لبنان بين ربيع الناس وخريف النظام

نزلتُ هذا الصباح الى شوارع بيروت أشارك الناس نقمتها على الطبقة السياسية. معظم المشاركين في ربيع العمر. شابات وشبّان يرشحون حيوية ونقمة. أفقرَهم النظام المتوارث بكل فساده وكوارثه الاقتصادية. رماهم في أتون البطالة واليأس وأراد تكبيلَهم بالضرائب. تحرّكوا حين فاض الصبرُ عن قدرتهم على التحمل. قرّروا قلب الطاولة على الجميع بعيدا عن الانتماءات الطائفية والمذهبية التي كانت تعيق في كل التظاهرات السابقة وصولهم الى غاياتهم.

ها هو العلم اللبناني يرفرف وحيدا فوق رؤوس آلاف الشابات والشبّان، وهذه اللافتات المرفوعة بالسواعد النضرة، فوق الرؤوس المتمرّدة، تطالب بنظام مدني وعلماني وبعدالة اجتماعية وبوقف الفساد والمحسوبيات. ارتفعت هتافاتهم بعناوين كبيرة “فليسقط النظام”، “الشعب يريد اسقاط النظام”، “ثورة، ثورة، ثورة”، “يلاّ، يلاّ، يلاّ، نواب طلعوا برّا”. ولو سألت عمن يقصدون بمصطلح “النظام”، يأتي الجواب سريعا:”كلهم يعني كلهم”.

قلّما عرف شعبٌ حجم القهر الذي يعرفه الشعب اللبناني، لكن قلّما أدرك شعبٌ حجم القهر الذي هو فيه حتى كاد يتكيّف معه، فكان يتعالى على الجرح باختراع وسائل للفرح، ويذهب طوعا أو اضطرارا الى صناديق الاقتراع للتصويت لمن يذله وينهبه ويقهره. لكن هذه المرة، وبسبب انسداد الأفق، وانعدام الثقة بالنظام والحكومات، ووصول اليأس الى أقصاه، وفقدان السيولة المالية، وتقاطر الضرائب من كل حدب وصوب، وارتفاع الديون الى مستوى غير مسبوق في تاريخ لبنان، ومشارفة البلد على الإفلاس، وسط خصومات سياسية وتنافس على المناصب والمصالح، وتناهش لحم الشعب، انتفض الناس لكرامتهم، وقرّروا صد موجات الاحتقار التي يواجّهون بها دائما، وذهبوا محاولين قلب الطاولة على الجميع.

تأخر الربيع في الوصول الى لبنان، برغم أنه أكثر الدول حاجة له. لعلّ حرائق الأحراج والغابات والأشجار وعجز الدولة عن المعالجة، وتسرّب روائح الفضائح بشأن صفقات مشبوهة بما فيها الطائرات المرصودة لإطفاء الحرائق، كل ذلك شحن النفوس، وزاد مستوى الغضب، وزرع في القلوب عواصف غضب، فجاء القرار المريب بفرض ضريبة على “الواتس آب” ليكشف مدى تخبط الحكومة، وعشوائية قراراتها، واحتقار الطبقة السياسية للناس والفقراء والمحرومين.

لا شيء يسير في لبنان بشكل طبيعي. طُمر الشعب بالنفايات والتلوث. تضاعف السرطان ثلاث مرات وفق الاحصائيات الدولية. إرتفع لبنان الى صدارة قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم. صارت قضايا مثل الصحة والطبابة والتعليم رفاهية لمن يستطيع أن يدفع ثمنها. أثقلت السلطة كواهل الشعب بفواتير مولدات الكهرباء وثمن مياه الشرب والإستخدام، في بلد انتهت حربه قبل 19 عاما، وهو يعوم على خزان جوفي ضخم من المياه. تمحورت حركة الاقتصاد على المصارف التي عزّزت بدورها حضور مافيات المال، ثم على العقارات التي فقدت قيمتها في السنوات الماضية، بينما ماتت الزراعة واختفت الصناعة وفقد لبنان دوره التاريخي المحوري كمركز مالي ومقصد سياحي وساحة للخدمات المالية والاقتصادية العربية والعالمية.

