“الطّنطوريّة”.. رضوى عاشور تسبح في دوّامة الذّاكرة الفلسطينيّة

"الذّاكرة لا تقتُل، تؤلم ألماً لا يطاق، ربما.. ولكننا إذ نطيقه تتحوّل من دوامات تسحبنا إلى قاع الغرق إلى بحر نسبح فيه، نقطع المسافات، نحكمه ونملي إرادتنا عليه".

بالتّزامن مع الإبادة الجماعيّة التّي لم تزل إسرائيل تمارسها منذ السّابع من أكتوبر/تشرين الأول بحقّ الشّعب الفلسطيني، أطلقت “جائزة فلسطين العالميّة للآداب” الحملة الدّوليّة لقراءة كتاب “الطّنطوريّة” للكاتبة المصريّة الرّاحلة رضوى عاشور، في محاولة لإيصال صدى صوت واحدة من أكثر قصص الشّعوب مأساويّة في تاريخنا المعاصر.

الرواية عبارة عن عمل أوبرالي محكم العناصر، تتناغم فيه جماليّة إبداع السّرد مع جديّة التّوثيق التّاريخي. استطاعت الكاتبة من خلال النص أن تُشهد القارئ على الجرح الذّي لم يزل ينزف منذ ما يقارب المئة عام، وأن تضيء على أحد أبرز أوجه المأساة الفلسطينيّة وأكثرها ألمًا، مأساة اللّاجئ الفلسطيني وواقع معاناته في الشّتات.

الكتاب الذّي تذيّله الكاتبة في صفحته الأولى بإهداء إلى زوجها الشّاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، كتربيتة حبّ على روحه المغتربة، يرقى ليُهدى إلينا جميعًا، إلى عموم الشّعب الفلسطيني في الوطن وفي الشّتات، وإلى كلّ مهتمّ بالقضيّة. يتضّح لنا من خلال الهوامش وقبل الغوص بالعمل التصاق الكاتبة بالواقع الفلسطيني وبحثها الجادّ أثناء قيامها به، خريطة فلسطين التّاريخيّة تظهر على الصّفحات الأولى يليها مخطّط لقرية الطّنطورة وشجرة عائلة رقيّة بطلة القصّة في محاولة لمساعدة القارئ للاّتصال مع الشّخصيّات، وعلى الصّفحات الأخيرة تظهر إشارات إلى النّواحي التّوثيقيّة في النّص، ومسرد للعبارات الآتية من اللغة الفلسطينية الدّارجة.

حضور الزّمان والمكان

برغم الحزن المسيطر على القصّة إلّا أنّه مفعمة بالطّرافة، وتُرمى النّكات بتواتر على لسان الشّخصيّات، ما جعل الحوار عفويًّا وواقعيًّا للغاية. الكاتبة متحرّرة من الالتصاق بتقنيّة سرد محدّدة، والخطّ الزّمني في الرّواية يسير بشكل متشابك، كأنّ الزّمن يتشظّى ويتكسّر ويتشابك.

عمرُ الرّواية الزّمني من عمر بطلتها، يبدأ السّرد مع رقيّة في قرية الطّنطورة وهي في الثّالثة عشرة من العمر، ويستمّر حتّى بلوغها منتصف السّتين. أمّا عن التّأريخ الزّمني للأحداث فتشير الكاتبة إلى وقت حصول الأحداث مباشرة في بعض المواقع، نراها تعنون الفصل السّادس مثلًا بـ”السّبت 5/15″ كتأكيد على أهميّة عدم نسيان سياق فترة النّكبة، وفي مواقع أخرى تشير إلى الوقت ضمنيًّا، فالفصل السّابع عنوانه “حين احتلّوا البلد”، أو تبني السّياق الزّمني انطلاقًا من الأحداث العامّة المتزامنة كمجزرة صبرا وشاتيلا واجتياح جنوب لبنان (1982) أو تحريره (2000).

