أبرز جاسوس أميركي في لبنان.. ضحية لعبة النفط

Avatar18019/04/2020
كان دانييل دينيت جاسوساً أميركياً قتل في حادث تحطم طائرة في جبال إثيوبيا في العام 1947، وقد كتبت ابنته شارلوت كتاباً عن نضالها من أجل التوصل إلى الحقيقة. في هذه المقالة التي كتبها الصحافي البريطاني جو جيل والمترجمة من الإنكليزية إلى العربية عن موقع "ميدل إيست آي"، تحاول شارلوت دينيت الربط بين معظم أحداث المنطقة وبين ما تسميها "لعبة النفط الكبرى".

في 24 آذار/مارس 1947، كانت طائرة نقل عسكرية من طراز “سي 47” في طريقها من جدة إلى أديس أبابا عبر أسمرة، عندما تحطمت فوق الجبال شمال العاصمة الأثيوبية، ما أسفر عن مقتل ستة أميركيين كانوا على متنها، بينهم الملحق الأميركي لشؤون النفط، والملحق الثقافي الأميركي في بيروت دانييل دينيت.

بعد سبعين عاماً على تلك الحادثة، ما تزال شارلوت إبنة دانييل دينيت تحاول إماطة اللثام عن الحادثة، وقامت بتأليف كتاب عنوانه “تحطم الرحلة 3804″، وتعرض فيه صراعها الطويل من أجل فهم لعبة النفط الكبرى التي قد تكون وراء مقتل والدها..

كان دانييل دينيت متحدثاً بارعاً باللغة العربية وباحثاً متخصصاً بقضايا الإسلام، وكان في الوقت نفسه، أبرز جاسوس أميركي في الشرق الأوسط، يعمل لدى “مجموعة الاستخبارات المركزية”، التي أعقبها تأسيس “وكالة الاستخبارات المركزية”(CIA).

جاء دينيت إلى المنطقة في إطار مهمة لمراقبة منشآت النفط الأميركية في السعودية، ولتحديد المسار الذي سيسلكه خط الأنابيب الذي يعبر شبه الجزيرة العربية، والذي يفترض أن يصل إلى لبنان (محطة التابلاين في الزهراني في جنوب لبنان). وقتذاك، كان الهدف الأساس لأميركا في المنطقة، كما تذكر وثيقة رسمية تعود للعام 1944، هو “السيطرة على النفط.. مهما كان الثمن”.

كانت طائرة دانييل دينيت تحمل على متنها معدات راديو وجهاز استقبال هوائي (لاسلكي) في غاية السرية، كان من شأنها أن تمكن الولايات المتحدة من تنفيذ عمليات مراقبة واتصال عبر أثيوبيا والشرق الأدنى.

كانت هذه تمثل لحظة مفصلية في اللعبة الكبرى من أجل النفط، والتي كانت تدور رحاها بين القوى العظمى، في وقت كانت فيه بريطانيا لا تزال تمثل القوة المهيمنة في شرق أفريقيا والشرق الأوسط، فيما كانت أميركا تمثل قوة صاعدة متمركزة بشكل جيد في السعودية منذ اتفاق التنقيب على النفط مع الملك ابن سعود في العام 1933 (تاريخ توقيع اتفاقية نيل امتياز التنقيب عن البترول بين حكومة المملكة وشركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا).

انقلاب خط الأنابيب

سعت الولايات المتحدة أيضا إلى طرد البريطانيين من أثيوبيا، وقد كان الامبراطور هايلي سيلاسي منفتحاً على فكرة التخلص من البريطانيين المكروهين، وذلك بمساعدة أميركية. مخطط كان يمثل تهديداً استراتيجياص كبيراً للمصالح الامبريالية والنفطية لبريطانيا في المنطقة. فقد كانت هذه الامبراطورية في أوج قوتها برغم خسائر الحرب العالمية الثانية، ولم تكن لدى لندن أية نية للتنازل عن ممتلكاتها وسلطتها لواشنطن.

وقبيل انطلاقه في تلك الرحلة المميتة، كان دانييل دينيت الذي يرمز إليه بـ “كارات”، قد كتب رسالة إلى زوجته من السعودية يقول فيها: “لأسباب سأخبرك عنها لاحقا أنا متجه إلى أثيوبيا”. إلا أنه لم يعد أبداً من هذه الرحلة.

في تلك الأيام، كانت “أرامكو” تسمى “الشركة العربية الأميركية للنفط”. وكان مقترح خط الأنابيب العابر للمنطقة العربية يواجه بعض العراقيل، حيث أن سوريا التي كانت قد استقلت للتو (عن فرنسا) مترددة جداً حيال السماح لهذا الخط بعبور أراضيها بإتجاه لبنان، في مسار سيصل إلى البحر الأبيض المتوسط، ليتم تحميل النفط في الناقلات البحرية.