لعلّ الناس كانوا ينتظرون من الحريري على الاقل إقالة وزير أو أكثر من الحكومة احتراما لمشاعرهم. بدا الحريري صادقا في ما يقول لكنه حتما لن يستطيع اقناع الناس بما قاله

من سيدفع الثمن؟

هذا هو السؤال المفصلي حاليا. فحين يقول الشعب انه يريد اسقاط النظام، ما هي الآلية؟ كيف السبيل الى ذلك؟ من هي العقول التي ستقود هذه الانتفاضة لتحولها الى ثورة حقيقية وتضع مشروعا مقبولا من الناس وقادرا على الوصول الى تغيير الطبقة السياسية الحالية.

ألقى رئيس الحكومة سعد الحريري خطابا في محاولة لتهدئة الشارع. لم يسمّ أحدا لكنه حمّل الآخرين المسؤولية. وثمة طرف آخر سيحمّله المسؤولية. وطرف ثالث سيدعم رئيس الجمهورية ميشال عون وطرف رابع يناهضه.  كل هذا ما عاد قادرا على تهدئة الشارع. لعلّ الناس كانوا ينتظرون من الحريري على الاقل إقالة وزير أو أكثر من الحكومة احتراما لمشاعرهم. بدا الحريري صادقا في ما يقول لكنه حتما لن يستطيع اقناع الناس بما قاله.

تشير المعلومات إلى أنه كان يريد الاستقالة، وانه تراجع بعد ضغوط كثيرة مورست عليه في الساعات الأخيرة، وأعطى نفسه 72 ساعة قبل الاستقالة. هل سيتغير شيء بسحر ساحر في الساعات المقبلة؟ الأكيد لا.

لبنان الذي عاش حربا أهلية وحروب الآخرين على أرضه نحو 16 عاما. ولبنان الذي تأسس على الطائفية وتبنى نظام تقاسم الحصص على أساس المذاهب منذ استقلاله عام 1943 ولبنان الذي يضم في كل بيت قطعة سلاح أو أكثر، والذي عرف العنف والحروب ومارسها، لا خلاص له سوى باقتناع الشعب بالانتماء الى الوطن لا الى الطوائف والمذاهب والزعامات، حتى تقاسم المناصب على أساس الطوائف ما عاد ممكنا بسبب تقلّص عدد المسيحيين كثيرا مقابل المسلمين.

ما هو المنتظر؟

اما استمرار حركة الشارع وتعاظمها في الأيام المقبلة لكي تحاكي ما حصل في الجزائر وتونس والسودان وغيرها على نحو سلمي، فتجبر أهل السلطة على الذهاب نحو خيارات مفصلية جذرية في بنية النظام.

واما أن يتكاتف أهل النظام ويتخذون قرارا بقمع الشارع، فيصار الى تأليب شارع ضد شارع ومنطقة ضد أخرى لتقع اشتباكات وحوادث أمنية، فيتدخل الجيش ليحسم الأمر بالقوة بعد ان تكون عمليات التكسير والتحطيم فعلت فعلها.

واما أن يدخل طابور خامس على الشوارع، فتُطرح شعارات سياسية، يطالب بعضها بإسقاط المقاومة وحزب الله، وبعضها الاخر ينحو صوب الفدرالية، وبعضها الثالث يكثف الحملة على رئيس الجمهورية، فيغرق لبنان بفوضى عارمة تحرّكها أياد خارجية لحسابات خارجية وتكون مرتبطة بمشاريع مشبوهة في زمن صفقة القرن.

الأمل بهذا التحرك الشعبي كبير، والقلق أكبر بكثير، لكن الأكيد أن ما يحصل في شوارع لبنان هذه الأيام سابقة مهمة، وانه أول انذار جدّي لخريف النظام السياسي الذي ما عاد استمراره مقبولا ولا منطقيا ولا ممكنا.

سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free