لماذا لا يُصيب الرصاص إلّا مُصلّين عُزّل في قرية وادعة؟ قصة العداء العتيق بين الصهيونية ومسيحيي المشرق

بعد ثلاث سنوات من الابادة الصهيونية الأمريكية في غزة وجنوب لبنان ومع البداية العملية لحرب التطهير العرقي في الضفة، والتوسع الصهيوني في جنوب سوريا، وبعد عقدين ونصف مما يسمى بالحرب على الإرهاب، وإرهاب أمريكا الذي صنعته وشنت واياه حرباً شاملة على شعوب المنطقة، تُوجه البنادق للداخل مرة ضد العلويين ومرة ضد الشيعة ومرات ضد المسيحيين، وهذه المرة في قرية أردنية وادعة خرّجت مقاومين عنيدين للعدو الصهيوني من أبرزهم المناضلة تيريز الهلسا، فمن الذي يُوجّه تلك البنادق؟

العجيب المبهر في الصهيونية[1] هو كيف حافظت على عداء وحقد يمتد لألفي عام ضد المسيحية وأنستهم إياه في الوقت ذاته؟ الإجابة بطبيعة الحال بحاجة للعودة بالتاريخ إلى الوراء، وبطبيعة الحال أيضاً فإن العودة تكون مع ثورة السيد المسيح.

فمن لا يعرف بأن المسيح جاء لينقض العهد القديم وليثور على الفريسيين واحتكار العلم وعلى الربوية وأنه أول من سماهم بـ”قتلة الأنبياء والرسل”؟ ومن لا يعرف بـالعداء المتأصل من قبل الحاخامات للمسيح وأمه وشناعة الصفات التي ينسبونها إليهما، ومن لا يعرف لماذا يسمون المسيحيين بالأدوميين[2] وعلاقة ذلك بقصة عيسو ويعقوب بنسختها التوراتية – أي أنهم يعتبرون المسيحيين أعدائهم وأعداء “ربهم” قبل ولادة المسيح بقرون- من لا يعرف كل هذا فهو جاهل بالديانتين. العداء إذاً، ولد مع دعوة السيد المسيح للمحبة والسلام والمساواة، وقبل أن يكون هناك اضطهاد مسيحي لليهود كان هناك اضطهاد يهودي للمسيحيين، فمثلاً لدينا تحالف الإمبراطور يوليان المرتد الذي لم يكن فقط مرتداً للوثنية بل كتب طرحاً كاملاً بعنوان “ضد الجليليين” وقام بالقرن الرابع الميلادي بالتحالف مع اليهود الذين عادوا لبناء الهيكل الثالث في المقدس وارتكبوا المجازر والفظائع ضد المسيحيين، فإذ بزلزال ونيران تأكل كل ما جمعوه لبناء الهيكل وبدا الأمر كأنه تدخل إلهي حال دون عودتهم الى القدس، وفي ذات الوقت هُزم الإمبراطور يوليان الذي ظن أنه اقترب من القضاء على امبراطورية فارس -على شاكلة ترامب- فإذ به يقتل بسهم في خاصرته اليمنى فيقال أن آخر كلماته كانت “لقد انتصرت أيها الجليلي”!.

قصة يوليان هذه تناقض السرديات الصهيونية الليبرالية القائلة بأن الصهيونية هي مشروع استعماري أوروبي غربي قام للتخلص من مشكلة لفظ أوروبا لليهود وحاجتها في الوقت ذاته لمشروع استعماري استيطاني في المشرق، وهذه نصف حقيقة مضللة تضع قوة “مسيحية” في الواجهة توظف الضحايا اليهود لغاياتها الاستعمارية، فكما يبين لنا التاريخ فإن المشروع الصهيوني كان قائماً بحد ذاته من قبل فئات من اليهود في عصور مختلفة فبعد التحالف مع يوليان المرتد كان احتلال القدس بمساعدة الفرس في القرن السابع الميلادي، وتمرد ديفيد الروحي شمال العراق في القرن العاشر الميلادي، والمستوطنات اليهودية في صفد وطبريا في عهد سليمان القانوني، ومنها مشروع سولومون مولوخ لشن حملة صليبية مسيحية أخيرة مع الإمبراطورية الإسبانية في القرن السادس عشر-والذي رفضه الملك حينها لتناقضه مع الدين المسيحي [3]– ومنها مشروع سباتاي زئيفي مع الإمبراطورية العثمانية في القرن التالي -والذي نتج عنه اعتناق اتباعه شكلياً للإسلام وتشكل طائفة يهود الدونمة الذين تمركزوا في تسالونيكي- ومشروع يسرائيل بن مناسه مع بريطانيا، ومحاولة شراء التجار اليهود في ليفورنو الايطالية للقدس من علي باي الكبير[4][5] في القرن الثامن عشر، وثم لدينا المحاولة مع نابليون بعدها بعقود قليلة حتى وصلنا الى بريطانيا مرة أخرى، وبحسب المؤرخ الصهيوني ناحوم سوكولو[6] [7] فإن الصهيونية البريطانية مشروع ممتد لأربعمئة عام بادر إليه اليهود مع بن مناسه آنف الذكر، وأن الصهيونية المبكرة كانت تسعى منذ قرون لاحتلال سوريا الطبيعية بأكملها وهناك الكثير من الدراسات المبكرة حول الجدوى الاقتصادية للاستيطان الزراعي وصولاً إلى ضفاف الفرات.

المسألة الثانية التي يجب أن نلتفت إليها أن نصف الحقيقة الأولى حول كون الصهيونية مشروع استعماري أوروبي أيضاً لم يأتِ من دون تدخل حاخامي، كيف؟ تعود جذور المسيحية الصهيونية في بريطانيا إلى مسارين من الأحداث:

المسارالأول هو تهويد المسيحية الذي بدأ قبل حركة مارتن لوثر الاحتجاجية على فساد الكنيسة الكاثوليكية، فالسياق التاريخي الذي سبقه كان فتنة كبرى بين رجال الدين المسيحيين المتأثرين باليهودية[8] ضد الفاتيكان، وكان هؤلاء لاحقاً أنصار لوثر ضد الفاتيكان مجدداً. وهكذا يبدو مفهوماً أن لوثر كان أول رجل دين مسيحي يقول بأن المسيح كان يهودياً! ولكن لوثر اكتشف متأخراً خطأه فكتب كتاباً يعد من أكثر النصوص معاداةً للسامية “عن اليهود وأكاذيبهم”، وبالرغم من انقلابه هو استمرت البروتستانتية وتفرعاتها بالعموم بالتهود، بتحليل الربا، وتهميش السيدة مريم، وإعادة الاعتبار للعهد القديم كمرجع أخلاقي ديني وغيرها من تحولات خطيرة يصعب ويطول شرحها هنا.

المسار الثاني هو تهويد الثقافة والاقتصاد والدولة البريطانية، فما قام به بن مناسه لم يكن مشروعاً صهيونياً آنياً بل صفقة أدخل اليهود فيها لبريطانيا بعد نفي استمر لثلاثة قرون، مقابل تمويل ثورة ضد الملك الكاثوليكي انتهت بقتله وإنشاء جمهورية دينية – لا تختلف إلا بالاسم عن الوهابية – متطرفة إلى حد عجزت فيه أن تصمد لأكثر من عام، ولكن ما صمد هو سرقة البريطانيين لأسرار الاستعمار الأسباني للأمريكيين باستخدام أصدقاء بن مناسه السفادريين. وهكذا أصبح لديهم دولة أصبحت لاحقاً امبراطورية عظمى – يتحكمون بمصرفها المركزي والعملة وتجارة الذهب والفضة – إلى اليوم- بعد أن موّلوا احتلال أمير أورانج البروتساتني الهولندي لبريطانيا في جولة ثالثة وأخيرة من الصراع الكاثوليكي البروتستانتي في البلاد، وأصبحت هذه الدولة تستبطن المشروع الصهيوني وتعده مشروعها الذاتي وأصبح لديهم مسيحيون جدد يعادون المسيحيين الأصليين وسيقاتلونهم بالنيابة عنهم، وإذا ما نظرنا للمشاريع الصهيونية المختلفة أعلاه سنجد أنها كانت دائماً تستعين بـإمبراطورية عظمى لتحقيق مآربها، وحتى طرقها في هذه الاستعانة كانت “ابداعية” منذ الأزل فلا تختلف قصة استر كثيراً عن أساليب جيفري ابستين.

