ليست المشكلة في مقال الزميل والصديق علي شلَق «نهج المقاومة كتقنيّة سلطة عربيّة» أنّه ينتقد المقاومة، ولا أنّه يرفض تحويلها إلى مقدّس سياسيّ لا تجوز مساءلته. في هذين الأمرين مساحة واسعة يمكن الاتّفاق معه فيها. فالمقاومة، كأيّ قوّة عسكريّة وسياسيّة، يمكن أن تخطئ، وأن تتضخّم وظائفها، وأن تدخل في تحالفات قابلة للنقد، وأن تستخدم ما راكمته من شرعيّة عسكريّة في المجال السياسيّ الداخليّ. المشكلة الحقيقيّة في المقال تقع في مكان آخر: في الانتقال من نقد تجربة سياسيّة محدّدة إلى إطلاق حكم على ماهيّة المقاومة نفسها؛ أي من القول إنّ أنظمة عربيّة حاولت احتواء المقاومة وتوظيفها، وهو أمر يمكن إثباته تاريخيّاً، إلى القول إنّ «نهج المقاومة» أصبح «في جوهره تقنيّة سلطة». وبين العبارتين مسافة سببيّة وفكريّة كبيرة لا يردمها المقال.
بل إنّ شلَق نفسه يضع في نصّه مقدّمات تناقض، في رأيي، النتيجة التي يصل إليها. فهو يعترف بأنّ حركات الكفاح المسلّح انبثقت أصلاً من قواعد شعبيّة وباستقلال عن الأنظمة بعد الهزائم العربيّة، ويقول إنّ المقاومة بوصفها أداة يلجأ إليها المستضعفون «عند الحاجة» ليست موضوع اعتراضه. ثمّ يجعل لاحقاً استيعاب الأنظمة لبعض هذه الحركات وتوظيفها دليلاً على أنّ «نهج المقاومة» ذاته تحوّل إلى تقنيّة من تقنيّات السلطة. هنا يظهر الخلل الأوّل: التوظيف السياسيّ لظاهرة لا يحدّد جوهر الظاهرة ولا يفسّر سبب نشأتها. تستطيع السلطة أن توظّف الدين والقوميّة والنقابات والجامعة والإعلام وحتّى الجيش، لكنّ ذلك لا يجعل الدين أو القوميّة أو النقابة أو الجامعة في «جوهرها» تقنيّات سلطة. ينبغي التمييز بين سؤالين مختلفين: لماذا نشأت المقاومة؟ وكيف استُخدمت لاحقاً؟ مقال شلَق يقترب أحياناً من دمج السؤالين حتّى يكاد الثاني يبتلع الأوّل.
أوّلاً: أيّ «تقنيّة سلطة» هذه التي سبقت السلطة التي يُقال إنّها صنعتها؟
تكشف التجربة اللبنانيّة بوضوح صعوبة هذا الاختزال. فالمقاومة المسلّحة للاحتلال الإسرائيليّ في لبنان لم تبدأ مع حزب الله، ولم تبدأ كحركة مذهبيّة شيعيّة، ولم تكن في أصلها نتاجاً إيرانيّاً أو امتداداً لنظام البعث السوريّ. بعد اجتياح عام 1982 واحتلال بيروت، أُعلنت في 16 أيلول/سبتمبر 1982 جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة ـ «جمّول» بمبادرة من جورج حاوي عن الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ ومحسن إبراهيم عن منظّمة العمل الشيوعيّ. والدعوة التأسيسيّة كانت موجّهة إلى الوطنيّين اللبنانيّين من مختلف الطبقات والطوائف، وانخرط فيها شيوعيّون ويساريّون وقوميّون وناشطون من خلفيّات طائفيّة ومناطقية متعدّدة.
