كيف نكتشف المستقبل.. وهو يتشكّل؟

تناولنا في الحلقة الأخيرة مفهوم «الانبثاق» بوصفه ظهور خصائص وأنماط جديدة من تفاعل عناصر الأنظمة المعقدة، ثم انتقلنا إلى مفهوم «الاستراتيجية المنبثقة» الذي يفسر كيف يمكن أن تتشكل استراتيجية من أفعال وقرارات وتكيفات لم تكن جزءًا من خطة مكتملة مسبقًا. لكن مع اتساع الشبكات وتسارع التحولات التكنولوجية وتزايد التداخل بين السياسة والاقتصاد والأمن، يبرز سؤال آخر: كيف نتعرف إلى النمط الجديد وهو لا يزال في طور الظهور، وكيف نعدّل استراتيجياتنا قبل أن تتحول نتائجها إلى واقع يصعب التأثير فيه؟ هذا السؤال ينقلنا من فهم الانبثاق إلى دراسة شروط التقاطه، ومن تحليل ما حدث إلى محاولة التعرف إلى ما بدأ يحدث بالفعل، لكنه لم يكتمل بعد.

الذكاء الاصطناعي والشبكات الاجتماعية

ربما يكون الذكاء الاصطناعي من أبرز الأمثلة المعاصرة على التفاعل بين الابتكار والتكيف الاستراتيجي.

فكثير من المؤسسات والدول بدأت التعامل معه بوصفه أداة لرفع الإنتاجية أو تحسين الخدمات، لكن الاستخدامات المتراكمة أخذت تؤثر في سوق العمل، ومفهوم الخبرة، وتوزيع القيمة الاقتصادية، والتعليم، وصناعة القرار، والاستخبارات، والعلاقة بين الفرد والدولة والشركات التكنولوجية.

ولم تكن جميع هذه النتائج جزءًا من خطة واحدة. بل تشكلت من تفاعل استثمارات وبحوث ومنافسات وأسواق وقرارات تنظيمية واستخدامات اجتماعية.

ثم بدأت الدول والمؤسسات بناء استراتيجيات جديدة استجابة لهذه التحولات، فيما تدخل الاستراتيجيات نفسها إلى النظام، فتؤثر في اتجاه الابتكار وشروط استخدامه.

نحن، إذًا، أمام حلقات تغذية راجعة متواصلة، لا أمام خط مستقيم تنتهي فيه كل مرحلة قبل أن تبدأ الأخرى.

وتقدم شبكات التواصل الاجتماعي مثالًا آخر.

قد تبدأ قضية بمنشور واحد، ثم يعاد نشره والتعليق عليه، وتدخل وسائل الإعلام، ويتفاعل السياسيون والجمهور، فتتشكل سردية أوسع، وتصبح القضية موضوعًا للرأي العام. وقد تضطر الحكومة إلى تعديل قرار سياسي، أو تفشل في احتواء الاحتجاج، فتتوسع حركة اجتماعية وتظهر أمام الفاعلين استراتيجيات لم تكن مطروحة عند البداية.

لا يكون صاحب المنشور الأول قد امتلك بالضرورة استراتيجية لإحداث النتيجة النهائية، ولا يكون جميع الذين تفاعلوا معه قد تحركوا وفق قيادة مركزية واحدة.

لكن تفاعل الشبكة قد ينتج قوة جماعية جديدة، وعندما تبدأ القوى السياسية بتعديل سلوكها استجابة لهذه القوة، قد تتشكل استراتيجيات منبثقة بدورها.

وفي هذا السياق، يمكن الاستعانة بفكرة «أثر الفراشة» على سبيل التشبيه بالحساسية التي قد تبديها بعض الأنظمة لتغيرات صغيرة، من دون اعتبار أن كل حادثة محدودة تفضي إلى تحول كبير تمثل تطبيقًا علميًا مباشرًا لهذا المفهوم.

كذلك ينبغي التمييز بين هذا التشبيه و«أثر الدومينو»، الذي يشير إلى انتقال التأثير عبر حلقات متتابعة.