ولكن لماذا الحديث عن نسيان المسيحيين للعداء الصهيوني والبريطاني عقب هجوم إرهابي نفذه “متطرفون إسلاميون”؟ الجواب الذي يفترض أنه بديهي اليوم هو علاقة التنظيمات الإرهابية التكفيرية بالعدو الصهيوني منذ بداية الحرب العالمية ضد سوريا منذ 15 عاماً، والمستمر مع التوغل الصهيوني في جنوب سوريا بمباركة مُحرَجة من حكومة أحمد الشرع، إلا أنها قمة رأس الجليد الذي يجمع المشروعين الذي ولد أحدهما على يد الآخر قبل أكثر من قرنين من الزمن.

مقدسات البطريرك صفرونيوس

حافظ المسيحيون المشرقيون على رفضهم لاعادة بناء الهيكل الثالث لليهود في القدس حتى بعد مجيء الإسلام، ففي العهدة العمرية لم يمانع البطرك العربي صفرونيوس خروج الحكم البيزنطي واستبداله بالاسلامي، ولكنه اشترط وشدد على منع اليهود من دخول القدس. بالمقابل، المسلمون، وفي عهود تاريخية مختلفة من صلاح الدين ثم الى السلاطين العثمانيين هم من تسامحوا وفي أحيان شجعوا اليهود على الاستيطان في فلسطين، وهنا أقول الاستيطان وليس الهجرة، فمثلاً لدينا السلطان سليمان القانوني هو من سمح لليهود بإقامة أول مستعمرات يهودية في طبريا وصفد[9] في القرن الخامس عشر، وعلاوة على التأكيد على نقائها اليهودي فإن التراث الحاخامي كان يتنبأ بأن سيطرتهم على فلسطين -ومن ثم المنطقة وبعدها العالم- سيبدأ من طبريا وصفد.

استمر هذا الرفض المسيحي بشكل واضح حتى بداية المستوطنات الصهيونية في القرن التاسع عشر، في ذلك الوقت، اعتبر القناصل الأروبيون أن مسيحيي المشرق هم أكبر تهديد للمشروع الصهيوني[10] وأدرك الصهاينة أنفسهم هذا التهديد[11]، فأول حملات إعلامية معادية تحرّض ضد هذا المشروع برز فيها كل من نجيب نصار وجريدة “الكرمل”، وزوجته ساذج التي اعتقلت لتأمينها السلاح للمقاومين ونجيب العازوري والأهم ظهور أول محاولات مقاومة مسلحة تضم خمس بلدات جليلية مسيحية ومسلمة ومختلطة إلا أن الريادة فيها كانت للمسيحيين[12]، حتى أن أول الشهداء ضد وعد بلفور في حيفا هما رجل مسلم وطفل مسيحي[13]. وهذا تعداد واختزال للمرحلة عشية الانتداب البريطاني وفي بدايته، فالصراع المحتدم الحقيقي كان بين القرنين الثامن والتاسع عشر، وفهم هذا الصراع يتطلب الإضاءة بسرعة على أربعة مسارات للأحداث قد تبدو منفصلة إلا أنها خيوط في نسيج واحد.

الخيط الأول: قمة العالم

إن عقل الاستعمار الامريكي الصهيوني يبدأ من حيث انتهت بريطانيا دائماَ، وللأسف عندما نتحدث عن سياسات بريطانيا لا يمكن للمرء أن يكمل قصة واحدة دون أن يجوب نصف الكوكب على أقل تقدير، وكي نبدأ القصة بشكل سليم علينا البدء كما هو متوقع من الهند التي بعدما أصبحت الثقل الأساسي للامبراطورية البريطانية خصوصاً بعد خسارتها للمستعمرات الأمريكية غرب الأطلسي، حينها كانت روسيا تتوسع شرقاً وجنوباً ولأن روسيا قوة قارّية فإن تهديدها للمصالح البعيدة للامبراطورية البريطانية البحرية لا يحتمل، خصوصاً أن روسيا تبنت خطاباً موجهاً للشعوب المحيطة سمته بالسلافية الجامعة (Pan Slavism) لاحتواء الشعوب المتاخمة لها في إطار حضاري موحد، لهذا السبب سمي الصراع على ايران وافغانستان ومنها على وسط آسيا بـ”اللعبة الكبرى” (the great game) بين القوتين العظميين ونظراً لموقع الهضبة الايرانية وتضاريسها التي تؤمن السيطرة على عمق آسيا -وبالتالي العالم- سميت بقمة العالم، هذه هي نظرية بريجينسكي في كتابه الشهير رقعة الشطرنج الكبرى والتي نسخها كما هي من الأدب الاستراتيجي البريطاني لتلك الحقبة.

لهذه الأسباب أصبح البحث عن خطابات جامعة مضادة لروسيا مسألة حياة أو موت في هذه “اللعبة الكبرى”، وهنا تدخل أول الشخصيات المحورية في القصة: أرمينيوس فامبري “درويش قصر ويندسور” وهو متصوف ورحالة ولغوي ومستشرق ومستشار للسلطان عبد الحميد ومستشار لثيودور هرتزل[14] والأهم من كل هذا وذاك أنه جاسوس رئيس الوزراء البريطاني بنجامين دزرائيلي -وهو الشخصية الثانية سنعود إليها لاحقاً- ليطرح مشروعين جامعين مضادين للتمدد الروسي، الأول كان الطورانية الجامعة وهي نظرية -فارغة علمياً ولكنها ملغومة سياسياً- تقول بأن الشعوب الممتدة من منغوليا -وفي أقوال أخرى اليابان- حتى هنغاريا هي من عرق فرسان مقاتلين شجعان هم الأتراك وأن عليهم التوحد ومجابهة التمدد السلافي. المشروع الثاني، بالمقابل، هو الاسلامية الجامعة ولكن هذه الأخيرة كانت خطرة، إذ كان المسؤولون البريطانيون يدرسونها ويهندسونها لضمان أن توجه الشعوب المسلمة في وسط آسيا لشن حروب استنزاف ضد روسيا القيصرية حصراً[15]، مع مراعاة الحذر من خطر استخدام الخطاب الجهادي ضد “الكفار” بشكل يحرض المسلمين الخاضعين تحت نير الاستعمار البريطاني ضد البريطانيين أنفسهم كما حصل في الهند عام 1857 والسودان 1885-1899.

الخيط الثاني: قلب العالم

قبل ذلك بعقود قليلة (1830-1840)، كانت بريطانيا قد بدأت بالعمل الممنهج للمشروع الصهيوني الذي استعجل نابليون[16] في تنفيذه لقطع طريق الهند على بريطانيا وفشله في محاولة إقناع اليهود لأنه لم يخاطبهم بالأحلام الدينية بقدر ما خاطب أحلامهم الاقتصادية، مذكراً إياهم بأن فلسطين هي أهم عقدة لخطوط التجارة في العالم[17]، وكان الكونت دي مونتفيوري[18][19] قد زار بلادنا المقدسة عدة مرات حاول في إحداها إقناع محمد علي باشا في مصر بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين واغراءه بعائدات المستوطنة ذات الاقتصاد الزراعي والصناعي والمصرفي الحديث، ولا يوجد هناك أي دليل بأن محمد علي وافق على هذا المشروع، ولكن حادثة باب توما علم 1840 بتوقيتها السياسي وتوزيع الأدوار بين القناصل الأوروبيين فيها لا يمكن تفسيره إلا على فرضية أنه رفض المشروع؛ هذه الحادثة كانت المبرر الشكلي للتحالف الذي جند حوله بالمرستون الأعداء الأوروبيين لمواجهة مشروع محمد علي “الشرير” بنظر بالمرستون، ولعل خطيئة محمد علي[20] تمثلت في توحيد مصر والشام[21] الى جانب بناء اقتصاد صناعي وزراعي حديث أعاد توزيع الأراضي على الفلاحين وحارب الطائفية، وهنا لا بد من الإشارةإلى أن محاربة الطائفية لم تقتصر على إعطاء المزيد من الحقوق لغير المسلمين، بل عملت على الحد من الهيمنة اليهودية على الاقتصاد، الأمر الذي اعتبره اليهود وخصوصاً يهود الشام تحركاً عدائياً خطيراً -كان الأوروبيون يلقبون حاييم فارحي بملك الشام في عهد أحمد باشا الجزار- وقد اعتبرت النخبة المالية اليهودية أن المسيحيين (وبالذات عائلة البحري) هم المسؤولون عن تحجيم هيمنتهم الاقتصادية[22]، ولهذا عندما اشتعلت مجازر العام 1860 في الشام اتهم المؤرخون المسيحيون المعاصرون اليهود وعائلة فارحي بتمويل الأغوات الأكراد[23] لارتكاب هذه المجازر وفي بعض الشهادات المشاركة فيها[24]، بل أكثر من ذلك فقد استخدمت بريطانيا بطاقة التحريض الطائفي ضد المسيحيين في حربها ضد محمد علي[25] كما سبق وحدث لضرب التحالف الثلاثي بين علي باي الكبير في مصر وظاهر العمر الزيداني في الجليل وناصيف نصار في جبل عامل[26] [27]، والشيء نفسه قامت به بريطانيا بالتعاون مع بعض العائلات اليهودية في العراق وعلى رأسها عائلة ساسون ضد محاولات داود باشا التحديثية التي حاكت مشروع محمد علي.