هذه الواقعة ليست تفصيلاً تاريخيّاً أستحضرُه من أجل المنافسة على «أبوّة المقاومة». إنّها تمسّ مباشرةً فرضيّة شلَق. فإذا كانت المقاومة اللبنانيّة قد ظهرت في صيغ وطنيّة ويساريّة وعلمانيّة قبل أن يحتكر حزب الله الجزء الأكبر من العمل المقاوم، فإنّ مقاومتها للاحتلال لا يمكن تفسيرها أصلاً باعتبارها وظيفة سلطويّة أنتجها النظام السوريّ أو النظام الإيرانيّ. صحيح أنّ شلَق لا ينكر تماماً وجود «أسلاف يساريّين»، بل يشير إليهم في مقاله، لكنّ مكانتهم في البناء التفسيريّ لنصّه تبقى ثانويّة؛ إذ ينتقل سريعاً إلى المقاومة الإسلاميّة وعلاقتها بإيران وسوريا وكأنّ تلك المرحلة أصبحت المفتاح الذي يعيد تفسير الظاهرة بأسرها.
لكنّ التاريخ يسير في الاتّجاه المعاكس: الاحتلال سبق حزب الله، والمقاومة الوطنيّة سبقت هيمنة حزب الله، وحاجة اللبنانيّين إلى مقاومة الاحتلال سبقت التحالف السوريّ ـ الإيرانيّ حول المقاومة. يمكن بعد ذلك أن نناقش لماذا تراجعت «جمّول»، ولماذا أصبح حزب الله أكثر تنظيماً وقدرة وفاعليّة، وما دور إيران وسوريا في ذلك، وهل جرى إقصاء قوًى أخرى، وكلّها أسئلة مشروعة. لكن لا يجوز أن نستخدم المآلات اللاحقة لإعادة تعريف الأصل نفسه، من دون أن يعني ذلك اهمال تجارب مقاومة أخرى من “قوات الأنصار” إلى “الحرس الشعبي” في مطلع سبعينيات القرن المنصرم.
وهذا التمييز أساسيّ. فأن ينجح حزب أو نظام لاحقاً في احتكار وظيفة وطنيّة لا يعني أنّه اخترع الحاجة إلى تلك الوظيفة. ولو اختفى حزب الله من التاريخ تماماً لبقي السؤال الذي كان مطروحاً عام 1982 قائماً: ماذا يفعل مجتمع دخل جيش أجنبيّ أرضه ووصل إلى عاصمته بينما دولته عاجزة عن إخراجه؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن «تقنيّات السلطة».
ثانياً: المقاومة كبرت لأنّ الدولة كانت عاجزة عن أداء وظيفة سياديّة
يكتب علي شلَق عبارة مهمّة جدّاً: «كلّما انكمشت الدولة، اتّسع المجال الذي وجدت المقاومة نفسها مطالبةً بملئه». لكنّ هذه العبارة، إذا أخذناها بجدّيّة، تقود في اتّجاه مختلف عن جزء كبير من أطروحته. فإذا كانت الدولة هي التي انكمشت أوّلاً، وإذا كانت المقاومة قد وجدت نفسها «مطالبة بملء» الفراغ، فكيف تتحوّل المقاومة بعد ذلك إلى المتّهم الرئيسيّ بإزاحة فكرة الدولة؟
هنا يجب ألّا نبالغ في رسم تاريخ الجنوب. لم تكن الدولة اللبنانيّة غائبة غياباً مطلقاً، وكانت هناك محاولات إصلاح وإنماء، وخصوصاً في عهد فؤاد شهاب. لكنّ حتّى هذه التجربة، إذا قرأناها من وثائقها لا من الحنين السياسيّ إليها، تثبت حجم المشكلة أكثر ممّا تثبت نجاح الدولة في حلّها. بعثة إيرفد (IRFED) التي استعان بها فؤاد شهاب وجدت أنّ الازدهار الظاهر في بيروت كان يخفي فقراً وتخلّفاً ونقصاً في البنية الأساسيّة في مناطق منها الجنوب والبقاع والهرمل وعكّار. وتصف دراسة برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ المرحلة الشهابيّة بأنّها المحاولة الأولى لإعطاء الدولة دوراً أكثر نشاطاً في معالجة الاختلالات الاجتماعيّة والإقليميّة. أي أنّنا أمام محاولة مهمّة ينبغي إنصافها، ولكنّنا لسنا أمام دولة كانت قد نجحت تاريخيّاً في دمج الجنوب تنمويّاً وأمنيّاً ثمّ جاءت المقاومة ففكّكت ما أنجزته.