ومن الأمثلة البارزة واقعة محمد البوعزيزي في تونس بين عامَي 2010 و2011. فقد بدأت بحادثة فردية مرتبطة بالكرامة والظروف الاجتماعية والاقتصادية، ثم تحولت، من خلال الاحتجاجات والتغطية الإعلامية والشبكات الاجتماعية والتفاعلات السياسية، إلى رمز جماعي ضمن مسار احتجاجي أوسع أسهم في سقوط نظام زين العابدين بن علي.

ولم تكن الحادثة وحدها سبب النتيجة النهائية؛ بل تفاعلت مع البطالة والفساد والقمع وأزمة الثقة بالمؤسسات، ومع قرارات المتظاهرين والسلطات والقوى الاجتماعية والسياسية.

وهكذا تحولت الواقعة إلى رمز، ثم سردية جماعية، ثم عنصر تعبئة داخل حركة احتجاجية واسعة، انتهت إلى تحول سياسي تجاوز نية الفاعل الأول ومقاصد كثير ممن شاركوا في المراحل الأولى.

ومن التاريخ الفرنسي نستحضر قضية دريفوس، ولا سيما مقال إميل زولا الشهير «إني أتهم…!» (J’Accuse…!) المنشور في صحيفة L’Aurore عام 1898.

كانت القضية قد بدأت قبل المقال بمحاكمة الضابط ألفريد دريفوس وإدانته، لكن تدخل زولا أسهم في توسيع الصراع العام حولها. فقد دخل الصحافيون والمثقفون والسياسيون والجيش والمحاكم والجمهور في تفاعل متبادل، وانقسم المجتمع الفرنسي حول قضايا العدالة والدولة والجيش ومعاداة السامية ومعنى الجمهورية.

لم يكن مقال واحد كافيًا لتفسير جميع النتائج، لكنه أصبح عنصرًا مؤثرًا داخل شبكة من التفاعلات أنتجت قضية سياسية واجتماعية أكبر بكثير من نطاق المحاكمة الأصلية.

والنقطة النظرية الأهم هنا أن لا عنصر منفردًا في هذه السلاسل يكفي لتفسير النتيجة النهائية. فالمنشور لا يُسقط حكومة بمفرده، والفيديو لا يصنع ثورة وحده، والمظاهرة المنفردة لا تعيد تشكيل النظام تلقائيًا. لكن تفاعل هذه العناصر مع الظروف والمؤسسات والبنى الاجتماعية قد ينتج نتائج على المستوى الكلي.

ومن هنا يمكن فهم الرأي العام في البيئة الشبكية بوصفه أكثر من مجموع حسابي لآراء الأفراد؛ فهو يتشكل أيضًا من العلاقات والتفاعلات والمعلومات والانفعالات والرموز والسرديات المتداولة.

وعندما تتجاوز ديناميات التعبئة عتبات معينة، قد لا يعود الرأي العام مجرد تعبير عن الواقع السياسي، بل يتحول إلى عامل مؤثر في إعادة تشكيله.

وقد تنبثق استراتيجيات حتى عندما تغيب خطة مشتركة بين الفاعلين. فالفاعل الأول لا يخطط للنتيجة، والجمهور لا يتحرك بالضرورة وفق غرفة عمليات واحدة، والسلطة قد تتقاعس أو تخطئ في الاستجابة؛ لكن تفاعل الفعل ورد الفعل والتقاعس قد يفتح مسارًا سياسيًا جديدًا.

وهنا نقترح مفهوم «العتبة الانبثاقية الاستراتيجية» (Strategic Emergence Threshold)، بوصفه أداة تفسيرية للإشارة إلى المرحلة التي يبدأ فيها حدث محدود بالتحول إلى دينامية أوسع ذاتية التعزيز، بحيث تصبح العودة إلى الوضع السابق أكثر صعوبة.

ولا ينبغي اعتبار هذه العتبة لحظة قابلة للتحديد المسبق دائمًا، بل يمكن البحث عنها من خلال مؤشرات، منها: اتساع المشاركة، وانتقال الفعل إلى ساحات جديدة، واستقلال استمراره نسبيًا عن المحرّك الأول، وتغير استجابات المؤسسات، وظهور حلقات تغذية راجعة تزيد قدرة الحركة على الاستمرار.

بهذا المعنى، يصبح التقاط العتبة محاولة لرصد تحول الحدث إلى نمط مؤثر، لا ادعاء القدرة على معرفة اللحظة الحاسمة بصورة يقينية.