السّرد المتعلّق بفترة النّكبة (1948) وما قبل الاستقرار في لبنان سريع نسبيًّا، تحدّثنا رقيّة عن قرية الطّنطورة الواقعة على السّاحل الفلسطيني، تخبرنا عن حبّها للبحر وعن واقع العيش في فلسطين قبل النّكبة، تصف عمل أهل السّاحل في الزّراعة والصّيد، وركوب القطار وما يتخلّله من مضايقات من اليهود والبريطانييّن، تحكي عن رائحة البلاد وموسم اللّوز، وعن ثورة 1936، وعن إضراب العمّال الفلسطينييّن، والاجتماعات التّي كان يعقدها الرجال قبل التّقسيم، واستماعهم للرّاديو في المضافة، ومحاولات التّسلّح التّي قاموا بها لحماية البلاد بالاشتراك مع آخرين قدموا من مصر ولبنان وسوريا.

تتوالى الأحداث قبيل قرار الأمم المتّحدة فتقع المناطق المجاورة للطّنطورة في يد اليهود، ويلجأ أبناء القرى المجاورة لدى أقاربهم فيها، تخبرنا الكاتبة عن المذابح التّي قامت بها العصابات الإسرائيليّة، وعن سقوط دير ياسين ويافا والقسطل، واستشهاد عبد القادر الحسيني هناك، وانسحاب جيش الإنقاذ والقوات السّوريّة والأردنيّة، وعن تأمّل النّاس برغم ذلك بعودة القوات العربيّة والانقضاض على المحتلّ من كلّ الجهات.

“الطّنطوريّة” ليست رواية فقط، إنّها عملٌ بديعٌ ومتفرّد، أخرج التّاريخ من جموده، أعطاه سياقًا حيًّا وأبعادًا ثلاثيّةً، ينهيه القارئ وهو مثقل بما يحمله من دم وخوف وحزن ومآسٍ. استطاعت الكاتبة من خلاله تسجيل تاريخ الاغتراب الفلسطيني وتحريك مشاعر الغضب والقهر

بعد النّزوح إلى لبنان يأخذ السّرد منحى أبطأ، تخبرنا عن عمّها أبو أمين الذّي استمرّ بالتّسلل إلى فلسطين، تنقل لنا حماسة النّاس بعد خطابات جمال عبد النّاصر عام 1956، وعن استعداداتهم للرّجوع إلى البلاد عام 1967، وكيف تحدّثوا عن تمزيق بطاقات وكالة الغوث بعد العودة. تخصّص الكاتبة الكثير من الصّفحات لتعرّفنا على معيشة رقيّة وأسرتها في صيدا، وانتقالهم إلى بيروت في العام 1970. يغوص النصّ في زاوريب الحرب الأهليّة اللّبنانيّة، ولمجزرة صبرا وشاتيلا حيّز ضخم في العمل الرّوائي، الكثير من التّفاصيل الأليمة تروى، عن تعذيب الرّجال وسوقهم إلى المدينة الرّياضيّة، والتّناوب على اغتصاب الممرّضات في مستشفى عكّا، ورمي جثث الأطفال غير مكتملي النّمو في ملجأ مغلق قرب المخيّم، وتفاوت الرّوايات حول عدد ضحايا المجزرة. تتحدّث رقيّة عن يوميّاتها داخل الملاجئ في الحرب والاجتياح، وتخبرنا عن يوم رحيل الفدائييّن من بيروت محاطين بالنّاس والأرزّ والورود، وعن عبد الذّي رحل معهم ثمّ عاد متسلّلًا لأنّه لم يرد تهجيرًا جديدًا، وعن اختطافه لاحقًا، ومساعدة جارتهم اللبنانيّة في إعادته.

تفاصيل كثيرة تتعلّق بالتّعقيدات المحيطة بنمط حياة الفلسطينييّن تزخم بها الرّواية، تخبرنا الكاتبة عن زواج الشاب صادق في الأردن لأنّ عروسه من الضّفة الغربيّة، وعن زواج حسن من فتاة من اللّد (أراضي 1948) تمّ في اليونان، وعن حرمانه من دخول الأراضي اللّبنانيّة بعد دخوله إلى الأراضي المحتلّة بجوازه الكندي، وعن عبد الذّي أصبح رحّالة بمحفظة ظهر فقط بعد عيشه في أوروبا، كأنّه يعبّىء وطنه في قلبه، وكأنّ استسهال التّسكّع ليس إلّا ردّة فعل على اللّجوء واستلاب الأوطان.