والأهمّ من التنمية هو السؤال السياديّ. اجتاحت إسرائيل لبنان مراراً قبل العام 1978، لكن اجتياح تلك السنة كان الأكبر منذ العام 1948. صدر القرار 425 عن مجلس الأمن في آذار/مارس 1978 مطالباً إسرائيل بانسحابها من منطقة جنوب نهر الليطاني. ثمّ وقع الاجتياح الأكبر عام 1982، واستمرّ الاحتلال بأشكال مختلفة في الجنوب إلى عام 2000. أكثر من عقدين مرّا بين القرار الدوليّ والانسحاب الفعليّ. في هذه الفترة لم يكن أمام سكّان الأرض نموذج نظريّ لدولة سياديّة؛ كان أمامهم واقع مادّيّ: أرض محتلّة، وجيش لبنانيّ غير قادر على تحريرها، وقرار دوليّ غير منفّذ.
وهنا يصبح استعمال شلَق لمفهوم «الدولة» ملتبساً. فالدولة ليست فقط مبدأ قانونيّاً لاحتكار السلاح. الدولة وظيفة أيضاً: حماية الأرض، حماية السكّان، فرض السيادة والدفاع عن الحدود. وإذا كانت هذه الوظيفة غائبة، تنشأ قوًى أخرى لسدّ الفراغ، سواء أحببنا ذلك أم لم نحبّه. وهذه ليست خصوصيّة لبنانيّة؛ إنّها ظاهرة معروفة في علم الدولة والصراع: حين تعجز السلطة المركزيّة عن توفير سلعة أمنيّة أساسيّة، تظهر جهات غير دولتيّة تؤدّي جزءاً من الوظيفة.
لذلك فالعلاقة السببيّة أكثر تعقيداً من معادلة «المقاومة أضعفت الدولة». في لبنان على الأقلّ، هناك دليل تاريخيّ قويّ على الاتّجاه المعاكس أيضاً: ضعف الدولة هو الذي خلق الحيز الذي سمح للمقاومة بأن تصبح ضرورة وأن تتضخّم لاحقاً. ومن هنا لا تكفي مطالبة المقاومة بالعودة إلى الدولة لإعادة بناء الدولة؛ يجب أوّلاً الإجابة عن السبب الذي جعل وظيفة الدفاع نفسها تخرج من الدولة.
ثالثاً: هل تحرير الجنوب ونتيجة حرب 2006 مجرّد «حيّز نصر» يخدم النظام؟
يصل شلَق إلى واحدة من أكثر عبارات مقاله إثارة للنقاش عندما يصوّر ثنائيّة يكون فيها النظام مسؤولاً عن «حيز الهزيمة» والمقاومة متفرّغة لـ«حيز النصر»، وحين يتحدّث عن إمكان إعلان النصر عند «إنجاز عسكريّ محدود الأفق». هنا لا تكفي اللغة النظريّة، بل يجب اختبارها أمام وقائع محدّدة.
هل انسحاب الجيش الإسرائيليّ من معظم الأراضي اللبنانيّة المحتلّة في أيّار/مايو 2000 «إنجاز محدود الأفق»؟ إذا كان إخراج جيش احتلال من أرض دولة ليس فعلاً سياديّاً مركزيّاً، فما هو الفعل السياديّ إذن؟
يُمكن دائماً أن يُقال إنّ إيهود باراك اتّخذ قرار الانسحاب في العام 2000، وإنّ المجتمع الإسرائيليّ تعب من حرب لبنان، وإنّ عوامل داخليّة إسرائيليّة ساهمت في القرار. لكنّ ما الذي جعل الاحتلال مرهقاً؟ وما الذي جعل «المنطقة الأمنية» مكلفة؟ ولماذا أصبح استمرارها موضع اعتراض داخليّ متصاعد؟ لا يمكن حذف حرب الاستنزاف التي خاضتها المقاومة من هذه السلسلة السببيّة ثمّ تقديم قرار الانسحاب كأنّه تطوّر سياسيّ مستقلّ عنها.