الشركات… عندما يشارك الواقع في صناعة الاستراتيجية

قد تطلق شركة منتجًا لتحقيق هدف معين، لكن المستخدمين يكتشفون له استعمالًا مختلفًا. وتلاحظ الشركة هذا السلوك، فتطور الخصائص التي تلقى قبولًا، ثم يعاد تصميم المنتج، وربما تجد نفسها بعد سنوات تعمل في سوق مختلفة عن السوق التي استهدفتها أصلًا.

هنا لا تكون قد نفذت خطتها الأولى كما وُضعت، وإنما اكتشفت مسارًا جديدًا عبر التفاعل مع الاستخدام الفعلي.

بمعنى آخر: سمحت للواقع بأن يشاركها في صناعة الاستراتيجية.

ومن الأمثلة المعروفة تجربة تويتر، الذي نشأ مشروعه الأول داخل شركة Odeo العاملة في مجال التدوين الصوتي. فقد تطورت فكرة خدمة قصيرة لتبادل تحديثات الحالة، ثم تحولت تدريجيًا إلى منتج مستقل، وصولًا إلى شبكة اجتماعية عالمية عُرفت باسم Twitter قبل تغيير علامتها التجارية لاحقًا إلى X.

وفي تجربة Slack، طُورت أداة للتواصل الداخلي أثناء عمل فريق على لعبة إلكترونية اسمها Glitch. ولم تحقق اللعبة النجاح التجاري المأمول، بينما اتضحت القيمة العملية لأداة التواصل، فجرى تطويرها لتصبح منتجًا مستقلًا لخدمات الاتصال المهني.

أما Instagram، فقد سبقه تطبيق Burbn الذي جمع وظائف متعددة، بينها مشاركة الصور وتحديد المواقع. ومع تطور المشروع، اختار الفريق التركيز على مشاركة الصور والخصائص المرتبطة بها، بدل الاستمرار في تقديم الوظائف المتعددة نفسها.

ولا تعني هذه التجارب أن النجاح تحقق من دون قرارات متعمدة؛ فالتحول احتاج إلى اختيار واستثمار وإعادة تنظيم. لكنها توضح كيف قد تنشأ فرصة لم تكن محور الخطة الأصلية، ثم تتحول إلى استراتيجية مقصودة جديدة بعد التعرف إلى قيمتها.

الإنترنت… الانبثاق بوصفه عملية متجددة

لم يُنشأ الإنترنت وفق مخطط نهائي يتضمن مسبقًا الشبكات الاجتماعية واقتصاد المؤثرين والعملات المشفرة والحروب السيبرانية والذكاء الاصطناعي التوليدي.

لقد تطورت تقنيات وشبكات ومؤسسات متداخلة، وأنتجت تطبيقات واستخدامات لم تكن جميعها متصورة عند بناء البنى الأولى.

ومع ظهور الويب ومحركات البحث والمنصات الاجتماعية واقتصاد البيانات والهواتف الذكية والتطبيقات الرقمية، نشأت حلقات متبادلة من التطوير والاستخدام والاستثمار والتنظيم.

وليس هذا تسلسلًا سببيًا خطيًا، فبعض هذه التقنيات سبقت غيرها أو تطورت بالتوازي معها، كما أن بحوث الذكاء الاصطناعي أقدم من كثير من تطبيقات الإنترنت المعاصرة.

لكن التفاعل بين هذه المسارات أسهم في إنتاج بيئات اجتماعية واقتصادية وتقنية جديدة.

والأهم أن كل انبثاق لا يغلق المرحلة السابقة بالضرورة، بل قد يعيد تشكيلها.

فالذكاء الاصطناعي لم يظهر بعد انتهاء عصر الشبكات الاجتماعية؛ بل دخل إلى هذه الشبكات وغيّر إنتاج المحتوى والإعلان والمعلومات والبحث والعمل والتضليل.

وهكذا نكون أمام انبثاق يعيد ترتيب العلاقات داخل الشبكة، فيغير شروط ظهور أنماط أخرى.

إنه انبثاق متجدد، يتداخل فيه الأثر الجديد مع البنى القائمة، ويعيد تشكيل النظام الذي نشأ منه.