ومثلما تتذكر شارلوت دينيت، فإن وكالة الاستخبارات المركزية، نفذت أول انقلاب لها بعد الحربين العالميتين في سوريا في العام 1949، في حدث ظل طي النسيان، إذ أن الرئيس شكري القوتلي تم تعويضه بقائد للشرطة سرعان ما وافق على مشروع خط الأنابيب.

وقد تم بناء الأنابيب والانتهاء منها، إلا أن هذا المشروع كان مصيره مشؤوما، إذ أنه في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ذهب ضحية الحرب الأهلية اللبنانية، والمقاومة ضد إسرائيل والإمبريالية الأميركية، بما أن خط الأنابيب كان يمر عبر مرتفعات الجولان المحتلة.

البحث في الأرشيف

كانت مؤلفة الكتاب (شارلوت) التي تبلغ حالياً 73 عاماً، عمرها فقط ستة أسابيع، عندما توفي والدها دانييل دينيت. وأثناء عملها كمراسلة شابة لصحيفة “دايلي ستار” الإنكليزية في بيروت، أصيبت بطلق ناري في الأسابيع الأولى لاندلاع الحرب الأهلية في 1975، ثم غادرت لبنان عائدة إلى الولايات المتحدة.

كما أن ارتباط هذه العائلة بالشرق الأوسط يعود إلى فترة حياة جدتها، التي تم إرسالها لتدريس مادة الأحياء في الكلية المسيحية للفتيات في القسطنطينية في العام 1900، وذلك في إطار استراتيجية أميركا للقوة الناعمة في الشرق الأدنى.

وفي تسعينيات القرن الماضي، شرعت شارلوت دينيت في الغوص في الأرشيف الوطني الأميركي، لقراءة التقارير السرية التي تتعلق بوالدها، وعادت أيضا إلى لبنان للقاء أشخاص تعاملوا مع وكالة الاستخبارات الأميركية، والتسكع معهم من أجل أن تأخذ منهم المعلومات عن والدها. كان السؤال الملح الذي تبحث عن إجابة له هو ما إذا كانت خلاصة التقرير الرسمي حول تحطم الطائرة في الجبال الأثيوبية، والذي يرجع سبب الحادثة إلى سوء الأحوال الجوية، هو استنتاج صحيح أم أنه مجرد تمويه لإخفاء حقيقة عمل تخريبي نفذه الأشخاص الذين كانوا يعتبرون والدها ومعدات التجسس التي كان ينقلها تشكل “تهديداً لمصالحهم الاستراتيجية الحيوية”.

كانت هناك أسباب وجيهة وراء شكوك شارلوت، إذ أن ضابطا في الاستخبارات الأميركية كان يعرف والدها دانييل قال لها في العام 1995: “لطالما اعتقدنا أن الأمر ليس مجرد حادث بل عمل تخريبي، لكننا لم نتمكن من إثبات ذلك”. كما أن ولع هذه الكاتبة بالأنابيب وخطوط نقل النفط، قادها للبحث والتحليل، وكانت تعتقد أن النفط والأنابيب التي تنقله، هي المفتاح لفهم كل حروب وصراعات الشرق الأوسط. وهذا يتضمن ليس فقط العراق، بل أيضا أفغانستان وصراع إسرائيل وفلسطين واليمن وتركيا وسوريا.

حروب العراق

قليلون هم من يشككون في أن النفط وأمن الطاقة لعبا دوراً كبيراً في التخطيط للعديد من التدخلات الغربية، في منطقة الشرق الأوسط خلال القرن المنقضي.

ففي العام 1953، قامت الولايات المتحدة وبريطانيا بتنفيذ انقلاب أسقط رئيس الوزراء محمد مصدق في إيران، بعد قراره بتأميم شركة النفط الوطنية التي كانت تسيطر عليها بريطانيا.

وفي 1991، اندلعت حرب الخليج بعد غزو صدام حسين للكويت، والمخاوف من سيطرة العراق على حقول النفط في الكويت التي كانت تمثل إحدى الإمارات التي أسسها ونستون تشرشل لضمان وصول البريطانيين للنفط العربي. وقد كان حينها تصرف صدام حسين ينظر إليه على أنه تهديد كبير للمصالح الغربية.