بل إنّ تقريراً لخدمة أبحاث الكونغرس الأميركيّة عن الانسحاب عام 2000 يسجّل أنّ انهيار “جيش لبنان الجنوبيّ” أمام تقدّم قوات حزب الله أدى إلى تقديم موعد الانسحاب الإسرائيليّ، بعدما كانت إسرائيل تسعى أصلاً إلى تقليل خسائرها في «المنطقة الأمنية». ودراسات لاحقة تصف ما جرى بين 1985 و2000 صراحةً بأنّه حرب استنزاف بين القوات الإسرائيليّة وحزب الله، بعدما أصبح الحزب الفاعل الرئيسيّ في القتال داخل المنطقة المحتلّة.
ولذلك فإنّ القول إنّ المقاومة أجبرت إسرائيل على الانسحاب لا يتطلّب الادّعاء بأنّ المقاومة كانت العامل الوحيد الموجود في الكون. مفهوم الإجبار الاستراتيجيّ أكثر دقّة من ذلك: أنت تجعل كلفة استمرار الخصم في سلوكه أعلى من الفائدة التي يجنيها منه، فيختار التراجع. المعارضة داخل إسرائيل، والخسائر، وفقدان الجدوى من «الحزام الأمنيّ»، وقرار باراك، كُلها ليست نقيضاً لتأثير المقاومة؛ جزء كبير منها يدخل في الآليّة التي جعلت الاحتلال غير قابل للاستمرار بالكلفة السابقة.
وتتكرّر المسألة في حرب تمّوز/يوليو 2006. لا حاجة هنا إلى خطاب تعبويّ ولا إلى استعارة رواية أيّ حزب. الحكومة الإسرائيليّة نفسها أعادت في 27 تمّوز/يوليو تحديد أهداف عملياتها، ومنها إعادة الجنديّين الأسيرين في عملية خلة وردة في عيتا الشعب ووقف إطلاق الصواريخ وإزالة هذا التهديد. وعندما حقّقت لجنة فينوغراد الإسرائيليّة الرسميّة في الحرب وصفتها بأنّها فرصة ضائعة خطيرة، وخلصت إلى أنّها انتهت من دون انتصار عسكريّ إسرائيليّ واضح، وأنّ قوّة أصغر كثيراً استطاعت الصمود في وجه جيش متفوّق عليها عدداً وتقنية وسيطرة جوّيّة، وأنّ إطلاق الصواريخ استمرّ طوال الحرب ولم يقدّم الجيش الإسرائيليّ ردّاً فعّالاً عليه، وأنّ الهجوم البرّيّ الكبير في نهايتها لم يحقّق مكاسب عسكريّة تُذكر.
إذا كان معيار الحرب هو القدرة على فرض الأهداف التي دخلت من أجلها، فإنّ هذه الوقائع تسمح بوصف نتيجة 2006، في هذا المعنى المحدّد، بأنّها إخفاق استراتيجيّ إسرائيليّ أمام المقاومة. ليست المسألة أنّ المقاومة احتلت أرض إسرائيل أو دمّرت جيشها؛ هذا ليس معيار القوّة الأضعف في حرب غير متكافئة. معيارها أن تمنع القوّة المتفوّقة من تحويل تفوّقها الهائل إلى النتيجة السياسيّة والعسكريّة التي تسعى إليها.
وهنا يصبح من الصعب عليّ قبول تحويل عامي 2000 و2006 إلى مجرّد «حيز نصر» يؤدّي وظيفة نفسيّة في ثنائيّة النظام والمقاومة. فقبل أن يصبح النصر خطاباً سياسيّاً كان هناك أثر ماديّ قابل للقياس: انسحاب جيش احتلال في الحالة الأولى، وفشل قوّة عسكريّة متفوّقة في تحقيق مجموعة من أهدافها الأساسيّة في الحالة الثانية. يمكن انتقاد الطريقة التي استُثمر بها هذان الإنجازان سياسيّاً بعد ذلك، لكنّ الاستثمار اللاحق لا يلغي الحدث الأصليّ ولا يحوّله إلى “تقنيّة سلطة”.
