إقتصاد لبنان يستفيد من الأزمة النفطية.. ماذا عن الناس؟

علي نورعلي نور21/04/2020
سجّل برميل النفط الأميركي أدنى مستوياته التاريخيّة بالأمس (الإثنين الأسود)، لتنخفض أسعار بعض العقود الآجلة إلى دون الصفر لأوّل مرّة في التاريخ. وبينما ترتبط هذه التطوّرات بعوامل آنية متعددة على مستوى الإقتصاد العالمي، يبرز إلى الواجهة محليّاً السؤال عن حجم الأثر الذي ستتركه على الإقتصاد اللبناني، خصوصاً من جهة الضغط على السيولة بالعملة الصعبة والميزانيّة العامّة.

كان إستمرار الضغط على سعر برميل النفط متوقّعاً، لكن حجم الإنهيار الذي شهدته الأسعار ليل 20ـ 21 نيسان/أبريل 2020، تجاوز حدود جميع التوقّعات السابقة. فمع إغلاق التعاملات في السوق الأميركيّة، كان قد بلغ سعر عقود برميل غرب تكساس تسليم شهر أيّار/مايو مستوى الـ37.63 تحت الصفر، أي أنّ المتعاملين كانوا يدفعون عمليّاً للمشترين للتخلّص من المخزون المتوفّر بحوزتهم من هذه السلعة. وهكذا، تكون أسعار برميل خام برنت قد سجّلت منذ بداية العام إنخفاضاً بنسبة 60%، مقارنةً مع عقود الخام الأميركي التي هوت بنحو 130%.

عوامل السوق العالمي والإنتاج الأميركي

منذ بداية أزمة تفشي وباء كورونا على المستوى العالمي، تتعرّض أسعار النفط لضغوط قاسية نتيجة توقّف أنشطة السفر والتنقّل وإتباع قواعد التباعد الإجتماعي، بالإضافة إلى تراجع الأنشطة الإنتاجيّة عموماً. وخلال الربع الأوّل من العام، شهد الطلب على النفط عالميّاً إنخفاضاً بنسبة 65%، ومن المتوقّع أن ترتفع هذه النسبة أكثر في الربع الثاني، خصوصاً أن شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير الماضيين لم يشهدا التفشّي الذي يشهده العالم اليوم لوباء كورونا.

هذا الضغط على سعر البرميل من ناحية الطلب، ترافق مع ضغط أقسى من ناحية المعروض، بفعل حرب الأسعار التي خاضتها كل من روسيا والسعوديّة، وبتواطؤ ضمني بين الأخيرة والولايات المتحدة. وعلى الرغم من توصّل موسكو والرياض من خلال “أوبك+” قبل أكثر من أسبوع إلى إتفاق بتخفيض الإنتاج بنحو 9.7 مليون برميل يوميّاً، لكن هذه الإتفاق لن يدخل حيّز التنفيذ قبل بداية شهر أيّار/مايو المقبل، ومن الطبيعي أن لا يؤدّي إلى التخلّص من التخمة الحاليّة القائمة في الأسواق فور تطبيقه.

عوامل تخمة المعروض ونضوب الطلب على المستوى العالمي، تلتها عوامل ضاغطة في السوق الأميركيّة، وتحديداً من جهة إقتراب مستودعات تخزين الخام الأميركي من الإمتلاء، وبالأخص منشآت التخزين في المركز الرئيسي لتسليم خام غرب تكساس في كاشينج بولاية أوكلاهوما. ولعلّ هذا العامل بالذات يفسّر شدّة هبوط أسعار العقود الآجلة لخام غرب تكساس مقارنةً مع خام برنت، في ظل وجود مساحة إضافيّة متاحة للتخزين حول العالم.

أمّا المسألة التي أدّت إلى إنهيار أسعار عقود خام غرب تكساس تسليم شهر أيّار/مايو تحديداً إلى هذه المستويات غير المسبوقة، فكانت إقتراب هذه العقود من موعد إنتهاء صلاحيّاتها اليوم (الثلاثاء). بمعنى آخر، لم يرغب المستثمرون بالحصول على خام النفط في شهر أيّار، فبادروا إلى حرق الأسعار في محاولة للتخلّص من هذه العقود بالسرعة القصوى، قبل بلوغ تاريخ إنتهاء صلاحيّتها. وفي ظل ضيق السعة التخزينيّة للنفط في الولايات المتحدة، بلغت أسعار هذه العقود مستويات سلبيّة، أي أنّ المشتري أصبح يتلقى المال للتخلّص من المخزون النفطي.