المكان في الرّواية لصيقٌ بالقضيّة الفلسطينيّة وشجونها، تجرّنا الكاتبة من مسقط رأس بطلتها الطّنطورة جارة البحر، ننزح معها عبر البلاد وباستطراد سريع تمرّ بنا على القرى الفلسطينية التّي مضوا عبرها خلال التهجير، تحطّ بنا في صيدا ثم في بيروت، ثمّ في أبو ظبي ومصر ثمّ تعود إلى صيدا، وتتوقّف خلال الرّحلة في اليونان وعمّان وباريس وكندا، دون أن تغيب الطّنطورة في كلّ ذلك.

ترتبط البطلة بالبحر عاطفيًّا، تحبّ صيدا ورائحتها لقربها من البحر، تحب الإسكندريّة وبحرها أيضًا، لكنّها لا تحبّ البحر في أبو ظبي، لابتعاده واختلاف هوائه وعدم إمكانيّة زيارته إلّا بالسّيارة. تعلّق رقيّة بصيدا كمدينة جلي للغاية، قبل النّكبة كانت صيدا الجارة القريبة من البلاد، وكان المقاومون ينطلقون منها إلى الدّاخل، لاحقًا صارت مدفن أمّها وعمّها أبو أمين. أمّا مخيّم عين الحلوة اللّصيق لصيدا فالعلاقة به معقّدة، لم تسكنه رقيّة إطلاقًا ولكّنها عملت فيه، وتعرّفت على الحياة والنّاس من خلاله، عمّها رفض دخول المخيّم حتّى وقت متأخّر أيضًا، كان يكرهه ويرى فيه سجنًا كبيرًا، ويتحسّس كثيرًا من وجوب الحصول على تصريح قبل دخوله.

شخصيّات الرّواية

شخوص الرّواية عنصر هامّ في الحبكة، رقيّة هي صوت الرّواية وشخصيّتها الرّئيسيّة، أرادتها رضوى امرأة فلسطينيّة عاديّة تحاول النّجاة، روحها المغتربة هي روح كلّ فلسطينيّ الشّتات، تصف نفسها كواقف خارج القطار، هي المتفرّجة على الأحداث والشّاهدة على الزّمن دون القدرة على التّأثير به. حزينة ومثقلة بالحنين إلّا أنّها متصالحة مع ذاتها عمومًا، لا يظهر صراعها مع ذاتها إلّا حين تحيك الصّوف في أبو ظبي كمحاولة للانسحاب من المكان، وحين تتوتّر علاقتها بابنها الأكبر وحنقها عليه لتمكّنه من النّجاة بنفسه على عكس معظم شباب فلسطين، تستحضر رواية غسّان كنفاني “رجال في الشّمس”، فتقول لنفسها هل كنت تفضليّن اختناقه في الخزّان؟

رقيّة وبرغم محدوديّة مواردها ذكيّة وفطنة، وأكثر ما يميّزها ترابيّتها وكرهها للتّعالي والتّلاحم مع واقع الشّعب الفلسطيني ورفض النّسيان، اسفنجة تمتصّ هموم الحياة اليوميّة الرّوتينيّة كما تمتصّ هول المآسي. يُقتل والدها وأخواها في المجزرة في الطّنطورة قبل التّهجير، وأمّها التّي تعيش حالة إنكار لاستشهادهم تظلّ تلبس مفتاح بيتهم في الطّنطورة حنّى وفاتها في صيدا.