رابعاً: هنا يصبح نقد شلَق مشروعاً.. لكنّه لا يثبت النتيجة التي يريدها
أقوى جزء في مقال علي شلَق يبدأ فعليّاً بعد هذه النقطة. فهو لا يبقى في تاريخ الاحتلال، بل يسأل ماذا حدث للمقاومة عندما اتّسع مجالها السياسيّ بعد عام 2000، وكيف تعامل حزب الله مع الدولة اللبنانيّة، ومع الحرب السوريّة، ومع انتفاضة 2019، وكيف انتقل من قوّة متخصّصة بمواجهة إسرائيل إلى قوّة ذات حضور داخليّ وإقليميّ أكبر بكثير. ويجادل بأنّ المجال الذي احتلّته المقاومة اتّسع أسرع من رؤيتها السياسيّة، وأنّها بقيت تفكّر بمنطق المقاومة حتّى عندما أصبحت لاعباً مؤثّراً في الحكم والمجتمع.
هذه أسئلة حقيقيّة ولا يفيد الدفاع عن المقاومة إنكارها. يمكن نقد تدخّل حزب الله في سوريا. ويمكن نقد موقفه من الانتفاضة اللبنانيّة (2019) ومن قوًى سياسيّة واجتماعيّة داخليّة. ويمكن السؤال عن استخدام السلاح والشرعيّة المتأتّية من المقاومة في التوازن الداخليّ، وعن علاقته بإيران وبالدولة السوريّة، وعن قدر استقلال قراره، وعن كلّ مرّة التبست فيها الحدود بين حماية المقاومة وحماية النظام السياسيّ القائم.
لكنّ شيئاً مهمّاً يحدث هنا في حجّة شلَق: ينتقل من نقد ما فعله حزب الله إلى تعريف ما هي المقاومة. وهذه قفزة لا تلزم من الوقائع السابقة. أن يتحوّل تنظيم مقاوم إلى فاعل سياسيّ واسع النفوذ لا يثبت أنّ فعل المقاومة الذي أنشأ شرعيّته كان منذ البداية «تقنيّة سلطة». إنّه يثبت شيئاً أقلّ وأكثر تحديداً: أنّ التنظيمات المسلّحة، عندما تبقى بعد إنجاز جزء من مهمّتها وتتّسع قوّتها، يمكن أن تدخل في السياسة الداخليّة وتصبح لها مصالح وتحالفات وسلوك سلطويّ. وهذه قضيّة تستحقّ الدراسة بذاتها، لكنّها ليست برهاناً على أنّ مقاومة الاحتلال نفسها كانت وهماً أو تقنيّة اخترعها النظام.
وبالمثل، فإنّ مقولة شلَق إنّ «أولويّة المقاومة» جاءت على حساب «مسألتي الدولة والطبقة» تحتاج إلى دليل سببيّ أقوى. لماذا نفترض أنّ مقاومة الاحتلال وبناء الدولة والعدالة الاجتماعيّة متغيّرات يستبعد بعضها بعضاً؟ ولماذا نحمّل المقاومة مسؤوليّة غياب الدولة العادلة بينما القوى اللبنانيّة الأخرى، ومنها قوًى لم تحمل سلاح المقاومة أصلاً، فشلت هي أيضاً على مدى عقود في بناء هذه الدولة؟ هل الفساد والطائفيّة والزبائنيّة والاقتصاد الريعيّ وانهيار الإدارة والمؤسّسات نتاج «نهج المقاومة» وحده؟ أم أنّ أزمة الدولة اللبنانيّة أقدم وأعمق من ذلك بكثير؟
وهنا تقع في رأيي إحدى أهمّ مشكلات أطروحة «تقنيّة السلطة»: إنّها تمنح المقاومة قدرة تفسيريّة أكبر بكثير من الأدلّة التي يقدّمها المقال. تصبح المقاومة مسؤولة لا فقط عن موقعها العسكريّ والسياسيّ، بل تقريباً عن تأجيل الدولة والعدالة والطبقة والإصلاح. لكن لكي يكون هذا استنتاجاً علميّاً يجب أن نطرح السؤال المضادّ: كيف أدّت القوى التي لم تتبنَّ نهج المقاومة في بناء الدولة اللبنانيّة؟ إذا كانت هي الأخرى أعادت إنتاج الطائفيّة والزبائنيّة والفساد، فإنّ غياب الدولة لا يمكن تفسيره بأولويّة المقاومة وحدها.
