يولا خليفة.. حين يلتقي الشجنُ والصوتُ والصمتُ

في الفيدار، قرب البحر، وتحت ظل شجرة زيتون، أُقيمت مساء الثالث من تشرين الأول/أكتوبر سهرة موسيقية هادئة مع الفنانة اللبنانية يولا خليفة. لم تكن أمسية صاخبة أو مصمّمة لاستعراض القدرات الصوتية، بل لقاءً عائلياً حميماً، أُتيح فيه للغناء أن يأخذ وقته، وللموسيقى أن تقترب من المستمع من دون وسائط.

كان البحر حاضراً في المشهد، لا بوصفه خلفية للمكان فحسب، بل جزءاً من إيقاع الأمسية. وبين صوت الموج الهامس وصوت يولا، نشأ نوع من الحوار الصامت، بدا معه الشجن أقل التصاقاً بالحزن وأكثر قرباً من التأمل.
غنّت يولا خليفة بمسحة من الإنشاد الصوفي، وأدخلت إلى قلوب الحاضرين جرعة من فن مختلف. بدا صوتها أكثر هدوءاً مما عُرف في مراحل سابقة من مسيرتها، لكنه، في الوقت نفسه، أكثر امتلاءً، وكأن السنوات لم تضف إلى الصوت خبرة تقنية فقط، بل أضافت إليه معرفة بالحياة.
شاركها في الأمسية الموسيقيان رودي خداج وأسعد بستاني، فشكّلا مع صوتها ثلاثياً موسيقياً دافئاً حافظ على حميمية اللقاء. لم يأتِ العزف بوصفه خلفية للصوت، بل شريكاً له؛ يترك له المساحة حين يحتاج إلى الصمت، ويصاحبه حين تتسع الجملة الموسيقية. وقد أسهم رودي وأسعد في إبراز تلك المسحة التأملية والصوفية التي طبعت الأمسية، من خلال أداء بدا بعيداً عن الاستعراض وقريباً من روح الأغنية.
هذا النضج لم يأتِ من فراغ. فقد راكمت يولا، على امتداد مسيرتها الفنية، تجربة غنية من العمل مع الفنان مارسيل خليفة، رفيق دربها الطويل، ومع نجليها رامي وبشار خليفة، وهي تجربة أضافت إلى صوتها ووعيها الموسيقي طبقات متراكمة من المعرفة والتجريب. في هذه المساحة الفنية والعائلية، لم تكن الموسيقى مجرد مهنة، بل مشروعاً مستمراً للبحث في العلاقة بين الكلمة واللحن والصوت والهوية.
ومن هنا يمكن فهم التحول الذي يُميّز أداء يولا اليوم. فقد خرج الصوت من مرحلة إثبات الحضور إلى مرحلة أكثر نضجاً، حيث لا يعود مطلوباً من الأغنية أن تصرخ كي تُسمع. يكفي أن تُقال في الوقت المناسب، وبالقدر المناسب من الصدق والانفعال. وهذا تحديداً ما تبدى لنا في حفلة الفيدار.
وربما تكمن إحدى علامات النضج الفني في أن الفنان، مع مرور الوقت، لا يضيف إلى أدائه بقدر ما يتخلّى عما لم يعد يحتاج إليه. تخفّ الزخارف، وتصبح المسافة بين جملتين موسيقيتين ذات معنى بقدر الجملة نفسها. في أداء يولا اليوم شيء من هذه المعرفة: ليست المسألة في ما يستطيع الصوت أن يفعله، بل في ما يختار ألّا يفعله. وحين يصل الفنان إلى هذه المرحلة، يغدو الصمت نفسه جزءاً من الموسيقى.
وفي التفاتة وفاء، وجّهت يولا تحية إلى روح الشاعر المصري الصعيدي الراحل سمير سعدي، كاتب بعض أغنياتها، ومنها «الليمون» و«لو سافرت»، وشكرته على ما ترك لها من كلمات.
وُلدت يولا خليفة في جزين، ونشأت في بيئة جنوبية غنية بالأغنية الشعبية والتراث الديني، ودرست الفلسفة في الجامعة اللبنانية. وفي سبعينيات القرن الماضي، ارتبط اسمها بتجربة فرقة «الميادين»، قبل أن تتبلور تجربتها الخاصة لاحقاً، فتتسع مساحتها بين الأغنية العاطفية والقصيدة والأغنية ذات البعد الإنساني والوطني.
ومنذ البدايات، ظل الجنوب أحد مكوّنات تجربتها، لا بوصفه مكاناً جغرافياً فحسب، بل بوصفه ذاكرة ثقافية ووجدانية. لذلك بدا طبيعياً أن تخصّص في تلك الأمسية تحية للجنوب، وأن تمتد التحية إلى فلسطين، بما تمثله من قضية وذاكرة ووجع متواصل.
كانت تلك التحية جزءاً من السياق العام للأمسية، حيث لم تُفصل الموسيقى عن الإنسان، ولا الفن عن ذاكرته. فالأغنية عند يولا لا تبدو منفصلة عن المكان الذي جاءت منه، ولا عن الأسئلة التي حملتها معها طوال مسيرتها الفنية الغنية.
أجمل ما في سهرة الفيدار أنها لم تحاول أن تكون أكثر مما هي عليه: أصدقاء، بحر، زيتونة، موسيقى، وصوت نضج مع الزمن من دون أن يفقد براءته الأولى. ولعل في شكل الأمسية نفسه معنى يتجاوز الموسيقى. ففي زمن تُقاس فيه الحفلات بحجم المنصة، وعدد الشاشات، وقوة الإضاءة، وكثافة المؤثرات، استعادت سهرة الفيدار شيئاً من العلاقة الأولى بين المغني والمستمع: مسافة قصيرة، وآلات قليلة، وصوت يمكن سماع أنفاسه، وجمهور لا يفصل بينه وبين الفنان جدار تقني. لم يكن هذا نقصاً في العرض، بل ربما كان جوهره؛ عودة إلى لحظة يصبح فيها الإصغاء جزءاً من الفن، لا مجرد شرط لحضوره ودائماً في طبيعة ليلية ساحرة.
في زمن تميل فيه الحفلات إلى السرعة والضجيج، جاءت يولا خليفة لتذكّر بأن للصوت الهادئ قدرة أخرى على الوصول.
غنّت، فهدأ المكان.
وغنّت، فصار الشجن أقل ثقلاً.
وغنّت، فبدا أن النضج الحقيقي في الفن ليس أن يصبح الصوت أعلى، بل أن يصبح أعمق.
ولعل ما فعلته تلك السهرة الصغيرة هو أن تذكّر، في زمن الضغينة والحرب والجنون الذي يعم كوكبنا، بأن الفن ما زال قادراً على أن يعيد الإنسان، ولو لساعات قليلة، إلى الجزء الأكثر صفاءً فيه.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  إسألوا نجاح واكيم!
أغنار عواضة

كاتبة وشاعرة لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  حصر السلاح في لبنان.. اختبار الدولة الواحدة