وفي إطار سعيها للوصول إلى الحقيقة حول مقتل والدها ودوره في تشكيل لعبة النفط الكبرى، تستخدم الكاتبة حجتها الرئيسية في تحليل أكبر الصراعات الإقليمية، والتي تعيدها كلها إلى السبب نفسه، وهو السيطرة على إنتاج وتوزيع النفط.

تشرشل وبلفور

يتتبع الكتاب أثر تشكيل اللعبة الكبرى من أجل النفط وانطلاقها قبل الحرب العالمية الأولى، عندما أمر القائد البريطاني البحري ونستون تشرشل أسطوله بالانتقال من الاعتماد بشكل أساسي على الفحم الحجري إلى النفط. ولكن بريطانيا كان لديها الكثير من الفحم وكانت تفتقر للنفط. وبحلول العام 1917، أصبحت السيطرة على العراق لضمان حقوله النفطية هدفا أساسيا للحرب.

وتنقل الكاتبة تصريحا عن وزير الخارجية أرثر بلفور حول أهمية النفط لبريطانيا. وهذا الشخص هو نفسه الذي كانت تصريحاته في تشرين الثاني/نوفمبر 1917 قد منحت اليهود وطنا فوق الأراضي الفلسطينية. وقد كان الطرف الصهيوني الذي يتعامل معه هو اللورد روتشيلد، الذي بدوره يعد واحدا من أكبر أباطرة النفط في أوروبا.

وبعد مرور  قرن من الزمن، فإن الدولة التي ساعدت بريطانيا على نشأتها، وهي إسرائيل، أصبحت منتجة للغاز من خلال استغلال حقول تقع قبالة شواطئ غزة، تم الاستيلاء عليها بشكل غير قانوني من الفلسطينيين.

وترجح الكاتبة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومن خلال خطة السلام (صفقة القرن) لصالح إسرائيل التي عرضها، والتي تساند استيلاء إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، تعكس جهود مستشاره وصهره جاريد كوشنر لإحياء مشروع خط الأنابيب العابر للمنطقة العربية، الذي مني سابقا بالفشل.

أباطرة النفط والعملاء المزدوجون

بالنسبة للكاتبة، فإن المشتبه به الرئيسي في مقتل والدها هو العميل البريطاني السوفياتي المزدوج كيم فيلبي، الذي كان في أواخر أربعينيات القرن الماضي، رئيس وحدة مكافحة التجسس البريطانية في الشرق الأوسط، وكان ينشط من الرياض في وقت وفاة دانييل دينيت (فرّ فيلبي بعد إنكشاف أمره إلى الإتحاد السوفياتي في العام 1963 ومات في موسكو في العام 1988).

شيئاً فشيئاً، تبحث الكاتبة في تفاصيل حادث تحطم الطائرة في 1947، من خلال التدقيق في كل ارتباطات وحسابات الصراع على النفط في الشرق الأوسط، برغم وجود أطروحة مضادة مفادها أن الحروب والتدخلات في الشرق الأوسط لها العديد من الدوافع، واختزال كل تلك الأحداث في هدف واحد هو السيطرة على مصادر الطاقة، قد يؤدي إلى تبسيط مسألة هي في غاية التعقيد، ترتبط بالحسابات الجيوسياسية والسياسات الوطنية وإدارة الطاقة، وهي كلها عوامل تتضافر لبلورة قرار بالذهاب إلى الحرب أو التدخل في السياسة الداخلية لدولة ما.

وتقول شارلوت في حديث عبر سكايب مع ميدل إيست آي: “أولئك الذين حاولوا فك شفرة التعقيدات في الشرق الأوسط سوف يصطدمون دائما بقضية النفط. يجب أن نكون حذرين، فهذا التفسير لا ينطبق على كل شيء، ولكنه يفسر الكثير”.

الحرب على الإرهاب والحرب من أجل النفط

ومن الأسئلة التي لا تزال مطروحة هنالك: إلى أي مدى تمثل الحرب الدائرة منذ هجمات 11 أيلول/سبتمبر مجرد حرب للحفاظ على الهيمنة الأميركية على نفط وغاز الشرق الأوسط. وتنقل المؤلفة مقولة الصحفي والمراسل فرانك فيفيانو في صحيفة “نيويورك تايمز” بعد أسابيع من تلك الهجمات “إن جوهر الصراع العالمي في العقود المقبلة لن يكون مجرد مواجهة بين الإسلام والغرب، بل هو الدفاع عن الموارد النفطية”.

