من بغداد إلى غزة.. عشرون عاماً من الهدم

تنطوي الذكرى الثالثة لأحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر والمأساة الفلسطينية لم تصبح ذكرى حتى نكتفي باستعادتها. ما تزال غزة جرحاً في ضمير المنطقة. فيما تجاوزت الحرب حدود المكان الذي بدأت فيه. ولا يكفي أن نبدأ من صباح السابع من أكتوبر 2023. ينبغي العودة عشرين سنة إلى الوراء. إلى بغداد في ربيع 2003. حيث المسافة بين التاريخين ليست بعدد السنوات فحسب. بل هي المسافة بين بدء عملية الهدم لنظام إقليمي. وانكشاف عجز ما تبقّى منه عن حمل المنطقة.

لم يكن الشرق الأوسط عشية الغزو الأميركي للعراق 2003 واحة سلام. لكنه امتلك قواعد وترتيبات يستطيع اللاعبون التعامل معها وادارة تداعياتها حتى عندما يعملون على تجاوزها. فقد جرى تنظيم النزاعات ضمن توازنات واتفاقات وحدود للقوة. ظل الاستقرار الإقليمي قائماً. وفي كثير من الأحيان ساهمت هذه الترتيبات في تأجيل الانفجار. تم التعبير عن هذه الترتيبات بصيغة قواعد واتفاقات امنية وسياسية. استند السقف السياسي على خمسة أساسات: كامب ديفيد، اتفاق الطائف، اتفاق أوسلو، اتفاق وادي عربة، وسياسة الاحتواء المزدوج لكل من العراق وإيران.

لم تكن هذه الترتيبات متشابهة في طبيعتها. فبعضها معاهدات سلام بين دول. بعضها تسويات داخلية بضمانات إقليمية أو مسارات تفاوضية. بعضها الآخر سياسات أميركية للضبط والمنع. لكنها أدّت مجتمعة وظائف متكاملة في إدارة الشرق الأوسط لعقدين من الزمن. صحيح أن اتفاقية كامب ديفيد (1979) أخرجت مصر من الحرب النظامية مع إسرائيل، ولكنها أعادت تعريف موقع القاهرة في ميزان الصراع. أيضاً أنهى اتفاق الطائف الحرب الأهلية اللبنانية، لكنه ربط إعادة بناء السلطة اللبنانية بتوازن عربي ودولي كانت سوريا صاحبة اليد المباشرة في تنفيذه. أما اتفاق أوسلو فقدم وعداً بتحويل المسألة الفلسطينية من مواجهة مفتوحة إلى مسار تفاوضي يُفترض أن يقود إلى دولة فلسطينية. وعلى رديفه ثبّت اتفاق وادي عربة السلام الأردني الإسرائيلي في ظل أفق فلسطيني كان يُقدَّم باعتباره قابلاً للتحقق في زمن ما. أما “الاحتواء المزدوج”، فقد قام على منع العراق وإيران من تهديد الترتيب الإقليمي الجديد من دون الاعتماد على إحداهما لموازنة الأخرى. هكذا لم يُبنَ السقف على المصالحة الشاملة بل على تجزئة النزاعات والتسويات. حرب تُجمَّد هنا. وقضية تُحال إلى التفاوض. دولة تُحاصر وأخرى تُراقَب.

***

جاء الغزو الأميركي للعراق عام 2003 ليغيّر قواعد الاشتباك. انتقلت واشنطن من احتواء العراق إلى احتلاله. ومن ضبط سلوك النظام إلى إسقاطه وتفكيك مؤسساته. لم يسقط نظام صدام حسين وحده، بل سقط معه وزن عراقي كان جزءاً من معادلة الخليج والمشرق. وحين فُتح باب الفراغ تمدد النفوذ الإيراني وتصاعدت الانقسامات وتحولت الدولة في بلاد الشام إلى موضوع تنازع بين قوى الداخل والخارج. أرادت أميركا عراقاً جديداً. لكنها ساهمت في إنتاج شرق أوسط يصعب عليها ضبطه. القدرة على إسقاط دولة لا تعني امتلاك القدرة على بناء التوازن الذي سيحل محلها.

***

بعد بغداد جاء دور بيروت. ففي أيلول/سبتمبر 2004 صدر القرار الأممي الرقم 1559 مطالباً بانسحاب القوات الأجنبية وحلّ الميليشيات ونزع سلاحها وبسط سلطة الدولة اللبنانية على أراضيها. لم يكن القرار إلغاءً قانونياً لاتفاق الطائف. فقد أكدت الأمم المتحدة التوافق بين أحكامه وأحكام القرار الدولي الجديد الذي تمت صياغة حروفه في النورماندي بين جاك شيراك وجورج دبليو بوش. لكن معناه السياسي مسّ التوازن الذي استقر عليه تطبيق الطائف وخصوصاً موقع سوريا الإقليمي المتأتي في الجزء الأبرز منه من خلال دور دمشق في إدارة توازنات الواقع السياسي اللبناني. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة القرار 1559 بوصفه إعلاناً لانتهاء صلاحية الصيغة الإقليمية التي حكمت لبنان بعد الحرب الاهلية. جاء اغتيال رفيق الحريري. ثم الانسحاب السوري عام 2005 فدخل لبنان مرحلة البحث عن سلطة جديدة فوق قواعد قديمة. صار ترتيب الطائف في وظيفته الإقليمية، اتفاقاً أُعلن موت عالمه من دون القدرة على دفنه أو إنجاب بديل له.

