النظام العالمي Archives - 180Post

1000069821.jpg

لم تعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة عسكرية أو أزمة أمنية عابرة في الشرق الأوسط. إنها اليوم اختبار واسع للنظام الدولي كله: اختبار لقوة واشنطن، وقدرة طهران على الصمود، وموقع الصين كقوة كبرى تريد أن تكون وسيطاً من جهة، ومنافساً استراتيجياً لأميركا من جهة أخرى. هذه الحرب لا تدور فقط حول الصواريخ والسفن ومضيق هرمز، بل تدور أيضاً حول النفط، العقوبات، سلاسل الإمداد، الذكاء الاصطناعي، المعادن النادرة، ومن يملك حق الشراكة في إدارة النظام العالمي المقبل.

TRUMP-NA-CHINA_Thiago-Lucas.jpg

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومع الدخول في أوج الحرب الباردة، كانت النخبة الأمريكية ترى نفسها قائدةً للعالم الحر في صراعه مع المعسكر الشرقي. وعقب انتهاء الحرب الباردة في أوائل تسعينيات القرن الماضي، تشكّلت السياسة الخارجية الأمريكية على أساس افتراض غير مُعلن مفاده أن الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة بلا منازع، وأن من حقها ــ بل من واجبها ــ إدارة النظام الدولي، وضبط إيقاعه، والتدخل عسكريًّا متى رأت أن مصالحها أو القيم الليبرالية مهددة. غير أن التحولات (الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية) خلال العقود الثلاثة الماضية، إضافةً إلى الإرهاق الداخلي من «الحروب الأبدية في الشرق الأوسط»، دفعت صُنّاع القرار في واشنطن إلى مراجعة عميقة لهذه الفرضيات.

IMG_2026-03-09-english.jpg

منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، تشكّل ما يُعرف بـ"نظام البترودولار" كأحد أعمدة النظام المالي العالمي الحديث. فقد جاءت التفاهمات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في أعقاب انهيار نظام "بريتون وودز" لتربط تسعير النفط عالميًا بالدولار الأميركي، وهو ما فرض عمليًا على دول العالم شراء الطاقة بالدولار، ومنح الولايات المتحدة امتيازًا اقتصاديًا غير مسبوق.

charge20260115B.jpg

من حضارة عصر النّهضة والبعث والأنوار، ومن حضارة التّيّار الانسانيّ وثقافة حقوق الانسان، ومن حضارة أنّ الحُكم للشّعب وأنّ للشّعوب الحقّ في تقرير مصيرها.. ينقلنا حُكم رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب اليوم، عمليّاً وأكثر فأكثر، إلى اطار حضاريّ غربيّ من نوع آخر كلّيّاً.

ma.jpg

لم تكن القضايا الخارجية التي تعامل معها الرئيس دونالد ترامب خلال عام 2025 أزماتٍ مؤقتة قصيرة الأجل، بل مثّلت تحديات هيكلية طويلة الأمد، تمتد خلال عام 2026 وربما إلى ما بعده؛ مثل مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومصير الحرب في أوكرانيا، وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، والرغبة في إسقاط النظام الحاكم في فنزويلا، واستمرار المنافسة الاستراتيجية مع الصين.

forsale.jpg

شهدت الحقبة الممتدة من 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى يومنا هذا أحداثاً جساماً في المشرق العربي ومحيطه الإسلامي. شنّت أميركا- عبر الكيان الصهيوني- حرب إبادة على قطاع غزّة. توسّعت الحرب إلى كامل الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة وإلى لبنان واليمن وإيران وبعض العراق، وأخذت بُعداً عالميّاً على الصعيدين السياسي والأخلاقي، وغيّرت الكثير من توجّهات الرأي العام العالمي.

42bf55f43ccc8aa2e5497130c15e30b3.jpg

لو لم يقع العُدوانُ الإسرائيلي – الأميركي على إيران، لكانَ الأمرُ مفاجِئاً فعلاً ، أمَّا وقد وقعَ فلا مفاجأةَ أبداً. ما كان يتسرَّب من أروقة المفاوضات الأميركية – الإيرانية في مسقط وفي روما، كان يشير إلى ذلك، وكان يُؤكِّدُ ثلاثةَ أمور:

ppa.jpg

ثمة بشرٌ لا يعرفون ما هي غزة ولا أين يقع لبنان، ساروا في تظاهرات يصرخون في شوارع العواصم الأوروبية والأميركية: أوقفوا مذابح الأطفال، أوقفوا إبادة الشعب الفلسطيني. هذا الشعور بالمسؤولية عمّ نتاج الأدباء والشعراء والكتّاب والمفكرين، ولم يعد ممكناً لشاعر أن ينظم قصيدة ولا لكاتب أن ينظم فكرةً من خارج المسؤولية تجاه هذا الفضاء المأسوي.

Imperator-Trump.jpg

تُمثّل إسرائيلُ التجلي أو التكثيف الأبرز لنظام القوة والمعنى في النظام العالمي، ولعلها أحد "نقاط الثبات" فيه، بمعنى أنها حافظت على موقع مهم، وبشكل ثابت تقريباً، والصحيح بشكل متصاعد، في سياسات ورهانات فواعله الكبرى، من نظام الحرب الباردة ونظام ما بعدها، وما بعد بعدها، أي النظام العالمي في طور التشكيل. وهو ما يمكن عَدُّه، من منظور عربي وإسلامي وربما عالم ثالثي، أحد "نقاط الاختلال" و"مصادر التهديد"، وليس "نقاط الثبات" و"مصادر الفرصة" من منظور إسرائيل. وثمة مع كل ذلك "نقاط أمل"، حتى لو كان قليلاً أو ضئيلاً!