كما أن الرئيس جورج بوش الإبن كانت له “حكومة نفطية” تضم نائبه ديك تشيني، الذي كان يشغل منصب مدير تنفيذي في شركة “هاليبرتون” التي تمتد مصالحها النفطية في الخليج والبلقان. كما أنه حاول التقرب من حركة طالبان في 1998 أثناء زياراته لأفغانستان، وذلك في إطار لعبة كبرى جديدة من أجل نفط وغاز بحر قزوين، على اعتبار أن أفغانستان قد تكون طريقا محتملة لأنابيب النفط نحو آسيا. وتعرض شارلوت دينيت في كتابها خرائط مفيدة تبرز مسارات الأنابيب ومصادر النفط في المنطقة.

وقليلة هي الشكوك التي تحوم حول كون النفط شكّل عاملا حاسما في حرب العراق في 2003. إذ أن بوش أراد الإطاحة بصدام حسين وإعادة فرض الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط، وتأمين المصالح الطاقية، وفتح العراق للشركات الأميركية والدولية بعد أن كانت تمثل سوقا مغلقة. وقد دفع المواطنون الأميركيون والعراقيون كلفة الحرب التي بلغت واحد تريليون دولار، فيما استفادت الشركات من أرباح تقدر بمليارات الدولارات. وبعد غزو العراق تم فتح البلاد لشركات النفط الغربية، التي فازت بعقود في هذا البلد الذي كان في السابق يمثل جوهرة الامبراطورية النفطية الغربية. وها هي شركة “بريتش بتروليوم” البريطانية التي غادرت العراق في السبعينيات، تضخ الآن ملايين البراميل من مدينة البصرة، بينما يعيش الناس في تلك المنطقة في حالة غضب وتمرد مستمرين بسبب سوء الأوضاع وتفشي الفساد والبطالة والتلوث.

حرب اليمن

لعبت أرباح الشركات والتنافس على النفط والغاز والموارد دوراً رئيسياً في السياسة الخارجية للقوى الغربية على مدى عقود. وفي فصل مثير من التسابق على الغاز في شرق المتوسط، تبحث الكاتبة في إمعان إسرائيل في محاصرة غزة والسيطرة على مياهها، والحرب في ليبيا، والعلاقات المتوترة بين تركيا وأوروبا وأميركا، وهي كلها أطراف مرتبطة بالمعركة حول احتياطات الغاز الضخمة التي تقبع تحت المتوسط.

وهنالك حرب أخرى حول الطاقة غير معلنة، تدور رحاها في اليمن. حيث تظهر الكاتبة كيف أن حرب اليمن لها أسباب متعددة، ولكن بالنسبة للسعودية والإمارات، فإن السيطرة على طرق تصدير النفط، مثل مضيق باب المندب، وموانئ المهرة في جنوب اليمن، تمثل أهدافا أساسية لهذا التدخل. وهذا واحد من التفسيرات المهمة لتركيز السعودية قواتها في جنوب شرق اليمن، بعيداً جداً عن مركز القتال في هذه الحرب المستمرة منذ خمس سنوات. كما أن محافظة حضرموت توجد فيها حقول النفط اليمني، ومن المزمع إنشاء خط أنابيب سعودي فيها ليصل إلى موانئ جنوب اليمن.

الحرب السورية

ولكن هنالك أيضا ثغرات في هذه الرواية وهنالك روايات أخرى مضادة لها. إذ أن الكاتبة تبحث في السؤال حول ما إذا كان الصراع السوري ليس مجرد حرب ضد الدكتاتورية أو الأرهاب كما يتم تصويره، بل حربا على أنابيب النفط. وهي الفرضية التي قدمها قبل سنوات روبرت كينيدي جونيور، ابن السيناتور الذي قتله مسلح فلسطيني يدعى سرحان بشارة سرحان في 1968.

يرى كينيدي أن قطر مولت المجموعات المسلحة لإسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، بسبب إجهاض اتفاق لإنشاء خط أنابيب في 2009، إلا أن هذا الرأي عارضه العديد من الكتاب مثل غاريث بورتر وبول كوكرين من “ميدل إيست آي”.

وتجدر الإشارة إلى أن شارلوت دينيت تنقل حجج بورتر حول أن العائق الأساسي أمام مخططات قطر ربما كانت السعودية وليس سوريا. إذ أن الصراع بين البلدين الخليجيين ظهر في أرض المعركة في سوريا في 2012.

وقد بدأت التحركات السرية المدعومة من الغرب ضد سوريا في عهد إدارة جورج بوش الإبن، أي قبل وقت طويل من العرض القطري المزعوم الذي قدمته الدوحة إلى دمشق في 2009 لبناء خط أنابيب يمر عبر أراضيها ويصل إلى البحر الأبيض المتوسط.

