من الكرك إلى درعا.. عندما تصطدم الضرورة الأمنية بحدود السيادة

بين حق الأردن في حماية أمنه الوطني وحق سوريا في صون سيادتها، تطرح الغارات الأردنية الأخيرة على الجنوب السوري سؤالاً يتجاوز مكافحة الإرهاب: متى يصبح استخدام القوة عبر الحدود مشروعاً، ومتى يتحول إلى ممارسة تهدد استقرار المنطقة؟

في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026، شنّ سلاح الجو الأردني ضربات على مواقع في جنوب سوريا، قال الأردن إنها تعود لتنظيم «داعش» وترتبط بتهديدات أعقبت هجوماً على كنيسة في محافظة الكرك، أوقع قتلى وجرحى. وأعلنت السلطات السورية أن الغارات نُفذت من دون تنسيق مسبق، وأنها أودت بحياة سبعة أشخاص، بينهم نساء وأطفال. وأعربت عمّان عن أسفها لسقوط مدنيين، مع تمسّكها بأن العمليات استهدفت تهديدات أمنية وشيكة.

ليس الخلاف على حق الأردن في حماية مواطنيه، وإنما على الشروط التي تتيح له استخدام القوة داخل أراضي دولة عربية جارة؛ فوجود خطر أمني لا يجعل الحدود بلا معنى، كما أن التمسّك بالسيادة لا يعفي دمشق من واجب منع استخدام أراضيها لتهديد الأردن.

السيادة وقواعد استخدام القوة

يقوم ميثاق الأمم المتحدة على المساواة في السيادة بين الدول، ويحظر في مادته الثانية، الفقرة الرابعة، التهديد بالقوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي. وتجيز المادة 51 الدفاع عن النفس في حال وقوع هجوم مسلح، ضمن شروط قانونية محددة.

لذلك، لا يكفي وصف هدف بأنه «إرهابي» لتقرير مشروعية قصفه عبر الحدود؛ بل يجب النظر في طبيعة التهديد، وضرورة العملية وتناسبها، وتوافر بدائل واقعية، والأساس القانوني الذي تستند إليه.

وتزداد المسألة تعقيداً حين يكون مصدر الخطر جماعة مسلحة غير حكومية داخل دولة أخرى؛ فحدود حق الدفاع عن النفس في هذه الحالة، ومنها الجدل حول عجز الدولة المعنية أو عدم رغبتها في التصدي للخطر، لا تزال موضع اختلاف قانوني.

ولهذا، يبقى التنسيق وتبادل الأدلة والمعلومات وملاحقة المشتبه فيهم المسار الأول، ولا يمكن اعتبار العمل العسكري الأحادي تفويضاً مفتوحاً.

والأصل أن تطلب الدولة المعرضة للخطر تعاون جارتها، وأن تقدّم ما لديها من معلومات عن العناصر والمواقع المشتبه فيها، وتمنح المسار الأمني والقضائي فرصته ما أمكن. أما الانتقال إلى استخدام القوة، فيحتاج إلى تبرير أكثر تحديداً من مجرد الإشارة إلى عجز الأجهزة المحلية أو صعوبة ضبط الحدود؛ فالقانون لا ينفي مقتضيات الحماية الأمنية، لكنه يرفض تحويلها إلى استثناء لا نهاية له.

المعيار نفسه أمام إسرائيل

تكتسب المسألة بعداً يتجاوز العلاقة الأردنية–السورية. فإسرائيل تبرّر عمليات عديدة داخل سوريا باعتبارات أمنية، وتقول إنها تستهدف تهديدات قريبة من حدودها أو قدرات عسكرية تعتبرها خطراً.

وإذا جرى التسليم بأن إعلان أي دولة وجود تهديد يمنحها وحده حق القصف، فما المعيار الذي يمكن لدمشق الاحتكام إليه للاعتراض على عمليات أخرى؟

هذا لا يعني المساواة التلقائية بين الغارات الأردنية والإسرائيلية؛ فلكل واقعة سياقها وأدلتها وأساسها القانوني، ولا تنشئ عملية واحدة سابقة تمنح غيرها مشروعية التدخل. لكن معيار السيادة ينبغي ألّا يتبدل بحسب هوية الدولة المنفذة.

والخطر الحقيقي هو اعتياد الضربات غير المنسّقة، بما يُضعف عملياً قدرة سوريا على الدفاع عن حرمة أراضيها، ويعرّض المدنيين لمزيد من الأخطار.

والفرق بين المنطقين حاسم: الدفاع عن السيادة لا يعني رفض مواجهة الإرهاب، بل رفض أن تكون الدولة المستهدفة غائبة عن القرار المتعلق بما يجري فوق أراضيها.