هنا يجب التوقف عند فلسطين، طالما أنها كانت هي المستهدفة بالنهاية ولأجلها تم ذبح وتهجير المسيحيين في الشام فلماذا لم تحصل مجازر مماثلة في فلسطين؟

بحسب المؤرخ الكسندر شولش[28] فإن القناصل والمبشرين الأوروبيين حاولوا بالفعل استفزاز الفلسطينيين لارتكاب مجازر مماثلة حيث وصل بهم الأمر بأن يقتل مبشر بروتستانتي متسولاً في نابلس ورفضه دفع ديّته والأسوأ تحريض القنصل البريطاني للمسؤولين العثمانيين الاقتصاص وطلب التعويض من كل المحتجين على مقتل الرجل، ومع ذلك لم يتم استهداف المسيحيين في البلاد لخيبة أمل الأوروبيين الذين اقتصوا الامتيازات من السلطنة في بلادنا تحت ادعاء “حماية المسيحيين والأقليات”، هذا مع العلم أن المبشرين الأوروبيين والقناصل كان قد سبق لهم أن لاحظوا أن الفلسطينيين وبخاصة في الجليل يقدسون الأولياء والقديسين المسيحيين والمسلمين على حد سواء، ويتبرك الفلاحون خصوصا من الديانتين بالرموز الدينية لكلتا الديانتين الأمر الذي دفع هؤلاء الأوروبيين إلى تكفيرهم واعتبارهم زنادقة!

التكفير لم يكن الصفة المتطرفة الوحيدة لهؤلاء المبشرين فلدينا مثلاً خطة التبشير الخاصة بالـ(CMS: church mission society) -وهي أم منظمات الصهيونية المسيحية- في جولفا وهي بلدة أرمنية قرب أصفهان؛ هذه المرة، كانت خطة الجمعية في البداية التبشير غير المباشر، أي تبشير الأرمن -بحسب المنظور البروتستانتي التكفيري لهؤلاء فإن مسيحيي المشرق ليسوا مسيحيين- لكي لا يتلقى المبشرون البريطانيين “رد الفعل العنيف والمتطرف للمسلمين”! ولكن هل كان يبحث المبشرون عن سبيل سلمي للدعوة يتجنب سفك الدماء؟ سنجد الجواب في المرحلة الثانية التي دعيت بالتبشير المباشر، فبعد عقدين من المحاولات ولحسن حظ الأرمن لم يكن هناك من تجاوب يذكر مع الجمعية، تحول جهدها لفتح عيادات طبية تسمح لهم بتبشير المسلمين بشكل مباشر، وتفترض أن إنقاذ المرضى هو الغاية الأولى ولكن يصعب تصديق ذلك عندما تعلم أن أهم طبيبات الجمعية لم تدرس الطب في حياتها، ولكن الكارثة ليست هنا؛ الكارثة أنهم بمشروعهم الطبي هذا كانوا يبحثون عن مسيحيين جدد ليتركوهم في محيطهم “المتطرف” ليقتلوهم حتى يصبح لديهم “شهداء مسيحيين جدداً”، أي أنهم ينقذونهم ويدفوعونهم مع سبق الإصرار والترصد لكي يقتلوا على أيدي أهاليهم، فيبنون عليهم الدعاية باستجداء العطف على موتهم المؤسف[29].

وقبل أن نُغادر قلب العالم لا بد من ملاحظة، كما سبق وقلت فإن فلسطين لم تكن الهدف النهائي فقد كانت سوريا الكبرى هي الهدف الصغير للصهيونية منذ مئات السنين، وفي قلب سوريا بطبيعة الحال هناك الأردن، وللمفارقة فإن أول مشروع استيطاني بريطاني كان في محافظة البلقاء تحت مسمى جلعاد، وصاحب المشروع هو لورنس أوليفانت البروتستانتي الاسكتلندي، الذي تحاور مع أصدقائه الصهاينة حول كيفية الاستيطان في ظل وجود سكان عرب في المنطقة، فكان الجواب البديهي لشخص مثله أن هؤلاء “الهمج” أمام خيارين: إما الهجرة للمناطق الصحراوية البعيدة -البلقاء من أهم المناطق الزراعية في المنطقة- أو لمن لا يريد فعليه أن يقبل بأن يكون خادماً للمستوطنين الأوروبيين[30]، وهذا الحلم لم يفارق الصهاينة للحظة، فعصابات الشتيرن وبيتار -المتفرعة من مشروع جابوتنسكي- وغيرها التي جاء حزب الليكود كتطور طبيعي لها ترفع خريطة الأردن وفلسطين كأرض “إسرائيل”، ومع الأسف فإن المسيحية الصهيونية تقيم مخيم صيفياً سنوياً في المحافظة لليافعين باسم جلعاد وبنفس الطريقة التي تغسل بها أدمغة المتجددين في أمريكا بتقديس العهد القديم “العبراني” فتسعى إلى تطبيع الفكر الصهيوني في عقل الناشئة.

إضافة إلى المخيم فقد كانت هناك محاولات لتزوير كتابات عبرية على بعض اللقى الأثرية في ذات المنطقة – هذا وقد فضحت القضية في الأوساط الأكاديمية[31]– وسهلت ذات الكنائس منذ التسعينيات تهجير مسيحيي العراق[32]، وكان من المتداول أيضاً محاولتهم اقناع المهاجرين التوقيع على أوراق تنازل عن كل أملاكهم في العراق وأنهم لن يطالبوا بها في المستقبل. إذاً عليك أن تُقلّبها في رأسك كيفما شئت لكن لا يمكن تصديق انسانية النوايا، كما أن هذه العملية مستمرة بنفس الطريقة مع الآشوريين الهاربين من الإرهاب الكردي المنظم -والمدعوم من الموساد- في شمال العراق.

تاريخياً، تضاعفت أهمية العراق بالنسبة لبريطانيا مع اكتشاف النفط، إلا أن الأطماع والوجود البريطاني في البلاد يعود للقرن الثامن عشر نظراً لموقعه التجاري المرتبط بتجارة الخليج من جهتيه العربية والفارسية والأهم تجارة كليهما مع الهند ومن بعدها الصين، فقد عملت بريطانيا بالتعاون مع بعض المصرفيين اليهود النافذين من أجل الحصول على احتكار الملاحة النهرية في البلاد، لذلك عندما دخلت ألمانيا على الخط لبناء خط برلين – بغداد استنفرت سيدة البحار لأن قوة قارية أخرى -وهذه المرة صناعية- تحاول التمدد عبر العراق للوصول الى درة التاج البريطاني ومنافستها على البحار وليست أية بحار. بالمقابل، لم يفوّت اليهود الفرصة وحاولوا التفاوض مع ألمانيا لربط سكك الحديد بسلسلة مستوطنات يهودية تهيمن على العراق، إلا أن أهمية وأولوية فلسطين فرضت نفسها بعد تهديد محمد علي، كما أن بريطانيا كانت قد قضت على مشروع سكة الحديد الألمانية مع الحرب العالمية الأولى.