بإختصار، مقابل العوامل الضاغطة عالميّاً من ناحيتي العرض والطلب، لا يتمتّع المنتجون بالمستوى المطلوب من الليونة في مستويات الإنتاج للتكيّف مع هذه المتغيّرات. فالتوقّف عن إنتاج النفط في الكثير من الحقول النفطيّة تفوق كلفته الخسائر التي تترتّب عن إنخفاض الأسعار، وهو ما يعني عمليّاً إستمرار إنتاج مرتفع مقارنةً بحجم الطلب المتوفّر في الأسواق.

الأثر على مستوى الإقتصاد اللبناني

ماذا عن أثر ذلك على لبنان؟

تمثّل اليوم أزمة السيولة بالعملات الصعبة مسألة محوريّة لا يمكن تفادي النظر إليها عند مقاربة أي ملف أو تطوّر إقتصادي. عمليّاً، تمثّل هذه الأزمة العامل الأساسي الضاغط على سعر الصرف الفعلي، وبالتالي أسعار السلع المستوردة والقدرة الشرائيّة للبنانيين. وعند الحديث عن إستيراد السلع الحيويّة مثل المحروقات، تصبح المسألة مرتبطة أيضاً بإحتياطات مصرف لبنان المركزي من العملات الصعبة، المخصصة اليوم لهذه الغايات حصراً.

في شهر كانون الثاني/يناير الماضي، وقبل حلول أزمة كورونا، بلغت قيمة الواردات من “المنتجات المعدنية” حوالي الـ458.1 مليون دولار أميركي، وذلك بحسب أرقام الجمارك اللبنانيّة. مع العلم أنّه وفقاً لتصنيف الجمارك للبضائع الواردة، تمثّل المحروقات العنصر الأساسي من هذه المنتجات. في ذلك الوقت، لم يكن لبنان قد دخل مرحلة التعبئة العامّة وما فرضته من إقفال واسع وتقييد للأنشطة الإقتصاديّة، مع كل مع يعنيه ذلك من تحوّل في حجم إستهلاك المحروقات. أما الأهم، فأسعار النفط لم تكن قد شهدت التدهور الذي نشهده حالياً. فقد تراجع سعر برميل النفط سلّة أوبك من حدود 67.15 دولارا في بداية شهر كانون الثاني/يناير إلى نحو 18.16 دولارا اليوم. بمعنى آخر، خسر برميل النفط ما يقارب 73% من قيمته بين الفترتين. هذا الهبوط الهائل في سعر برميل النفط، ترافق أيضاً مع هبوط لا يقل حجماً في حجم الإستهلاك الداخلي للمحروقات بنسبة حوالي الـ80% نتيجة قرار التعبئة والإقفال العام، بحسب معلومات وزارة المال.

الأثر الإيجابي لن يطال العقود المبرمة لشراء المحروقات اليوم فقط، بل يمكن أن يطال الكلفة لحدود سنة من الآن في ظل قدرة الدولة على توقيع عقود آجلة تغطّي الإحتياجات المستقبليّة. وبحسب وزير الماليّة غازي وزني، فالإتجاه هو لتوقيع عقود آجلة تغطي الحاجة لحدود سنة (2021)

بإختصار، يمكن الإستنتاج سريعاً أنّ الإنخفاض في حجم السيولة بالعملة الصعبة التي كان يتم تخصيصها لإستيراد المحروقات لن يقل عن 420 مليون دولار شهريّاً، نتيجة الإنخفاض في أسعار النفط أوّلاً والإستهلاك  المحلّي منه ثانياً. هذا الحجم من السيولة يوازي وحده أكثر من نصف العجز في الميزان التجاري في شهر كانون الثاني/يناير، والذي قُدّر في ذلك الوقت بنحو 820 مليون دولار، ويتجاوز بقيمته الـ80% من عجز ميزان المدفوعات في شهر شباط/فبراير والذي قُدّر بنحو 505.3 مليون دولار (يلخّص ميزان المدفوعات صافي التبادلات الماليّة بين لبنان والخارج).