يظهر لنا في الرّواية شخصيّات رجاليّة عديدة مؤثّرة على سياق السّرد، زوج رقيّة وابن عمّها أمين الطّبيب الذّي يختفي بعد مجزرة صبرا وشاتيلا، وأولادها الثّلاثة: صادق المهندس المعماري الذّي ينتقل للعيش في الإمارات، ميسور الحال يساعد أولاد المخيّم ويدعم القضيّة مادّيًا، حسن شبيه رقيّة وأكثرهم اقترابًا من روحها، الصّحفي الذّي يتعلّم في مصر ثمّ يعيش في كندا، فلسطين حاضرة دائمًا في كيانه، يلتزم قضاياها في عمله، يحرّض أمّه على كتابة شهادتها، وعبد الذّي أسمته على اسم ابن جيرانها الذّين تهجروا إليهم قبل النّكبة، يبدأ حياته فدائيًّا ثم يتحوّل إلى دراسة الحقوق ويصبح محاميًّا في أوروبا، ويعمل على محاولة مقاضاة إسرائيل وإدانة جرائمها أمام القضاء الدّولي، كأنّ حسن وعبد صورة عن المثقّف الفلسطيني الذّي خذلته الهزائم وقرّر البحث عن طرق جديدة لنصرة بلاده، في حين يمثّل صادق الفلسطيني الذّي يحبّ بلاده لكنّه يريد أن تجاوز أزمة هويّته ليحظى بفرصة العيش.

إقرأ على موقع 180  العرش اللبناني.. وحسابات الربح والخسارة

هناك أيضًا مريم وهي طفلة رقيّة التّي لم تلدها، أحضرها أمين بعد فقدان آثار ذويها إثر أحد الإعتداءات الإسرائيليّة، وربّتها فصارت ابنتها ومرافقتها، تدرس الطّب كأبيها أمين، وتشبه صادق قليلًا في علاقتها بالقضيّة الفلسطينيّة. وصال وعبد شخصيّتان على قدر من الأهميّة في الرّواية، رفاق طفولة رقيّة، حاضران في القصّة بقوّة، يمثّلان ذاكرتها وماضيها وهويّتها التّي تحاول الالتصاق بها رغم كلّ شيء.

تشابك الواقع الفلسطيني اللّبناني

نتعرف في الرواية على التّراث الشّعبي والموروث الفلسطيني. على الأغاني الشّعبيّة والرّقصات والأمثال واللّهجة الفلسطينيّة والمطبخ الفلسطيني والثّوب الفلاحي المطرّز . تضيء الكاتبة على محاولة إسرائيل سرقة التّراث، ففي اليونان خلال حفل زفاف حسن تدور مشادة كلاميّة بين وصال صديقة رقيّة وأحد السّياح الذّي يسألها بسبب ثوبها إن كانوا من إسرائيل.

يحيط العمل بمفاتيح الوعي الجمعي بالقضيّة الفلسطينيّة والرّموز المرتبطة بها، كمفاتيح المنازل التّي تحملها النّسوة من فلسطين، وبشخصيّات لم تزل لليوم لصيقة بالقضيّة كغسّان كنفاني وروايته الأشهر “رجال في الشّمس”، واغتياله في بيروت في العام 1972، وأنيس الصّايغ ومحاولة اغتياله في العام نفسه أيضًا، ومركز الأبحاث الفلسطيني الذّي ترأّسه، وناجي العلي وحنظلته، عيشه في مخيّم عين الحلوة في صيدا، وانتقاله إلى الكويت واغتياله في لندن عام 1987، وياسر عرفات والآراء المتباينة حوله بين الفلسطينييّن خاصّة بعد توقيع إتّفاقيّة أوسلو.