***

في فلسطين، كان ترتيب أوسلو يتآكل قبل رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. فالاستيطان يلتهم الأرض. والمفاوضات تدور حول الأرض نفسها. والسلطة الفلسطينية تتوسع إدارياً بينما تتقلص قدرتها على الوصول إلى السيادة. حين رحل عرفات عام 2004، بعد حصاره في مقاطعة رام الله، غاب الرجل الذي حمل التناقض بين الثورة والتسوية في شخصه. يمكن القول إن اتفاق أوسلو فقد، مع غيابه، آخر رموزه القادرين على إعطاء المسار معنى وطنياً يتجاوز الإدارة اليومية للاحتلال. بقيت مؤسسات أوسلو وتراجع وعده. بقيت السلطة وغابت الدولة. بقي التنسيق وضاق الأفق. ثم أضاف الانقسام الفلسطيني جداراً داخلياً إلى الجدران التي أقامها الاحتلال. لم ينتهِ أوسلو في يوم واحد، بل انتهى بالتقسيط. وما بدا مساراً انتقالياً صار إقامة طويلة في انتظار لا ينتهي. وجاء السابع من تشرين الأول/أكتوبر في منطقة تعلمت التعايش مع هذا الانتظار. حتى حسبت أن غياب الحل قابل للاستمرار إلى ما لا نهاية.

***

بين بغداد وغزة، تعاقبت على المنطقة سنوات من الدم: حروب إسرائيلية مدمرة، وصراعات أهلية، وانهيارات اقتصادية، وتهجير جماعي، وصعود جماعات جعلت الخرائط مساحات للقتل والتدمير ومشاريع “الدويلات”. لم تكن كل هذه الأحداث فصولاً في خطة واحدة محكمة. لكنها التقت في نتيجة واحدة: إضعاف قدرة المنطقة على إنتاج قواعد مشتركة تضبط النزاعات وتحمي المجتمعات.

إقرأ على موقع 180  لحظة نصرالله التاريخية.. أوكرانية بإمتياز!

هنا نصل إلى المعضلة. أميركا تريد إعادة ترميم الترتيبات حتى تتفرغ إلى ما بعد الشرق الأوسط وما بعد الخليج. إيران دفعت ثمن حرب مؤجلة منذ نحو نصف قرن.. كل الصياغات الأميركية الإيرانية في العقدين الأخيرين اللذين أعقبا غزو العراق، كانت تهدف إلى تجنب كأس الحرب.. إلى أن وقعت الحرب المؤجلة. دفعت إيران كبير الأثمان والميزانيات لأجل الدفاع عن مصالحها من دون أن تجعل النار تقترب من حدودها. لكن حمم النيران انصبت عليها وقتلت قادتها. ومن دولة كبرى تريد إعادة بناء وترميم الترتيبات إلى دولة إقليمية صاعدة تعاند وترفض تغيير السقوف فوقها.. ثمة عبارة تختصر قراءتين متعارضتين لمستقبل المنطقة أكثر مما تصف برنامجين معلنين بكل تفاصيلهما. تريد واشنطن إعادة إنتاج وظائف النظام القديم بأدوات جديدة. تريد ضمان أمن إسرائيل وحماية تدفق الطاقة وضبط القوى المناوئة وربط الاستقرار بمظلتها العسكرية والسياسية. أما إيران، فتريد أن يُترجم وزنها إلى اعتراف بموقعها في تحديد قواعد الأمن الإقليمي. وتسعى إلى الخروج من موقع الدولة التي يُصمَّم النظام الإقليمي لاحتوائها والدخول إلى موقع القوة التي لا يمكن تصميم النظام الإقليمي ذاته من دونها.

***

من بغداد 2003 إلى غزة 2023، إلى حرب 2026، نقرأ سيرة تفكك طويل؛ سيرة تشرح كيف تُهدم التوازنات قبل أن تُبنى بدائلها، وكيف تتحول التسويات إلى أسماء بلا قدرة على التحول إلى واقع، وكيف يدفع الناس ثمن الخلاف بين «المهندسين». المنطقة تبحث عن بناء تسكن فيه، بعد أعوام أمضتها بين بيوت مهدمة وأخرى مهددة بالانهيار. وحتى يصبح هذا البناء ممكناً، لا يكفي أن تتفق أميركا وإيران على ارتفاع السقف أو حدود الجدران؛ ينبغي أن يكون لأهل المنطقة رأي في الأعمدة التي ستحمله، والأبواب التي ستُفتح أو تُغلق، والنوافذ التي سيُرى منها المستقبل، وقبل ذلك كله في الحقوق التي سيصونها هذا البناء، ومن يملك مفاتيحه، ومن يقرر قواعد السكن فيه، فالمشكلة لم تعد في هندسة توازن جديد فحسب، بل في ما إذا كان أهل المنطقة سيبقون مادةً في مشاريع الآخرين، أم يصبحون أخيراً شركاء في صياغة النظام الذي سيعيشون تحت سقفه؟

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
طارق زيدان

كاتب سعودي

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  بين كنيسة دير ميماس ومساجد الجنوب.. العدوّ واحدٌ