وإذا جرى التساهل مع غياب هذه القاعدة في حالة ما، يصبح من الأصعب سياسياً الدفاع عنها في حالات أخرى، حتى إن ظلّت الحقوق القانونية قائمة من حيث المبدأ. فالمشكلة تكمن في إضعاف حجة دمشق السياسية في مواجهة الانتهاكات.

واجب دمشق لا يقل أهمية

في المقابل، تقع على الدولة السورية مسؤولية منع الجماعات المسلحة وشبكات تهريب السلاح والمخدرات من تحويل أراضيها إلى قاعدة لتهديد الأردن.

فحماية السيادة لا تقتصر على الاحتجاج بعد القصف، بل تشمل ضبط الحدود وتعزيز المؤسسات الأمنية، ومشاركة المعلومات والملاحقة القانونية للمتورطين.

قد تواجه دمشق مناطق يصعب ضبطها، ونقصاً في الإمكانات والمعلومات، غير أن هذه الصعوبات لا تمنح الدول الأخرى، بصورة تلقائية، حق التدخل العسكري. وفي الوقت نفسه، لا تكفي بيانات الإدانة إذا لم تقترن بخطة سورية ملموسة تعالج مصادر الخطر.

فالسيادة حق ثابت، وممارستها الفعلية مسؤولية أيضاً.

ولا ينبغي الخلط بين قصور القدرة الأمنية في مرحلة انتقالية وبين سقوط حق الدولة في حماية مجالها الجوي وحدودها. كذلك لا يصح تحويل السيادة إلى حصانة تمنع السؤال عن الجماعات التي تنشط عبر الحدود أو عمن يوفر لها التمويل والملاذ.

ولأن الأردن يتأثر مباشرة بأمن الجنوب السوري، فإن من مصلحته أن يساعد دمشق على بناء قدرات ضبط دائمة، بدلاً من أن تظل العلاقة محكومة بمنطق الاستجابة العسكرية لحوادث متفرقة.

ماذا يحدث إذا أصبح القصف هو القاعدة؟

إذا نفّذ الأردن غارة كلما اشتبه بوجود نشاط إرهابي أو شبكة تهريب، ووسّعت إسرائيل عملياتها استناداً إلى تقديراتها الأمنية الخاصة، ثم سلكت دول أخرى المسار نفسه، فقد تتحول سوريا إلى ساحة تتعدد فيها قواعد الاشتباك والذرائع.

عندها تتراجع قدرة مؤسساتها على إدارة أراضيها، ويصعب التحقيق في الضربات ومحاسبة المسؤولين عن الخسائر المدنية.

إقرأ على موقع 180  مراجعات يناير: كيف هوى نظام مبارك؟

صحيح أن ضربة منفردة لا تعني انهيار قواعد القانون الدولي، لكن تكرار التدخل الأحادي في غياب التنسيق والمساءلة قد يجعله ممارسة مألوفة، على حساب أمن السكان وحقوق الدولة وسيادتها.

وقد تنشأ من كل غارة مشكلات جديدة، من نزوح السكان وزيادة الاحتقان بين المجتمعات الحدودية إلى تعطيل الحركة التجارية وإضعاف الثقة المتبادلة. وهذه نتائج تناقض الهدف المعلن لأي سياسة أمنية تريد خفض التهديدات على المدى البعيد.

كما أن تعدد الجهات التي تقرر استخدام القوة يجعل تحديد المسؤولية عن الخطأ أو التعويض عن أضراره أشد تعقيداً، ولا سيما عندما تختلف الروايات الرسمية بشأن مواقع الاستهداف والضحايا.

التفاهم الأردني–السوري: من الاحتجاج إلى التنسيق

هذه المقاربة يُعززها توافق وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والأردني أيمن الصفدي، خلال اتصال هاتفي بينهما، أمس (الثلاثاء) على تشكيل لجنة أمنية مشتركة للتحقيق في ملابسات الغارات الأردنية وتداعياتها، وتطوير آليات التنسيق الميداني والاستخباري لمواجهة التهديدات الإرهابية، بما يضمن صون السيادة السورية وحماية المدنيين. وقد أكد الصفدي احترام بلاده الكامل لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، معتبراً أن أمنها واستقرارها جزء من أمن الأردن، وتمسّكت عمّان، بلسان الصفدي، بروايتها أن الضربات استهدفت مواقع لتنظيم «داعش»، استناداً إلى معلومات عن عمليات إرهابية وشيكة كانت تستهدف أمن المملكة.

وتكمن أهمية هذا التفاهم بين دمشق وعمان في أنه يفتح الباب أمام معالجة مؤسسية لخلاف كان مرشحاً للتصعيد، ويؤكد إمكان الجمع بين الاعتبارات الأمنية واحترام سيادة الدولة المجاورة.