استعمل البريطانيون نخبة اليهود في الشرق كمفاتيح ووسطاء محليين ذوي خبرة ودراية بشعوبنا وثرواتنا وبسبب شبكاتهم التجارية التي اخترقت المجتمعات التي كانت ترفض التعامل مع الاستعمار البريطاني. بالمقابل، تمتعت هذه الطبقة من اليهود بحماية خاصة من بريطانيا إلى جانب امتيازات اقتصادية كبرى أدت بالنهاية إلى سيطرتهم شبه المطلقة على اقتصاد العراق وماليته عشية “استقلاله”[33]، وكان حسقيل ساسون أول وزير مالية عراقي هو الذي اختار فيصلاً ملكاً على العراق في مؤتمر القاهرة إلى جانب غيرترود بيل، ومن المعلوم أن الصهيونية في عهد فيصل كانت علنية وأن حسقيل كان الآمر الناهي في البلاد وفي عهده ارتكبت المجازر مجدداً ضد الآشوريين. ربما كانت نخبة يهود العراق الأكثر تمايزاً في تحالفها مع بريطانيا في المنطقة إلا أنهم كانوا جزءاً من شبكة يهودية تبدأ من سواحل تركيا إلى مصر فعدن وإلى الخليج – بضفتيه- ثم إلى عمق العراق وفارس[34]، ثم إلى الهند وجنوب آسيا ثم إلى أقصى شرقها. كان عماد هذه التجارة هو الأفيون الذي احتكر اليهود 70% من سوقه[35]، وكان لهؤلاء حظوة اقتصادية وحماية ضد قوانين البلاد في ظل تحالفهم مع القنصليات البريطانية[36] ولم يتوانَ هؤلاء عن استغلال هذا الوضع لبناء لبنات استيطانية في فلسطين، فقد استطاعوا نقل جزء من يهود اليمن في بلدة سلوان قرب القدس في القرن التاسع عشر[37] كما تمكنوا من بناء كنس يهودية عدة داخل أسوار القدس القديمة.

الخيط الثالث: مصرف العالم

قلنا إن أرمينوس فامبري كان مستشاراً لبنجامين دزرائيلي، وهذا الأخير ابن مصرفي بريطاني سفاردي عمد أبناءه للمسيحية، لأنه بحسب الرواية الرسمية اعترض على الضرائب التي طولب بها من قبل حاخامات طائفته، وبحسب المعاصرين فإن ابنه هذا بالرغم من اعتناقه المسيحية إلا أنه كان فخوراً بتفوقه العرقي النقي لكونه يهودياً[38]، وبحسب المعاصرين أيضاً فالرجل كان مبذراً ومفلساً وزير نساء وتزوج امرأة ثرية تكبره بالعمر للهرب من الديون، أما منقذه الحقيقي من الديون فكان اللورد ليونيل روتشيلد الذي رعى كل مسيرته المهنية، التي توّجت أولاً بأن يفتح الباب لليهود لعضوية مجلس الشعب البريطاني ليصبح صديقه ومموله روتشيلد أول برلماني يهودي في بريطانيا، وتوجت مرة أخرى عندما تآمر مع صديقه الثري روتشيلد بتمرير صفقة شراء أسهم خديوي مصر المفلس[39] من قناة السويس في عطلة عيد الميلاد رغماً عن البرلمان، وبحسب المعاصرين أيضاً فإن الرجل لم يكن يهتم بمسائل السياسة الداخلية مهما كانت حرجة لبريطانيا وكان مهملاً حتى في خضم أكبر الأزمات التي كانت تهز البلاد في وقتها؛ وحتى في السياسة الخارجية، كان الرجل انتقائياً جداً، واتهم بعدائه للمسيحيين في الشرق[40]؛ كل هذه المقدمات للتعريف بالشخص الذي قال صراحة بأن اليهود يعملون على استعمار فلسطين وسيحصلون عليها من خلال شرائها مقابل إقراض الإمبراطورية العثمانية الغارقة في الديون، ولكن من الذي أغرق العثمانيين بالديون؟

بالطبع بريطانيا، فيدها مغلولة في كل الجبهات المفتوحة غرباً في البلقان واليونان وشمالاً حتى قبل أن تستدين الامبراطورية العثمانية أي قرش من القوى الأوروبية. وكان آل روتشيلد قد موّلوا حركة الاستقلال اليوناني التي افترض اليونانيون بأنها ستفتح باب الحرية الدينية لهم، ولكن لمفاجأتهم تم قمع المحتفلين بعيد الفصح ومنعوا من تمثيل يهوذا الاسخريوطي حرصاً على مشاعر اللورد روتشيلد الذي يخنق البلاد بديونه، ثم  تصاعد الأمر بعد مهاجمة المحتجين لبيت عميل بريطاني يهودي (كان عميلاً لبريطانيا في البرتغال سابقاً) اسمه دون باسيفيكو والذي قام بتضخيم حجم الخسائر والأضرار بشكل مفرط لزيادة ورطة اليونان المالية، لا بل استخدم بالمرستون دبلوماسية السفن الحربية لإخضاع اليونان لشروط باسيفيكو وروثتشيلد مع علمه بأن الأول مدلّس[41]، ولا تزال اليونان إلى اليوم أمة مخنوقة اقتصادياً من الجهات ذاتها. أما تمويل الأخير للاستقلال اليوناني فكان له هدفين آخرين لا علاقة لهما بـ”تحرير المسيحيين”؛ الأول أن تستمر اليونان بفتح جبهة اشغال تغرق العثمانيين بشكل متكرر بالوحول العسكرية وبالتالي تعجز الدولة عن سداد ديونها لتصل الى مرحلة الخضوع التام فيحصل على غايته النهائية “فلسطين” بوابةَ لاحتلال المشرق بأكمله، أما الهدف الثاني فهو بناء كانتونات أحادية الهويتين القومية والدينية في منطقة تمتاز كلها بالاختلاط الديني والعرقي، وتفجيرها كلها من الداخل، فكانت اليونان نموذجاً اتبع في البلقان ونتج عنه تهجير 500 ألف مسلم استخدموا لاحقاً من قبل “حزب الاتحاد والترقي” التركي لتهجير 400 ألف يوناني بنطي إلى جانب من تبقى من الأرمن والسريان بعد الإبادة.

حتى حرب القرم مع روسيا كان بالمرستون قد اعترف بأنه استدرج الروس لشن الحرب ضد العثمانيين بعد افشاله المتعمد لمؤتمر فيينا عام 1853[42].

المهم في تصريح دزرائيلي[43] أنه سبق أي قرض أجنبي للعثمانيين عام 1854. بدأ هذا الدين بسلسلة تدخلات أجنبية اقتصادية وسيادية منها مثلاً نظام الريجي للتنباك الذي كان أحد الاحتكارات لسد الدين العثماني والذي أصبح يدار من قبل هيئة من الدول والمصارف الاستعمارية[44]، هنا كان ليهود الدونمة والسفارديم دور واضح في إدارة مؤسسة الديون العثمانية إلى جانب إدارة الريجي التابعة لها، ولكي تحصد الشركة أقصى ربح ممكن كانت تفرض احتكاراً لزراعة التنباك وتفرض معه أسعاراً قاتلة على الفلاحين[45] الذين كان الجزء الأكبر منهم من الأرمن، ولحماية هذا الاحتكار، وظّفت الشركة قوات أمن خاصة من الأكراد -قلدتهم الدولة وسمتهم بالفرسان الحميدية- وبدأ الأكراد بالبطش بالفلاحين -على اختلاف دياناتهم- وفرض الخوات الاضافية إلى أن انفجرت الأمور في إحدى القرى الأرمنية التي رفضت الدفع غير القانوني المفروض من قبل الأكراد ليبدأ ما عرف بالمجازر الحميدية (1894-1896) التي راح ضحيتها مئات الآلاف بين قتلى ومهجرين في الأرياف أما في اسطنبول فقد شارك اليهود الأكراد في القتل[46]، لا بل تقول الشهادات إنهم كانوا يدلونهم على أماكن من كان يحاول الاختفاء بل أكثر من ذلك، ثمة روايات عن يهود كانوا يذهبون لمقاهي المسلمين ويحرضونهم بأنه من العار عليهم الجلوس هكذا ببرود دون المشاركة في هذه المجازر.