خامساً: هل نحتاج إلى مقاومة أم إلى دولة تجعل المقاومة خارجها غير ضروريّة؟
أصل هنا إلى التناقض الأكثر وضوحاً في المقال. شلَق يقبل المقاومة «عند الحاجة». حسناً، من يُحدّد متى تنتهي الحاجة؟ وما معيار انتهاء الحاجة؟
هذا ليس سؤالاً بلاغيّاً. في عام 2026 ما زالت الأمم المتّحدة توثّق وجود قوات إسرائيليّة داخل الأراضي اللبنانيّة. وتقول قوات الأمم المتحدة (اليونيفيل) إنّ الجيش الإسرائيليّ أبقى خمسة مواقع ومنطقتين عازلتين داخل لبنان بعد تفاهم وقف الأعمال العدائيّة في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وتعتبر هذا الوجود انتهاكاً للقرار 1701؛ وهي، في الوقت نفسه، تعتبر وجود السلاح غير المصرح به جنوب الليطاني انتهاكاً للقرار نفسه. وهذا بالضبط ما يجعل المسألة أكثر تعقيداً من شعار «الدولة أو المقاومة»: لدينا في الوقت نفسه مشكلة سيادة خارجيّة ومشكلة اكتمال سلطة الدولة داخليّاً.
هنا ينبغي أن يكون النقاش الحقيقيّ: كيف ننتقل من قدرة مقاومة خارج المؤسّسات إلى قدرة دفاعيّة وطنيّة داخلها من دون خلق فراغ في الردع والسيادة؟
هذه هي النقطة التي أختلف فيها جذريّاً مع الذين يجعلون نزع السلاح شرطاً سابقاً لبناء الدولة القادرة. الدولة القادرة ينبغي أن تكون الغاية؛ لا أرى مصلحة وطنيّة في بقاء أيّ صيغة استثنائيّة إلى الأبد. لكن هناك فرقاً بين نقل وظيفة الدفاع إلى الدولة وبين إلغاء الوظيفة ثمّ انتظار الدولة كي تكتسبها في المستقبل. إذا كانت الدولة اليوم لا تستطيع وحدها منع الاحتلال أو الاعتداء أو تأمين ردع ذي صدقيّة، فإنّ إزالة القدرة الموجودة قبل إنشاء البديل ليست عمليّة بناء مؤسّسات؛ إنّها مخاطرة بفراغ أمنيّ.
بعبارة أخرى، لا أرى أنّ المعادلة السليمة هي: «انزعوا سلاح المقاومة أوّلاً كي تصبح لدينا دولة». بل العكس: ابنوا دولة قوية قادرة فعلاً على الدفاع عن الأرض، وأوجدوا جيشاً واستراتيجيّة دفاعيّة وقدرة ردع تجعل الوظيفة العسكريّة خارج الدولة زائدة عن الحاجة، وعندها يصبح انتقال السلاح والقرار إلى المؤسّسات نتيجة طبيعيّة لقوّة الدولة لا شرطاً لفظيّاً سابقاً عليها.