لكنه لا يحسم، بحد ذاته، الخلاف القانوني بشأن مشروعية الغارات أو المسؤولية عن سقوط المدنيين. فالعبرة ستكون بنتائج التحقيق المشترك، ومدى شفافيته، وقدرة الطرفين على إرساء آليات واضحة للتنسيق تمنع تكرار العمليات الأحادية، بدلاً من الاكتفاء بتفاهم سياسي لا يغيّر قواعد التعامل الميداني.

والواقع أن العلاقة بين سوريا والأردن تتجاوز البعد الأمني إلى المصالح التجارية والنقل والطاقة والمياه، فضلاً عن الروابط الاجتماعية العميقة بين السكان في المناطق الحدودية.

ولذلك، فإن نجاح اللجنة المشتركة لا يُقاس بإعلان تشكيلها، بل بانتظام اجتماعاتها ووضوح صلاحياتها وقدرتها على معالجة الأحداث الطارئة قبل تحوّلها إلى أزمة بين الحكومتين والدولتين.

ولكي لا تبقى اللجنة عنواناً دبلوماسياً، تحتاج إلى تبادل سريع للمعلومات بشأن «داعش» وشبكات التهريب، وقناة اتصال مباشرة بين الأجهزة المعنية، وآليات للتحقيق المشترك في الحوادث وسقوط المدنيين، وإجراءات قضائية لملاحقة المشتبه فيهم، وخطة لتقييم ضبط الحدود.

وأي حالة استثنائية يُثار فيها تهديد وشيك يجب أن تُبحث وفق أدلتها وأساسها القانوني، لا أن تتحول إلى إذن دائم باستخدام القوة.

أما دمشق، فعليها طلب توضيح رسمي من عمّان لطبيعة الأهداف والأساس القانوني للغارات، والتحقق من أعداد الضحايا والمسؤوليات، والعمل على منع تكرار الحوادث.

ومن الضروري أن تتضمن هذه الخطوات تحقيقاً جدياً في الخسائر المدنية، وأن تتوافر للمواطنين المتضررين آلية لسماع شهاداتهم وتقدير احتياجاتهم. فحماية السيادة تتصل، في النهاية، بحماية من يعيشون على الأرض، لا بمجرد الاعتراض على اختراق الأجواء.

وعلى الجانب الأردني أن يقدّم ما يتيح التحقق من أسباب الضرورة العسكرية كما يراها، لا أن يجعل الأدلة محل تداول بين أجهزته وحدها.

وإذا تعذرت المعالجة الثنائية، تبقى القنوات الدبلوماسية والقانونية الدولية متاحة. وفي المقابل، ينبغي تجنّب تحويل الخلاف إلى خصومة مع الشعب الأردني أو إلى إجراءات حدودية وتجارية تُلحق الضرر بالمدنيين أكثر مما تعالج الخطر.

الدرس الإقليمي: لا أمن مستداماً خارج القانون

ما تحتاج إليه سوريا ليس سيادة معلّقة على مدى قدرتها العسكرية، ولا تعاوناً أمنياً يُفرض عليها من الجو؛ بل مؤسسات قادرة على حماية الحدود، وعلاقة ندية مع الأردن تضمن أمن البلدين.

وما يحتاج إليه الأردن ليس حرية مفتوحة للعمل العسكري داخل جاره، بل شريكاً سورياً يستطيع منع التهديدات والتعامل معها بفاعلية.

وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن تنطبق على سائر دول المنطقة، بما فيها إسرائيل: لا يتحول الادعاء بالأمن الوطني إلى سند قانوني تلقائي لاستخدام القوة.

ويمنح التفاهم الأردني–السوري الأخير البلدين فرصة للانتقال من أزمة الغارات إلى بناء قواعد أكثر استقراراً للتعاون الأمني. لكن نجاح هذا المسار لن يُقاس بمجرد تشكيل لجنة مشتركة، بل بقدرتها على كشف ملابسات ما جرى، وتحديد المسؤوليات عن أي انتهاكات تثبتها التحقيقات، ومنع تكرار الضربات غير المنسّقة.

فالأمن الأردني والسيادة السورية ليسا نقيضين، بل مصلحتان مترابطتان لا يمكن صونهما بصورة مستدامة إلا بالتعاون والقانون.

ولعل الدرس الأوسع أن حماية الحدود لا تتحقق بتجاوزها، وأن الدولة القادرة على التعاون مع جيرانها من دون التفريط بسيادتها هي الأقدر على حماية أمنها واستقرارها.

Print Friendly, PDF & Email
حسان نصر فرج

علوم دبلوماسية واستراتيجية

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  روسيا تُخطّط لحرب طويلة.. وأهدافها "تتواضع"