والجدير بالذكر هنا أن الأرمن وقتها ولمعرفتهم بأن أصل البلاء هو مؤسسة “ادارة الدين العثماني”[47] التي يسيطر عليها المقرضون اليهود الأوروبيون كانوا قد حاولوا الهجوم على البنك. في هذا السياق لا يمكن القول بأن التحريض كان عفوياً، ولا القول بأن المجازر يتحمل مسؤوليتها الأكراد وحدهم، فكبار المجرمين لا يلطخون أيديهم بالدماء ولكن يستأجرون من يقوم بالمهام القذرة بالنيابة عنهم. من الضحايا الأخرى لهذه المجازر كانت الأراضي الزراعية الاستراتيجية التي هُجّرَ أهلها وتم السطو عليها من قبل أعوان البنك وهي القضية التي ستتطور لما سمي بالقضية الزراعية التي لأجلها شارك الأرمن لاحقاً في “حركة تركيا الفتاة” و”الاتحاد والترقي” من بعدها على أمل استعادة أراضيهم وعودة المهجرين، ولكن كل هذا سيكون مقدمة لأول إبادة صهيونية في البلاد ألا وهي : الإبادة الأرمنية[48].

إقرأ على موقع 180  الجيش اللبناني.. علامةُ جمعٍ شرطُها إجماع "الفاعلين"!

وللعلم فقط فإن التحريض ضد الأرمن والمسيحيين عموماً لم يتوقف حتى اليوم، فمثلاً هناك كتاب صهيوني مرجع لباحث صهيوني أمريكي معاصر كبير وهو ستانفورد شو[49] حول تاريخ اليهود في السلطنة العثمانية والجمهورية التركية، يسرد فيه التاريخ المشترك والأخوي بين الأتراك واليهود منذ دخولهم إلى القسطنيطينية – رأس الكنيسة الأورثوذكسية – والذي يؤكد بإيجابية على مشاركة واحتفال اليهود بهذا الانتصار على “مملكة ايدوم الغارقة بالدم والخطيئة”. هذا الكتاب يؤكد ولاء اليهود للأتراك وأن الخونة هم دائماً من العرب والمسيحيين، أي أهل البلاد بطبيعة الحال علماً أن الخيانات التي أطاحت بالسلطنة كما سنرى لاحقاً كانت صهيونية بامتياز. هذا ليس أي كتاب تاريخ عابر بل هو مرجع تشيد به القيادات الصهيونية، وشو ليس باحثاً شاذّاً أو ضالّاً بل هو يسير على خطى كبيرهم برنارد لويس الذي سنصل إليه في النهاية.

الخيط الرابع: جابوتنسكي في اسطنبول

قبيل الحرب العالمية الأولى، كانت السلطنة العثمانية تئن اجتماعياً، سياسياً، اقتصادياً وعسكرياً، وكانت البذور الفكرية التي زرعها أرمينيوس فامبري وديزرايلي قد انبتت عدة انقلابات موجهة بشكل خاص ضد عبد الحميد الثاني، وتبلورت فكرتا فامبري عبر تلاميذه الذين شكلوا ما سمي بـ”تركيا الفتاة”، التي استطاعت جذب بعض غير الأتراك من الأرمن والعرب والروم تحت دعاية العثمانية التي ستساوي بين الجميع بغض النظر عن العرق والدين، بينما تبنت فكراً عرقياً عنصرياً داروينياً “الطورانية الجامعة Pan Turanism [50]” في السر وألصقت به صبغة اسلاموية شعبوية “الإسلام الجامع Pan Islamism”، لكن كيف استطاعت ذلك؟

هذه الأفكار تبلورت من خلال المحافل الماسونية التي سيطر عليها يهود -سفارديون ودونمة في أغلبهم- ومن خلالها استطاعوا إدارة هذه الازدواجية سرّاً إلى أن جاء انقلاب عام 1909 والذي شارك فيه مئات المسلحين اليهود وهذا تفصيل مهم جداً، أولاً لأنه يأتي على نسق سابقة أخرى ذات علاقة، إذ أن المحافل الماسونية هذه هي امتداد للمحافل الأم في إيطاليا التي قادت حركة التوحيد الإيطالي التي أدارتها بريطانيا ضد الولايات البابوية ولولا حاجة بريطانيا لسلطة البابا لتهدئة الأوضاع في إيرلندا فقد كانت الخطة الأصلية تقضي بنفيه إلى مالطا في أحسن الأحوال، وهنا أيضاً وبالتنسيق مع بريطانيا كان الدور المسلح لليهود طاغياً، والأهم أن أول حرب جرّت السلطنة العثمانية إلى وحول الحرب العالمية الأولى قبل أن تبدأ كانت باحتلال ايطاليا لليبيا، وهنا دعا المحفل الماسوني بناي بريث[51] يهود العالم في مساعدة الاحتلال الايطالي في استعمار ليبيا وهكذا سيطر اليهود على الاقتصاد الليبي حتى مجيء معمر القذافي، في ذات الوقت، لعب اليهود في “جمعية الاتحاد والترقي” -تركيا الفتاة سابقاً- دور الوسيط التفاوضي بين تركيا وايطاليا والمصرفيين الإيطاليين اليهود الذي أصبحوا من جملة الدائنين المسيطرين على السلطنة.

والجدير ذكره أن السياسيين اليهود الذين شغلوا مناصب مالية في السلطنة العثمانية تحت حكم الاتحاد والترقي، رأوا في المجتمعات المسيحية خطراً اقتصادياً يهدد الاحتكار الاستعماري على مستويين، المستوى المصرفي والتجاري ومستوى الاحتكار الاستعماري لمناطق زراعية كبيرة وضعت الخطط لإدراجها في احتكارات التبغ، مثل مناطق الآشوريين[52].

ويشير الكاتب التركي أكرم بوغرا أكنجي إلى التنافس بين المصرفيين الأرمن واليهود وإلى أن السلطان عبد الحميد، كجده، كان يفضل التعامل مع المصرفيين الأرمن، وأنه نشأت هناك في السلطنة موجة شعبية من العداء للمصرفيين اليهود، لا علاقة لها باللاسامية، يدفعها استيلاء هؤلاء المصرفيين على أملاك المستدينين حين يتخلفون عن دفع الفوائد.

لاحقاً ومع بدء حروب البلقان وما نتج عنها من مئات آلاف المهجرين المسلمين، قام الاتحاد والترقي بتعمد توطينهم في المناطق ذات الكثافة السكانية الأرمنية والسريانية والرومية وفق نية مبيتة لاستخدام المهجرين للانتقام وتهجير الفئات الأولى وهو ما حصل بالفعل خصوصاً أن الضحايا المهجرين الذين هربوا من أهوال ابادات جماعية في البلقان – أعقبتها سلسلة من الهجرات والأوضاع المعيشية شديدة البؤس والقسوة – تحولوا في جزء منهم إلى عصابات مسلحة عملت مع ما سمي حينها بـ”التشكيلات المخصوصة” وهي أقرب ما تكون لما يعرف اليوم بالـ Paramilitary groups وهذه العصابات بحسب الباحث رايان غينغيراس إلى جانب عصابات أخرى من الشركس والأكراد ومجموعة عرقية تسمى باللاز هي من نفذت المجازر[53].

وهنا أخذ التحريض على المسيحيين طابعاً أوروبياً أبعد من تهمة الخيانة، بمعنى أنه أصبح مؤشراً على الدنوّ والتلوث العرقي الذي هدفت جمعية الاتحاد والترقي على التخلص منه؛ لهذا السبب تم قتل الأرمن الذين أسلموا أيضاً، ولم يكتف الصهاينة هنا بالتحريض إلا أن الأخطر كان الاستثمار بالإبادة، لدينا طبعا على المستوى الفردي حالات كثير ممن اغتنوا من هندسة المجاعات مثل إيمانويل كاراسو[54] – وهو من جند طلعت باشا[55]، الرأس الأكبر في الاتحاد والترقي والمهندس الحقيقي للإبادة – لكن الأخطر على الاطلاق كان الاستثمار السياسي.

