رئيس الجمهورية الذي يستطيع وحده إنتشال هذا الملف من الأفخاخ الخارجية والداخلية، وهذا الامر ما يزال ممكنا، لان المطلوب عدم نقل كرة النار الى لبنان انما ابقاءها في الحضن الاسرائيلي.

يذكر أن رئيس الجمهورية كان قد تنبه الى الامر باكراً، فأطلق تغريدته التي ضمّنها انعاشاً دستورياً للذاكرة بقوله “الرئيس يباشر التفاوض في المعاهدات والاتفاقات الدولية ثم يبرمها مع رئيس الحكومة ومن ثم مجلس الوزراء، واخيراً مجلس النواب بشروط المادة 52 من الدستور”.

Print Friendly, PDF & Email
داود رمال

صحافي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  المقاومة المأزومة بين الطوائفيات وقوى التغيير