حرب أوكرانيا مختبر لتغير أنماط القتال

تقدم الحرب الأوكرانية مثالًا على التفاعل المتسارع بين الابتكار العسكري والتكيف العملياتي.

فقد اتسع استخدام المسيّرات منخفضة الكلفة نسبيًا، وتفاعلت مع أنظمة الاتصالات والاستطلاع بالأقمار الصناعية والبرمجيات والبيانات الميدانية والحرب الإلكترونية، ومع تطبيقات متفاوتة للذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، تطورت وسائل التشويش والمواجهة، ثم ظهرت تعديلات في المسيّرات وأساليب تشغيلها للتغلب على بعض الإجراءات المضادة.

وهكذا تتكون حلقة متتابعة:

ابتكار قتالي ← وسائل مضادة ← تكيف تقني وعملياتي ← تغير في أنماط الاستخدام والعقائد.

إقرأ على موقع 180  لبنان بين ربيع الناس وخريف النظام

وهذه الحلقة لا تعني أن كل ابتكار ينتج عقيدة عسكرية جديدة، لكنها تظهر كيف يمكن للتفاعل بين الوسيلة والوسيلة المضادة أن يدفع القوات إلى إعادة النظر في أساليب العمل والتوزيع والتنظيم.

ولا يستطيع المحلل أن يفترض أن صورة الحرب الحديثة قد استقرت نهائيًا؛ فالتقنيات والاستخدامات والعقائد تتغير، بينما قد تتقادم بعض التقديرات بسرعة.

وهنا تتضح أهمية التعلم الاستراتيجي خلال المواجهة، والقدرة على تعديل الفرضيات والأدوات بدل التعامل مع الخطة الأولى بوصفها حقيقة نهائية.

الذكاء الاصطناعي وتسارع دورات التغيير

يتجاوز أثر الذكاء الاصطناعي مجرد إضافة أداة جديدة إلى منظومة الابتكار؛ إذ أصبح يسهم في بعض عمليات إنتاج البرمجيات وتحليل البيانات والبحث العلمي وتصميم الأنظمة وتطوير أدوات ذكاء اصطناعي أخرى.

ففي مراحل سابقة، كان الإنسان يستخدم الأدوات لإنتاج معرفة جديدة، أما اليوم فقد أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي تشارك في بعض مراحل إنتاج الأدوات والمعرفة نفسها، وإن بقي هذا النشاط مرتبطًا بالبشر والمؤسسات والبنى التقنية التي تطوره وتوجهه وتقيّمه.

وهذا يفتح إمكان ظهور حلقة من النوع التالي:

قدرات ذكاء اصطناعي ← أدوات للبحث والتطوير ← تحسين بعض عمليات إنتاج المعرفة والتقنية ← قدرات جديدة.

لكن ينبغي التمييز بين مساهمة الأنظمة في تحسين أدوات أخرى، وبين التحسين الذاتي المتكرر تحت إشراف بشري، وبين الافتراض المستقبلي المتعلق باستقلال أنظمة قادرة على تطوير نفسها بقدر متزايد من دون توجيه مباشر. فالأخير احتمال بحثي واستراتيجي، لا حقيقة مكتملة يمكن الجزم بحدوثها.

وقد يتيح هذا التفاعل تسريع بعض دورات الابتكار، من دون أن يعني بالضرورة أن جميع دورات التغير ستتسارع بالوتيرة نفسها.

ومن هنا يمكن ربط الظاهرة بالمفهوم الذي اقترحناه سابقًا، وهو «الانضغاط الاستراتيجي» (Strategic Compression)؛ أي تقلص بعض الفواصل الزمنية المتاحة للرصد والتقييم واتخاذ القرار والتكيف، عندما تتسارع التفاعلات والتحولات ذات الصلة بالمنافسة الاستراتيجية.

وبهذا المعنى، لا تنضغط الأحداث وحدها، بل قد تنضغط أيضًا المدة الفاصلة بين ظهور نمط جديد واضطرار الفاعلين إلى الاستجابة له.