بدورها، استثمرت بريطانيا بالتحريض لانفصال العرب عن العثمانيين، أما الصهيونية فكان لها وضع خاص بين أربعة لاعبين: امبراطوريتان وقوتان عظميان، بريطانيا والعثمانيون وأمريكا والألمان، إذ بدأت الحرب العالمية الأولى والاستيطان الصهيوني يعربد في فلسطين بالرغم من جهود السلطان عبد الحميد الحثيثة لوقفه، أما بعد عزله على يد ايمانويل وعصابته قبيل الحرب، فقد بدأت الهجرة اليهودية إلى فلسطين تتسارع وتتفاوض مع الاتحاد والترقي، فالمكون التركي في الحركة لم يمانع استبدال الشعب الفلسطيني بيهودي “أكثر ولاءً” ولكن الخلاف كان على قضية الولاء ذاتها، لأن تياراً من الصهاينة رأى البقاء في حضن العثمانيين حماية جيدة، وكان بن غوريون من هؤلاء، ورأى الجزء الأكبر من الصهاينة مثل فيكتور جاكوبسون و جابوتنسكي[56] -محرر جريدة تركيا الفتاة في ذلك الوقت- بأن لا بديل عن الاستقلال التام حتى لو اضطررنا لمحاربة الاتراك. هنا بدأت اللعبة، إذ أن جاكبسون المسؤول عن الحركة الصهيونية في السلطنة كان يمول مجموعة من الصحف بعدة لغات تركية وفرنسية لادينو -مزيج من العبرية والاسبانية- وعربية روّجت كلها للاتحاد والترقي وسياساتهم وبطبيعة الحال روّجت للصهيونية، ولكن الاهم أنها دافعت عن الإبادة في كل المحافل حتى في الساحات الأوروبية والأمريكية. بالمقابل، كان السفير الأمريكي -اليهودي والمنتمي لمحفل بناي بريث- الصهيوني حتى النخاع- يقود حملة عالمية تدعي التعاطف مع الأرمن، في ذات الوقت، توجهت الحركة الصهيونية للضغط على الحليف الأساسي لتركيا، أي المانيا، للضغط على الأتراك للقبول بالانفصال الصهيوني، وكانت بطاقة الضغط الأساسية هي ابتزاز ألمانيا باستخدام الاعلام الذين أكدوا بأنهم كصهاينة يسيطرون عليه عالميا لتحميل ألمانيا مسؤولية الإبادة الأرمنية في الصحافة ومن ثم تحريض الرأي العام العالمي والأمريكي تحديداً ضد ألمانيا لتدخل أمريكا الحرب ضد ألمانيا، وهو بالفعل ما حصل إذ أن أمريكا دخلت الحرب ضد ألمانيا ولم تدخلها ضد تركيا، أما مبرر دخول أمريكا في الحرب فهو مؤامرة صهيونية يطول شرحها لكن يبقى أن نقول هنا أن ألمانيا أيّدت المشروع الصهيوني لأبعد حد وعارضت الإبادة الأرمنية لأبعد حد ومع ذلك لم يعفها الصهاينة[57].

ولكن ما مصلحة الصهيونية باستعداء الألمان؟

الجواب كان لدى بريطانيا التي كانت قد حاولت مرتين دخول فلسطين من خلال غزة وفشلت، لكن هذه المرة وبعد نقل الفيلق اليهودي الذي أنشأه جابوتنسكي في الجيش البريطاني من غاليبولي إلى مصر، بدأ العمل مجدداً لشن حملة ثالثة على غزة والعامل الحاسم هنا كانت مجموعة نيلي الصهيونية التي استطاعت التقرب من جمال باشا بغطاء مكافحة المجاعة عبر خبراتها الزراعية ومع الوقت استطاعت الاطلاع على كامل الانتشار العسكري التركي وايصاله إلى بريطانيا التي استطاعت بفضل هؤلاء الجواسيس من احتلال كامل فلسطين في وقت قياسي، ولعل المضحك المبكي أن مجموعة نيلي ادعت أن أعمالها الجاسوسية ضد الاتراك جاءت رداً على الابادة الأرمنية! ولا ينتهي الموضوع هنا بل إن وعد بلفور نفسه جاء على خلفية مقايضة قضت بإعطاء بريطانيا للوعد مقابل وعد اليهود بادخال أمريكا في الحرب، أما تخطيط اللورد روتشيلد للحرب العالمية الأولى قبل حدوثها عبر مجموعة ميلنر[58] فهو يطول أيضاً.

إفهم إفهم.. يرحمك الله

إن الخلفية الأيديولوجية للتكفيريين ومزج تطرفهم بمرونة وليونة عجيبة تجاه التحالف مع الغرب والصهيونية من جهة وتكفيرهم وعنصريتهم والغائيتهم لأبناء جلدتهم في الجهة المقابلة ليس اختراعاً داعشياً[59]، وللتأكيد على الصلة الجنينية بين المشروعين هناك مؤرخ ومستشرق صهيوني من الوزن الثقيل: برنارد لويس الرجل الذي لمّع التاريخ التركي ورفض الاعتراف بالابادة الأرمنية -علاوة على الدور الصهيوني فيها- وكان من أكبر دعاة التحالف التركي الصهيوني، وهو ذاته الرجل الذي ذهب إلى أمريكا وعمل على مدى عقود لتصوير المسلمين كتهديد وجودي للغرب والمسيحيين تحديداً، وهذا الرجل هو العراب الأيديولوجي للحرب على الإرهاب التي حرقتنا جميعاً وولدت بيننا حركات تكفيرية ما تزال ترتكب المجازر من دجلة والفرات إلى الساحل السوري والكرك، وهو الذي كرّمه المجرم أرييل شارون على حصته في كل هذه الدماء. فهذا الاسلام التكفيري ليس أقل صهيونية من المسيحية الصهيونية، بل هما ذراعان لمشغّل واحد بقشور طائفية مختلفة.

ختاماً سأعود للخلفية الدينية التي أنشأت هذا الكيان الصهيوني والتي تؤمن بوراثة الذنب وأن المسيحيين يرثون ذنب روما التي ورثت ذنب الأدوميين الذين ورثوا بدورهم ذنب عيسو، وكل ذنبه أنه تنازل عن حقه لأخيه، كما تؤمن بأن المسلمين ورثوا ذنب اسماعيل بأنه البكر من أبناء إبراهيم ولكنه ليس ابن سارة، وهكذا ينظر الفكر الحاخامي لما يربو على 5 مليارات من البشر كمشروع انتقام أزلي، ويمكن للمرء أيضاً البحث عن تصريحاتهم حول ضرورة أن يستعبد أبناء يعقوب أبناء عيسو بالديون، وأن يعملوا على تسليطهم وأبناء اسماعيل لإبادة بعضهم البعض، بل إن فكرتهم عن بداية ألفية السلام عند حكمهم للقدس ستكون عندما يجتمع أبناء هاجر وأبناء عيسو لقتالهم على أبواب القدس ولكن سيبيدون بعضهم البعض بقدرة “رب الجنود”.. قد تبدو هذه أساطير وهلوسات لا تستحق عقل عاقل، ولكن عدداً لا بأس به من حاخامات الصهيونية يؤمن بها ويحرك المشاريع السياسية لتنفيذها، لهذا فمن غير العقلاني أبداً تجاهلها.

لهذا كله فإن كل تطهير ديني أو أثني في منطقتنا هو في صلب المشروع الصهيوني وليس مشابهاً له فقط وسيقودنا في النهاية إلى إبادة بعضنا البعض نيابة عنه.

المصادر والمراجع:

[1] هنا أقول الصهيوني ولا أقول اليهودي لكي استثني اليهود الذين لا يتبنون هذا العداء.

[2] يمكن للقارئ البحث عن كلمات مفتاحية تشمل كلمة حاخام وايدوم أو ايدوميين بالانجليزية وسيجد مواد تحريض ووعيد للقتل وهدم الكنائس والابادة والانتقام بما لا يتصوره عقل.

[3] روج سولومون لهذا المشروع بأنه سينجح حيث فشل الآخرون عن طريق جمع القوة العسكرية الأوروبية لاحتلال البلاد التي يفقدها اليهود، مع القدرة الاستيطانية اليهودية التي فشل بها الأوروبيون مراراً لاختلاف المناخ ولأنهم لا يفهمون العرب والمسلمين.