وهذه ليست محاولة لتأبيد المقاومة. على العكس، إنّها الطريقة الوحيدة في رأيي لوضع أفق منطقيّ لنهايتها. فالمقاومة التي لا تستطيع أن تتصوّر يوماً تنتفي فيه الحاجة إليها تتحوّل بالفعل إلى مشكلة. لكنّ الدولة التي تطالب بإلغاء المقاومة من دون أن تكون قادرة على أداء الوظيفة التي نشأت المقاومة لأجلها تتحوّل بدورها إلى مفهوم تجريديّ لا يحمي أرضاً ولا شعباً.
لهذا أرى أنّ السؤال الذي ينبغي توجيهه إلى أطروحة علي شلَق ليس: هل أخطأت المقاومة؟ بالطبع أخطأت ويمكن أن تخطئ أكثر. وليس: هل استخدمتها أنظمة إقليميّة لمصالحها؟ نعم، حدث ذلك أيضاً بدرجات مختلفة. السؤال الأدقّ هو: هل تكفي هذه الوقائع لإثبات أنّ نهج المقاومة نفسه ليس سوى «تقنيّة سلطة»؟
لا أعتقد أنّ مقال علي شلق يثبت ذلك. إنّه يثبت أنّ السلطة تستطيع استيعاب المقاومة، وأنّ المقاومة تستطيع بدورها أن تتحوّل إلى سلطة، وأنّ توسّع دورها السياسيّ يولّد تناقضات خطيرة. لكنّه لا يثبت أنّ فعل مقاومة الاحتلال نشأ بوصفه تقنيّة للحكم، ولا أنّ تحرير الأرض كان مجرّد وظيفة لشرعنة النظام، ولا أنّ إضعاف المقاومة تلقائيّاً يقوّي الدولة.
وقد تكون المفارقة أنّ جملة شلَق نفسها ـ «كلّما انكمشت الدولة، اتّسع المجال الذي وجدت المقاومة نفسها مطالبة بملئه» ـ تقدّم مدخلاً لاستنتاج آخر تماماً: المشكلة الأصليّة ليست أنّ المقاومة أخذت مكان دولة كانت تقوم بوظيفتها، بل أنّ غياب الدولة القادرة خلق فراغاً ملأته المقاومة. فإذا أردنا إنهاء هذه الحالة، فلا يكفي تفريغ المكان ممّن ملأه؛ ينبغي إزالة الفراغ نفسه.
ومن هنا لا تكون الأولويّة بين «الدولة» و«المقاومة» كما لو أنّهما عقيدتان متنافستان. الأولويّة هي للسيادة: تحرير الأرض، حماية المجتمع، وبناء الدولة التي تستطيع القيام بهاتين الوظيفتين. ما دامت الأرض محتلّة أو معرّضة للاحتلال وما دامت الدولة غير قادرة على توفير الردع، تبقى مسألة المقاومة قائمة موضوعيّاً، مهما اختلفنا في شكلها وقيادتها وخياراتها. وحين تصبح الدولة قادرة بالفعل، لا بالتصريحات، على حماية حدودها وأرضها وشعبها، يصبح وجود قوّة عسكريّة خارجها مشكلة لا ضرورة.
ولهذا فإنّني لا أرى في نقد المقاومة مشكلة، بل ضرورة. لكنّ النقد الذي نحتاجه هو الذي يساعد على بناء دولة أقوى من المقاومة وقادرة على الحلول محلّها، لا دولة تبدأ مشروع قوّتها بأن تتخلّى أوّلاً عن عناصر القوّة الموجودة ثمّ تنتظر المجهول.
إنّ ما تحتاجه الجمهوريّة اللبنانيّة ليس إسقاط المقاومة كي تقوم الدولة، ولا إبقاء المقاومة بديلاً أبديّاً عنها. ما تحتاجه هو دولة تجعل المقاومة خارجها غير ضروريّة.
أمّا أن نطلب تخلّي عن المقاومة أوّلاً ثمّ نَعِد ببناء الدولة القادرة لاحقاً، فذلك يعيدنا إلى السؤال الذي لم يجب عنه علي شلَق: ماذا يفعل أهل الأرض في الفترة الفاصلة بين الأمرين؟
(*) راجع مقالة الزميل علي شلق بعنوان: نهج المقاومة كتقنية سلطة عربية