المكان في الرّواية لصيقٌ بالقضيّة الفلسطينيّة، تجرّنا الكاتبة من مسقط رأس بطلتها الطّنطورة جارة البحر، ننزح معها عبر البلاد وباستطراد سريع تمرّ بنا على القرى الفلسطينية التّي مضوا عبرها خلال التهجير، تحطّ بنا في صيدا ثم في بيروت، ثمّ في أبو ظبي ومصر ثمّ تعود إلى صيدا، وتتوقّف خلال الرّحلة في اليونان وعمّان وباريس وكندا، دون أن تغيب الطّنطورة

الواقع اللّبناني أيضًا حاضر بشدّة في العمل، نتنبّه من بدايات الرّواية إلى تداخل الواقع اللّبناني بالواقع الفلسطيني، تحيلنا الرّواية إلى الحرب الأهليّة اللبنانيّة، وتباين الموقف اللّبناني من الوجود الفلسطيني، تحكي عن الاجتياح الإسرائيلي الأوّل للبنان عام 1978 ونزوح مئات الآلاف من الجنوبيّين، واجتياح عام 1982 والوصول إلى بيروت وتقسيمها، والعداوة التّي نشأت بين اليمين المسيحي والوجود الفلسطيني، وتمرّ بنا على الكثير من محطّات الحرب الأهليّة، كقطع الطّرقات والحواجز الطّيارة والثّابتة والقتل على الهويّة، والمجازر والمجازر المقابلة، في تلّ الزّعتر والدّامور، وعن حرب الفنادق والسّبت الأسود. تطلعنا على سوء الوضع في المخيمّات، والتّعامل العنيف الذّي مارسته السّلطة اللّبنانيّة بحقّ سكّان المخيّم، وعلى حصار الجيش اللبناني للمخيّم وإطلاق النّار عليه، وعن الحرمان المقونن للفلسطينيّين من حقوقهم المدنيّة كمنعهم من بناء أسقف للبيوت، ورهن دخولهم وخروجهم من المخيّمات بتصاريح، ومنعهم من ممارسة الكثير من المهن، وإرجاع هذه المعاملة إلى التّذرّع بحفظ حقّهم بالعودة. تخبرنا عن المضايقات التّي تعرّض لها الأطفال بسبب هويّتهم، تطلعنا عن كثب على عبء أن تكون لاجئًا فلسطينيًّا في لبنان.

تظهر الرّموز البارزة في السّاحة السّياسية اللّبنانيّة في تلك الفترة، كمعروف سعد الذّي قاتل في فلسطين مع مجموعة من الصّيداويين عام 1948، تروي لنا رقيّة لحظات اغتياله، وتخبرنا عن تفجير بيت الكتائب في الأشرفيّة واغتيال بشير الجميل، عن حضورها عزاء الشيّيخ راغب حرب في الجنوب اللّبناني في جبشيت، واشتراك عمّها أبو أمين في المظاهرات التّي نظّمت في الدّاخل اللّبناني. تخبرنا عن قتال الفدائيين إلى جانب الحركة الوطنيّة في لبنان واقتتالهم معًا في مرحلة لاحقة. تشير إلى ظهور رأي عام لبناني يحمّل اللّاجئين الفلسطينيّين مسؤوليّة الحرب الأهليّة والاجتياح الإسرائيلي، وتضيء على محاولات تضييق الخناق على الشّباب الفلسطيني الذّي قادها إلى دفع أولادها للهجرة بحثًا عن واقع أفضل.