[4] Ben Halpern, A Note on Ali Bey’s “Jewish State” Project, Jewish Social Studies , Vol. 18 No. 4 (Oct., 1956)

[5] بحسب جون ليفينغستون عداء علي باي الكبير لليهود، وهو على وجه أدق-ومن ذات نصوصهم- ترجم تحالفه مع الجالية السورية -المسيحية- في مصر على أنه عداء لليهود، خصوصاً أن حاول محاسبة بعض المختلسين اليهود، حيث كانوا يحتكرون الهيمنة على المناصب الاقتصادية في مصر.

John W. Livingston, Ali Bey Al-Kabir and the Jews, Middle Eastern Studies, Vol. 7, No. 2 (May, 1971)

[6] الذي كان من زمرة المتآمرين المركزية التي أنتجت وعد بلفور الى جانب اللورد روتشيلد وحاييم وايزمن.

[7] Nahum Sokolow و History of Zionism 1600-1918, 1919.

[8] بدأ مع ثورة الطباعة في ألمانيا وعمل حاخامات لنشر الفكر القبالي في أوروبا وإقناع رجال الدين المسيحيين باستبدال العهد القديم السبعيني – الأقدم عمراً- بالعهد القديم العبراني والأزمة الكبرى التي اندلعت مع الفاتيكان في هذا الشأن والتي شكلت النواة الاجتماعية واللاهوتية التي احتضنت مارتن لوثر والبروتستانتية، ومبحث المجالات التي هوّدت في البروتستانتية الدين المسيحي مبحث طويل جداً، ولكن يهمنا هنا أن المشروع الصهيوني الذي خرج من بريطانيا خرج من البروتستانتية المتهودة التي تكن العداء لمسيحيي الشرق وتكفرهم.

[9] في هذه الفترة تحولت صفد الى مركز عالمي للفكر القبالي الذي انتشر لاحقا في شرق أوروبا وشمالها.

[10] TURKS, ARABS AND JEWISH IMMIGRATION INTO PALESTINE: 1882-1914, N.J. Mandel, 1951, St. Antony’s College, Oxford

[11] عبد الوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث 1970 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.

[12] TURKS, ARABS AND JEWISH IMMIGRATION INTO PALESTINE: 1882-1914, N.J. Mandel, 1951, St. Antony’s College, Oxford

[13] عبد الوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث 1970 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.

[14] كان فامبري واسطة “الخير” في تدبير اللقاء بين السلطان وهرتزل.

[15] هذا نفس السياق التاريخي الذي يتم فيه تهجير الشيشان والشركس من القوقاز، الأمر الذي تم توظيفه لاحقاً في الابادة الأرمنية.

[16] وجه دعوته ليهود “آسيا وأفريقيا” لاستيطان بلادنا لتأمين مستوطنة تابعة للفرنسيين تقطع طريق الهند على البريطانيين، ونابليون نفسه كان ممولا في حملاته على الشرق من ثلاث عائلات مالية يهودية كبرى أهمها روتشيلد-فرنسا والبكري-الجزائر، إلا أن حملته فشلت في استقطاب اليهود لأسباب عديدة، أهمها رهانهم على العثمانيين وبريطانيا، ولهذا أنشأ الماسوني الصهيوني والسياسي الفرنسي كريميو مدارس الأليانس الإسرائيلي عام 1860، والتي استهدفت يهود آسيا وأفريقيا حصراً، ويؤكد مؤرخون مثل بول دومونت أن هذه المدارس ونظامها التعليمي كانت عاملا حاسماً في تقبل اليهود الشرقيين لاحقاً للمشروع الصهيوني.

هنا سيبدو تناقض صارخ، كيف ساهم الاستعمار في تقبل اليهود للصهيونية، بينما كانت الصهيونية مشروعا يهودياً قائماً بحد ذاته على مر العصور، الجواب هو أنه كان مشروعاً لفئات من اليهود على مر العصور ولم يحظ بإجماع يهودي حتى اليوم.

هناك تناقض آخر يبحثه المؤرخ الفرنسي هنري لورن في مقال الدولة اليهودية المنسوبة لبونابرت في الدراسات الفلسطينية 1989، بأن بونابارت لم يحاول تنفيذ هذا المشروع بالرغم من التمويل اليهودي لاحتلاله لمصر، ولا لرسالة توماس كروبيت البروتستانتي الشهيرة لمساعده والتي يؤكد له فيها أن اليهود سيكونون الأكثر كفاءة في الاستيطان الذي هو الضمانة الحقيقة للاستعمار، وأنهم بذلك سيعفون فرنسا من افراغ البلاد من الفرنسيين لمشروع مكلف بشرياً، وأن مشروع كهذا سيمول من أثرياء اليهود ويساعد فرنسا مالياً بالقضاء على بريطانيا: “يجب إعادة تأسيس اليهود كأمة في فلسطين؛ وفي المقابل، سوف يضمنون لفرنسا العملة الصعبة الأساسية للحرب ضد إنجلترا وسيدمّرون ائتمان هذه الدولة” و “أنتم لا تريدون إخلاء فرنسا من السكان عبر إرسال مستعمرات من العائلات، والتي بدونها — واستشهد بكل التاريخ — لا يكون للمستعمرة أساس ولا استقرار. فاليهود إذن هم من يقدمون لكم هذا الأساس، وحاجزًا ضد العرب وغيرهم من البرابرة. وبما أنهم شعب أبيّ ومتكبر، فسيصبحون قريبًا، بتوجيهكم، ميالين للحرب وجنودًا صالحين، حين يكفّون عن التسلّي [أي البقاء مقهورين] تحت نير الأمراء. وأخيرًا، إذ لهم مصلحة مشتركة، فسيصنعون قضية مشتركة مع الفرنسيين؛ وبما أنهم ينظرون إلى مصر بالنظرة نفسها التي تعرضها النبوءات، أي كدرجة، وخطوة، نحو فلسطين فقط، فإنهم سيتقدمون إلى الأمام، تاركين مصر لنفوذ فرنسا. وهكذا، وهم يدخلون قلب آسيا، سيحملون معهم الصناعة والفنون وأنوار الأوروبيين، قادّمين لكم آلة قوية لنهضة الآسيويين. وهو [المشروع] يقدم لكم أيضًا مستعمرة صلبة، وربما ضرورية قريبًا لتحل في آسيا محل الإمبراطورية العثمانية الهرمة الساقطة؛ وسيعطون دفعًا قويًا للهزّات والأزمات التي ستتبع الحدث القادم، أي انحطاط الأتراك. وربما أيضًا يتحسّن تعصّبهم عبر تصادم الآراء، وآراء رجال قادمين من بلدان مختلفة، لهم أخلاق مختلفة وأنوار مختلفة. والمؤكد أن الصين نفسها ستشعر بأثر عودتهم”.

حول التعاون بين البكري في الجزائر ونابليون :

The Kings of Algiers how two jewish families shaped the mediterranean world during the napoleonic wars and beyond, Julie Kalman, Princeton university press princeton & oxford, 2023

[17] R.T. Naylor, Patriots and Profiteers, 2008, pp 93

[18] أحد أعمدة المشروع الصهيوني الى جانب عائلة روتشيلد، وهو مصرفي بريطاني سفاردي من أصول مغربية.

[19] يقود حفيده اليوم حملة بروباغندا جديدة لتشويه تاريخ المنطقة في كتابه الذي يبشرنا فيه بديمومة الحروب في منطقتنا.

[20] الذي استطاع ابنه الأول القضاء على الدولة الوهابية الأولى والثاني انتزع بلاد الشام التي وعد العثمانيون أن يحكمها مقابل مساعدته لهم في الحرب على اليونان، وكان ابنه إبراهيم باشا قد حقق انتصارات وصلت الى الأناضول.

[21] تعد منطقة الشام على مدى التاريخ محط صراع بين كبرى الإمبراطوريات بين الشرق والغرب، ولم يكن محمد علي أول من فكر في توحيدها مع مصر، إذ أن علي بك الكبير حاول قبله بالتحالف مع ظاهر العمر شيخ الجليل وناصيف نصار من مشايخ  جبل عامل، وقبلهما حكم المماليك مصر والشام وحتى في العصور القديمة فإن مصر حكمت فلسطين بشكل مباشر وغير مباشر.