ولكن ما لا يمكن إنكاره هو أن سوريا تقبع في مفترق طرق رئيسي في مسارات نقل النفط بين أوروبا وآسيا والخليج العربي، وتبقى دولة ذات بعد استراتيجي. كما تبحث الكاتبة في الادعاءات التي يتبناها بشكل كبير خطاب الأكراد والإيرانيين، حول كون تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ليس إلا صنيعة غربية وتركية وخليجية لتدمير سوريا والإدارة الذاتية للأكراد في الشمال والشرق.

وبعد مرور حوالي 20 عاما على هجمات 11 أيلول/سبتمبر، عكس الرئيس ترامب قراره بسحب القوات من سوريا في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، معلنا أن الآلاف من الجنود سوف يبقون في سوريا لحماية حقول النفط في شمال شرق البلاد.

ومن المعروف أن ترامب شخص يمكن التعويل عليه للإعلان بشكل جريء عن الأسرار التي يخفيها بقية الرؤساء، وهي أساسا أن الحفاظ على مصادر النفط في الشرق الأوسط تحت سيطرة أميركا وحلفائها يمثل دائما عاملا أساسيا في السياسة الخارجية، ويعتبر أكثر أهمية من أي اعتبارات أخرى قد تتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطية.

رقابة وكالة الاستخبارات الأميركية

مع مواصلتها رحلة البحث في ملابسات وفاة والدها، تكشف شارلوت دينيت عن مختلف الأسرار والألغاز المحيطة بالقضية. إذ أن ثلاثة إرهابيين مرتبطين  ببريطانيا ومساندين للاتحاد السوفياتي – وهما بولنديان وطيار في سلاح الجو الملكي البريطاني – كانوا موجودين في أثيوبيا تزامنا مع وفاة والدها.

إلا أن التقارير التي تفيد بأن سبب الحادث هو الأحوال الجوية تم دحضه من قبل التقرير الميداني الأول الذي قدمه الضابط الأميركي الكولونيل ماكناون (كان من المفترض أن يكون على متن الطائرة)، الذي أشار إلى أن لا أحد من الضحايا كان يربط حزام الأمان.

كان الجو في ذلك الوقت، متوتراً، مع احتمال وقوع اغتيالات ومخططات تفجير وهذا ما كانت تعكسه برقيات مسؤولين أميركيين في الشرق الأدنى، بما في ذلك برقيات دانييل دينيت.

وفي خضم سعيها لتعقب الوثائق التي أرادت لها وكالة الاستخبارات الأميركية أن تظل سرية، واجهت شارلوت ردود سلبية عديدة على طلباتها للاطلاع على السجلات، إلى أن اضطرت في النهاية لرفع دعوى قضائية ضد الوكالة في 2007. وهي دعوى حازت على اهتمام اعلامي كبير، وأثارت قلق الوكالة.

وبعد أن ساندت المحكمة حجج وكالة الاستخبارات بشأن حماية الأمن القومي في جلسة الاستماع الأولى، تم غلق ملف القضية في جلسة الاستماع الثانية في محكمة في نيويورك “لأسباب تقنية”.

ومع ذلك، وفي النهاية، بعد عقود من الجهود المضنية، قررت الوكالة الاستماع إليها وإلى عائلتها، والاعتراف بأهمية الأعمال التي قام بها والدها في الشرق الأوسط، وذلك من خلال تخليد اسمه في جدار الطابق السادس من المقر الرئيسي للوكالة في لانغلي بفرجينيا.

في الفصل الأخير من الكتاب نقرأ حول هذا الحدث التذكاري في أيار/مايو 2019 لتكريم والدها، وهي مبادرة جاءت متأخرة سبعين عاما، ولكن على الأقل تم في النهاية الإقرار بالخدمات التي قدمها لبلاده، وهو ما مثل انتصاراً لشارلوت دينيت وإخوتها، حتى أن مديرة وكالة الاستخبارات جينا هاسبيل ظهرت بشكل مفاجئ في الحفل، وقالت للكاتبة: “واصلي هذا العمل”، وهي إشارة لم تفهمها شارلوت “بشكل جيد”، كما تقول لموقع “ميدل إيست آي”.

في العام 1942، كان دانييل دينيت قد قال في خطاب تحذيري: “إبتهلوا إلى الله أنكم إذا اضطررتم للتدخل في أي مكان آخر، فإن الولايات المتحدة لن تبقى بعيدة عن عار التدخل في الشرق الأدنى”، إلا أن هذه الكلمات لم تجد من يستمع إليه، بل ذهبت أدراج الرياح..

(ترجمة سارة سنو)

Avatar

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy course download free