صوت المرأة

برغم عدم قدرتنا على زجّ العمل ضمن قائمة الأدب النّسوي أو حتّى النّسائي، إلّا أنّنا نستطيع أن نسمع صوت المرأة المسيطر على الرّواية، وقد يكون ذلك عائدًا ذلك لكون الكاتبة امرأة، وبطلة القصّة وحكّاءتها امرأة أيضًا. الأكيد هنا أنّ المرأة هنا هي عيننا على الأحداث، ونحن بروحها نستمع لهول المأساة، تحكي لنا رقيّة قصتها المليئة بالمآسي برويّة وحياد ودون غضب مستعر، وأكثر ما يوحي بالرّوح المؤنثّة خلال القصّة عنصرا التّرقّب والانتظار، كأّن رقيّة تعاين حياتها من بعيد، كطفلة حين تخبرنا عن استعدادات الرّجال وحملهم للسّلاح قبل النّكبة، وعن انتظارها مع النّساء زحف الجيوش العربيّة، وحملهّن أغراضهن والنّزوح حين لم يعد هناك مفرّ إلّا لذلك، وكسيّدة ناضجة حين تعاين انتماء ابنها عبد للفدائييّن، ومشاهدتها لهؤلاء وهم يخرجون من بيروت. نسمعها تسرد بذهول ودهشة مرحلة الاقتتال اللّبناني، تختبئ مع جيرانها في الملاجئ وتشهد على المجازر يلحّ حسن على أمّه لتسجّل قصتّها. كأنّ رضوى عاشور تحاول إخبارنا أنّ المرأة في مآسي الشّعوب هي شريط التّسجيل، دورها كأمّ يجبرها على الاحتماء قرب الهوامش، وقبول الهزائم وتتالي النّكسات بهدوء، كأّن اتّصالها بدورة الحياة يجعل الأسى كما الولادة والموت بالنّسبة لها أمرًا بديهيّ الحصول، وكأن معاناة النّساء في فترات الاقتتال برغم امتزاجها بها وبرغم البؤس تبقى رديفة عليها، وكأن كلّ ذلك يمنح المرأة رفاهيّة قراءة الأحداث. عندما تعاين رقيّة حياة النّساء في المخيم تقول أنّ عالم النّساء أرحم من عالم الرّجال، فالمرأة انطلاقًا من دورها النّمطي، عليها أن تحافظ على سيرورة الحياة، تخبز وتنظّف وتعتني بأطفالها وتهتمّ بالرّجال وتحكي، كلّ ذلك إضافة إلى عدم ضلوعها المباشر في الاحتراب، وعدم إلقاء المجتمع عليها المسؤولية المباشرة لفعل “المقاومة” والتّعويل عليها في محاولة النّجاة يخفّف من وطأة العيش في قوقعة وسوداويّة الحرب والقتل والموت والدّمار.

تختتم الرّواية بمشهد يجمع فلسطيني لبنان بفلسطيّني الدّاخل عند الحدود اللّبنانيّة الفلسطينيّة، تجتمع رقيّة بابنها حسن وزوجته وأولاده عبر الأسلاك الشّائكة، تحمل طفلته الرّضيعة التّي سمّاها على اسمها وتلبسها مفتاح البيت في البلاد، وسط البالونات التّي تحمل أعلام فلسطين وتطير عابرة الأسلاك، وفي رحلة العودة إلى صيدا وفي مشهد بين الحلم واليقظة يجلس طفل اسمه ناجي من مخيّم عين الحلوة قربها في الباص ويرسمها، تلبس ثوبًا فلاحيًّا وتحمل طفلة يغطّي المفتاح معظم جسدها، في تأكيد على أنّ إيمان الفلسطيني بحتميّة عودته إلى البلاد إرثٌ ينقله إلى الجيل الجديد.

“الطّنطوريّة” ليست رواية فقط، إنّها عملٌ بديعٌ ومتفرّد، أخرج التّاريخ من جموده، أعطاه سياقًا حيًّا وأبعادًا ثلاثيّةً، ينهيه القارئ وهو مثقل بما يحمله من دم وخوف وحزن ومآسٍ. استطاعت الكاتبة من خلاله تسجيل تاريخ الاغتراب الفلسطيني وتحريك مشاعر الغضب والقهر. قراءة العمل واجبة لكلّ من يريد أن يكون على تماس مع القضيّة الفلسطينيّة من تاريخ النكبة لليوم، وتكريسه في المنهج التّربوي للمراحل الثانويّة ضرورة لمنح الطّلاب العرب شهادة على التّاريخ، ولإطلاعهم على تحفة أدبيّة استثنائيّة في المكتبة العربيّة.

(*) الرّواية صادرة عن دار الشّروق في القاهرة، الطبعة الأولى 2010، ( 468 صفحة). ترجمت للعديد من اللّغات وأعيد إصدارها في طّبعة هي الـ14 على الّتوالي عن الدّار نفسه.

Print Friendly, PDF & Email
حوراء دهيني

كاتبة لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  عودوا إليها.. فلسطين ولّادة