الأثر على الميزانيّة العامّة

لكنّ ثمّة مصدر آخر للتفاؤل بإنخفاض سعر برميل النفط، وتحديداً من ناحية أثره على الميزانيّة العامّة للدولة. فجزء أساسي من العجز في الميزانيّة كان ينتج تحديداً من مبالغ الدعم التي يتم تخصيصها لتمويل العجز في شركة كهرباء لبنان. هذا الدعم كان يُقدّر في الموازنات المتعاقبة بنحو 1.39 مليار دولار عندما بلغ سعر البرميل الواحد نحو 65 دولاراً، بينما تمّ رفع الدعم في الموازنة إلى نحو 1.81 مليار دولار مع إرتفاع سعر البرميل إلى نحو 80 دولاراً.

من الصعب تقدير الوفر الذي سيتم تحقيقه بالظبط جرّاء إنخفاض سعر البرميل إلى نحو 18.16 دولارا، خصوصاً أن الموازنة الأخيرة حددت حجم الدعم الممنوح بنحو مليار دولار تحت ضغط تخفيض حجم العجز وفقاً لمقرّرات مؤتمر سيدر وليس وفقاً لفرضيات متعلّقة بسعر البرميل. لكنّ الأكيد هنا هو وجود أثر كبير لهذا التطوّر من ناحية إنفاق الدولة لتغطية عجز مؤسسة كهرباء لبنان. وهنا تقتضي الإشارة إلى أنّ هذا الأثر الإيجابي لن يطال العقود المبرمة لشراء المحروقات اليوم فقط، بل يمكن أن يطال الكلفة لحدود سنة من الآن في ظل قدرة الدولة على توقيع عقود آجلة تغطّي الإحتياجات المستقبليّة. وبحسب وزير الماليّة غازي وزني، فالإتجاه هو لتوقيع عقود آجلة تغطي الحاجة لحدود سنة (2021)، كون قانون الموازنة العامّة يسمح بشراء المحروقات وفقاً لعقود آجلة بهذه الحدود الزمنيّة.

من ناحية أسعار البنزين، لن يشعر المواطن بأي أثر ملموس، خصوصاً بعد أن قامت الدولة بتثبيت السعر بمعزل عن أي إنخفاض في سعر برميل النفط على المستوى العالمي. لكنّ من هذه الناحية أيضاً، سيعني إنخفاض سعر البرميل زيادة واردات إضافيّة بالنسبة إلى الدولة اللبنانيّة، وتخفيض العجز السنوي في الميزانيّة العامّة.

متى نسير نحو إقتصاد مختلف؟

كان يمكن إنتظار نتائج أكثر إيجابيّة من تطوّرات سوق النفط العالمي، لو أن لبنان يتمتّع فعلاً بقاعدة إنتاجيّة معتبرة تتيح الإستفادة من الإنخفاض في أسعار الطاقة. وحتّى بغياب قاعدة الإنتاج هذه، كان يمكن إنتظار نتائج إيجابيّة أيضاً لو أنّ لبنان يسير على سكّة تتجه نحو تحويل الإقتصاد المحلّي إلى إقتصاد أكثر إنتاجيّة وأقل ريعيّة. وفي الواقع، تمثّل التطوّرات الحاصلة على هذا المستوى فرصة جذّابة لو أرادت الدولة اليوم الإنطلاق بمشروع من هذا النوع.

يتوازى وجود هذه العوامل المساعدة من ناحية كلفة الطاقة مع عوامل شديدة الضغط على المستوى المحلّي، تفرض السير بهذا الإتجاه. فإرتفاع سعر الصرف، وشح العملة الصعبة، يضعان لبنان على طريق إنفجار إجتماعي كبير إذا لم يتم إجراء المعالجات المطلوبة بسرعة نحو إقتصاد مختلف جذريّاً عن طبيعة الإقتصاد القائم اليوم. فهل يستفيد لبنان من هذه العوامل المساعدة ومن أجل هذه الأسباب الضاغطة؟ يتوقّف ذلك على إتجاه المعالجات الحكوميّة المقبلة بالتأكيد.. ولو أن سمتها العامة، حتى الآن، بطء وتردد وإرباك وإفتقاد للمبادرة..

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
online free course