الانعكاسية وحلقة الانبثاق الاستراتيجي

هنا تبرز أهمية مفهوم «الانعكاسية» (Reflexivity)، الذي يشير، في أحد استخداماته في العلوم الاجتماعية، إلى أن تصورات الفاعلين عن الواقع قد تؤثر في سلوكهم، وبذلك تصبح هذه التصورات جزءًا من العمليات التي تغير الواقع نفسه.

فالإنسان والدولة والشركة لا يتلقون التغير فحسب؛ بل يعدلون أفعالهم عندما يعتقدون أن البيئة تغيرت، وقد تؤدي هذه التعديلات إلى تعزيز اتجاه قائم أو إضعافه أو إنتاج اتجاه آخر.

ولهذا يمكن أن يؤثر التنبؤ نفسه في موضوعه: فقد يدفع توقع أزمة مالية بعض الفاعلين إلى تغيير استثماراتهم، بما يسهم في تغيير الظروف التي استند إليها التوقع أصلًا.

وانطلاقًا من التفاعل بين الانبثاق والتكيف والانعكاسية، يمكن أن نقترح مفهوم «حلقة الانبثاق الاستراتيجي» (Strategic Emergence Loop)، بالمعنى الآتي:

تفاعلات النظام ← ظهور نمط جديد ← إدراك الفاعلين له ← تعديل الاستراتيجيات والسلوك ← تغير شبكة العلاقات ← احتمال ظهور أنماط جديدة.

هذه الصيغة لا تزعم اكتشاف قانون حتمي، وإنما تقترح إطارًا تحليليًا لفهم كيف يتحول إدراك الفاعلين لما ينبثق إلى عامل مشارك في إنتاج الانبثاقات اللاحقة.

ماذا يتغير في التفكير الاستراتيجي؟

هنا تصبح المسألة أبعد من إضافة مصطلح جديد إلى قاموس الدراسات الاستراتيجية؛ إنها تتصل بالطريقة التي نفهم بها تكوين الاستراتيجية وتعديلها.

ففي التصور الذي يعطي التخطيط المسبق الأولوية، يكون السؤال الأساسي: ما خطتنا؟

أما في عالم يتسم بالتقلب وعدم اليقين والتعقيد والغموض، وهو ما يشير إليه اختصار VUCA، وفي بيئة تتزايد فيها آثار الشبكات والذكاء الاصطناعي، فينبغي أن نضيف سؤالًا آخر:

ما الذي بدأ ينبثق أمامنا؟ وكيف نرصده ونتفاعل معه ونعدّل استجابتنا له؟

فقد تنفذ الدولة خطتها بكفاءة على المستوى التكتيكي، لكنها تخسر على المستوى الاستراتيجي إذا تجاهلت أن البيئة التي صيغت الخطة من أجلها قد تغيرت.

وفي المقابل، ليست القيادة الأكثر قدرة بالضرورة تلك التي تزعم التنبؤ بكل شيء، بل التي تمتلك قابلية التكيف الاستراتيجي.

ونقصد بذلك القدرة على التقاط الإشارات المبكرة، والتعرف إلى الأنماط وهي في طور التشكّل، والتعلم السريع، وتعديل الأدوات والأهداف عندما تقتضي الأدلة ذلك، بما في ذلك تطوير استراتيجيات خروج مرنة وغير نمطية.

ولا تعني المرونة التخلي عن الأهداف أو تغييرها عند كل حدث، بل القدرة على التمييز بين تحول عابر وتغير بنيوي يستوجب مراجعة الافتراضات الأساسية.

من الاستشراف إلى التقاط الانبثاق

ينبغي التمييز بين الاستشراف الذي يسأل: ماذا يمكن أن يحدث؟ وبين ما نقترح تسميته «التقاط الانبثاق»، الذي يسأل:

ما الذي بدأ يحدث بالفعل، لكنه لم يكتمل بعد، وكيف يمكن التعرف إلى نمطه الناشئ؟

ولا يمثل المفهومان بديلين متعارضين؛ فالتقاط الانبثاق يمكن أن يكون أحد مداخل الاستشراف الاستراتيجي، لأنه يعتمد على مراقبة الإشارات والتفاعلات الناشئة، ثم اختبار دلالتها وحدودها.