[22] هناك أحداث دامية ومؤامرات كثيرة في الصراع الاقتصادي بين المسيحيين واليهود في تلك الفترة منها الصراع ضد عائلة ساسون في حلب، أو الصراع ضد الأرمن في بغداد.

[23] Anaïs Massot, Blood libels, Elite Competition and Inter-Confessional Violence: Jewish-Christian Relations in Ottoman Damascus in the first part of the 19th century, Cahiers de la Méditerranée, Centre de la Méditerranée moderne et contemporaine, 2022.

[24] بالرغم من غياب شهادات مماثلة في جبل لبنان إلا أنه من الثابت تاريخيا أن اليهود تمركزوا في الجبل في تلك الفترة وقد يكون من المجدي البحث عن دور مماثل لهم في الجبل.

[25] حروب ابراهيم باشا المصرى فى سوريا والاناضول / علق حواشيها ووضع فهارسها… أسد رستم ، قرألي بولس، مصر الجديدة المطبعة الوسرية، 1928

[26] سورية وفلسطين تحت الحكم العثماني ، قسطنطين بازيلي، دار التقدم، 1989.

[27] Ali Bey Al-Kabir and the Jews,John W. Livingston, Middle Eastern Studies, Vol. 7, No. 2 (May, 1971), pp. 221-228

[28] الكسندر شولش، 1993، تحولات جذرية في فلسطين 1856-1882: دراسات حول التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، عمادة البحث العلمي في الجامعة الأردنية.

[29] Heidi A. Walcher, In the Shadow of the King: Zill al-Sultan and Isfahan under the Qajars, I.B. Tauris, 2008.

[30]Eugene L. Rogan, Frontiers of the State in the Late Ottoman Empire: Transjordan, 1850–1921 (Cambridge: Cambridge University Press, 1999), Chapter 3: “Settlement: colonization, the application of the 1858 Land Law, and their fiscal consequences,”

[31] https://jordantimes.com/news/local/jordan-codices%E2%80%99-proven-fake-%E2%80%94-doa

https://www.almayadeen.net/articles/opinion/1330810/%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B2%D8%A7%D8%B9%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9

[32] https://www.alwatan.com.sa/article/2009759%81_%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D9%87%D8%9F

[33] د. صباح عبد الرحمن، النشاط الاقتصادي ليهود العراق 1917-1953، بيت الحكمة 2002.

غادة حمدي عبدالسلام، اليهود في العراق 1856-1920، مكتبة مدبولي 2008.

خيرية قاسمية، يهود البلاد العربية، مركز دراسات الوحدة العربية ، 2015.

[34] Kvindesland, E. Jewish networks between the Persian Gulf and Palestine, 1820-1914. Past & Present, (2025, May).

[35] Hagar, G. . ASWIM IN A SEA OF POPPIES: OPIUM CHALLENGES THE ENGLISH EMPIRE, 1827-1910. Stanford Digital Repository. (2022, September 1)

Ivry, B. When Jews were kings (and opium lords) in Shanghai. The Forward. (2020, June 2)

Kaufman, J.. The Last Kings of Shanghai: The Rival Jewish Dynasties that Helped Create Modern China. Penguin Random House LLC. (2020)

[36] Stein, S. A. Protected Persons? The Baghdadi Jewish Diaspora,British State, and the Persistence of Empire. The American Historical Review, 116(1), (2011, February 1).

[37] https://emekshaveh.org/en/yemenites/

[38] من يقرأ أعمال دزرائيلي الأدبية سيجد أن بروتوكولات حكماء صهيون نصوص برئية.

[39] طبعا افلاس مصر والخديوي لم يخدث دون مؤامرة بريطانية.

[40] Harvey Sicherman, Disraeli’s Secret,The National Interest, March 1, 2002.

https://nationalinterest.org/legacy/disraelis-secret-324#:~:text=The%20Eastern%20Question%20and%20%E2%80%9CHumanitarian,people%2C%20a%20quarter%20of%20whom

[41] M.E. Chamberlain, British Foreign Policy in the Age of Palmerston, SEMINAR STUDIES IN HISTORY LONGMAN GROUP LIMITED London, 1980.

[42] “Stratford Canning.” Dictionary of National Biography. Vol. 8. London: Smith, Elder & Co., 1885–1900. 447. Print.

[43] The Jewish Discovery of Islam, Studies in Honor of Bernard Lewis- edited by Martin Kramer, The Moshe Dayan Center, for Middle Eastern and African Studies Tel Aviv University, 1999.

[44] Murat Birdal , The Political Economy of Ottoman Public Debt: Insolvency and European Financial Control in the Late Nineteenth Century, I.B. Tauris, 2010.

[45] BURAK ALTUNSOY, OSMANLI DEVLETĠ’NDE TÜTÜN KAÇAKÇILIĞINA KARġI BĠR ÖRGÜTLENME: REJĠ KOLCULARI VE UYGULAMALARI, BURSA Uludag Universetesi – 2021

[46] Sinan Dinçer, The Armenian massacre in Istanbul, (1896) tijdschrift voor sociale en economische geschiedenis 10 [2013]

[47] لم تكن المجازر الحميدية التي ارتكبت ضد الآشوريين في مناطق طوروس إلا نتيجة لتحكم إدارة الدين العام العثمانية بالسلطنة.

[48] ارتكب الصهاينة ابادة ثالثة مجهولة أيضا هي ابادة شعب المايا في غواتيمالا https://www.youtube.com/watch?v=QGSevI081yw

[49] STANFORD J. SHAW, THE JEWS OF THE OTTOMAN EMPIRE AND THE TURKISH REPUBLIC, 1991.

[50] بالمناسبة ان تحويل العثمانية المحكية الى لغة قومية رسمية ومكتوبة كان مشروعاً متزامنا للاحياء الصهيوني للغة العبرية وكل لغة سعت لايجاد وطن قومي على حساب الآخرين.

[51] اليهودي حصراً والذي شارك في التحولات السياسية في كل من ايطاليا وتركيا كما أنه لا يزال عمود الفقري للوبي الصهوني في أمريكا والغرب، وعلى علاقة وثيقة بالموساد.

[52] كتب السير جيرارد لوثر السفير البريطاني في إسطنبول في أيار/مايو 1910 أن تركيا الفتاة كانت أكثر يهودية منها تركية، وأن اليهود والماسونيين الذين جيء بهم إلى كل المراكز الحساسة في السلطة لا يحبون الأقليات الأخرى وخاصة الأرمن لكونهم نشطاء اقتصاديا.

[53] Gingeras, Ryan. “Last Rites for a ‘Pure Bandit’: Clandestine Service, Historiography and the Origins of the Turkish ‘Deep State’.” Past & Present, no. 206 (February 2010): 151–173. doi.org

Gingeras, Ryan. Heroin, Organized Crime, and the Making of Modern Turkey. Oxford: Oxford University Press, 2014.

[54] Ramazan Hakkı Öztan, When Emmanuel Carasso Turned Italian A Biography of Extraterritoriality and Questions of Nationality in the Ottoman Empire. Trinity College Dublin.

[55] Kieser, Hans-Lukas. Talaat Pasha: Father of Modern Turkey, Architect of Genocide. Princeton: Princeton University Press, 2018.

[56] Ozan Ozavci, A Jewish “Liberal” in Istanbul: Vladimir Jabotinsky, the Young Turks and the Zionist Press Network, 1908–1911, Jews, Liberalism, Antisemitism: A Global History (Palgrave Macmillan, 2020)

[57] ISAIAH FRIEDMAN, GERMANY, TURKEY, AND ZIONISM I897—I9I8, OXFORD, 1977.

[58] John P. Cafferky, Lord Milner’s Second War: The Rhodes-Milner Secret Society; The Origin of World War I; and the Start of the New World Order , 2013

[59] له نسخ كثيرة مماثلة في الهند وكانت هناك محاولات لخلق هذه الحالة في الصين عقب حروب الافيون.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

كاتبة عربية

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  إسرائيل ولعنة أرض الميعاد.. المستمرة!