إن التحولات الاستراتيجية الكبرى لا تصل دائمًا بإعلان رسمي. فقد تبدأ بإشارة محدودة، أو تغير في السلوك، أو تكنولوجيا ناشئة، أو تعديل جزئي في التحالفات، ثم تتفاعل هذه العناصر وتكشف تدريجيًا عن نمط جديد.

وقد يكتشف الفاعلون لاحقًا أن النظام لم يعد يعمل بالقواعد التي اعتادوا عليها، وأن بنية جديدة بدأت تتشكل، وربما ظهرت حالة من عدم الانتظام لا تزال ملامحها غير محسومة.

ومن هنا يمكن اقتراح وظيفة إضافية للعقل الاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين: التعرف المبكر إلى الخصائص والأنماط التي بدأت تتشكل من التفاعلات، قبل أن تصبح ظواهر مكتملة تفرض نفسها على الفاعلين.

ويمكن تسمية هذه الوظيفة «تحرّي الانبثاق والتقاطه».

وهي قدرة تجمع بين الملاحظة المنهجية، وتحليل العلاقات، واختبار الفرضيات، والمرونة، والاستعداد لتعديل الأحكام عند ظهور أدلة جديدة.

وليست الغاية ادعاء معرفة المستقبل على نحو يقيني، بل توسيع القدرة على إدراك ما يتغير بالفعل، وتقدير المسارات المحتملة التي قد يتخذها.

الاستراتيجية في عالم لا ينتظر الخطط

لقد قامت مقاربات مؤثرة في التفكير الاستراتيجي على دراسة المستقبل الممكن، ثم صياغة الأهداف والخطط، وتخصيص الموارد، وتنفيذ القرارات للوصول إلى النتائج المطلوبة.

لكن العالم الذي ندخله لا يتميز بالسرعة وحدها؛ بل تتزايد فيه التشابكات بين الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة والأمن والمجتمع، وتتداخل فيه مراكز القرار وشبكات التأثير.

إنه عالم تتعدد فيه التفاعلات غير الخطية، وتتغير فيه بعض الظروف بسرعة تضيق معها المهلة المتاحة لصانع القرار، فيما أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا مؤثرًا في إنتاج المعلومات وتحليلها وتسريع بعض عمليات التغيير.

وفي هذا العالم، لا يعود المستقبل مجرد نقطة نصل إليها وفق خطة ثابتة.

بل يصبح، في جانب منه، واقعًا يتشكل أثناء حركتنا نحوه.

ومن هنا، فإن الدولة أو المؤسسة التي تريد الحفاظ على فاعليتها لا يكفيها امتلاك خطة استراتيجية، مهما بلغت دقتها.

إنها تحتاج أيضًا إلى عقل استراتيجي يتعلم من الواقع، ويمتحن افتراضاته، ويتكيف مع التحولات بالسرعة المناسبة لطبيعتها.

ولعل التحول الأهم هنا هو أن الاستراتيجية لم تعد تُفهم بوصفها فن صناعة المستقبل الذي نريده فحسب، بل بوصفها أيضًا فن اكتشاف المستقبل الذي بدأت بعض شروطه تتشكل من حولنا.

وهذا هو الفارق بين من يحاول فرض خطته على عالم تغير، ومن يستطيع قراءة ما ينبثق في ذلك العالم، ثم تحويل معرفته إلى فرصة وقدرة واتجاه.

فالاستراتيجي في عالم الغد ليس فقط من يعرف إلى أين يريد أن يذهب، بل من يستطيع أن يكتشف، أثناء الطريق، أن الطريق نفسه قد تغير.

وأخيرًا، لم تعد المسألة محصورة في السؤال: هل نستطيع معرفة المستقبل؟

بل أصبحت تشمل سؤالًا أدق:

في أي لحظة يصبح المستقبل قابلًا للاكتشاف داخل الحاضر، وهل نستطيع التقاط إشاراته قبل أن يُغلق الانضغاط الاستراتيجي نافذة الفعل؟

(*) الحلقة الثانية والأخيرة من فصل في كتاب «كيف تغيّرت السياسة» — قيد الإعداد. راجع باقي مقالات الكاتب في موقع 180 بوست

Print Friendly, PDF & Email
عماد فوزي شُعيبي

كاتب وباحث عربي

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  لبنان بين ربيع الناس وخريف النظام