الحرب على إيران ولبنان.. وتحولات الشرق الأوسط

مهما تكن نتيجتها، ليست الحرب التي أطلقها بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب لحظةً عابرة في تاريخ المنطقة، بل هي محطّة أساسيّة في مسار تغييرها، بل دليل على أنّها تغيّرت بعيداً كلّ البعد عن الأطر التي نشأت عليها وعن الجهود التي بُذلت لترسيخ استقرارها.

كان يمكن لإيران أن تتخلّى تدريجياً عن التشدّد الديني والمذهبي وعن تصدير هذا التشدّد، تماماً كما تخلّت الدول الخليجيّة عنه وتوقّفت عن تصديره، ولا سيّما أنّ أغلبيّة المجتمع الإيراني، كما مجتمعات الخليج، قد تجاوزت في وعيها إرث هذا التشدّد. إلاّ أنّ قادة إيران، وشعبها أيضاً – وهو ما يفسّر عدم سقوط نظامها بالسهولة التي كان نتنياهو يتوقّعها – عاشوا وما زالوا يعيشون في هواجس الحرب العراقيّة–الإيرانيّة المدمّرة للبلدين، وفي ظلّ ذاكرة الحصار ثمّ الغزو الأميركي للعراق، الذي حرم هذا البلد الثري، ولأمدٍ طويل، من أن يزدهر وأن يحظى شعبه بما يستحقّ. وها هي هذه الهواجس تعود لتلاحقهم من جديد.

وفي حين تُطرح اليوم إمكانيّة إعادة عائلة “ملك الملوك” (شاهنشاه) إلى الحكم في إيران، لا ينسى الإيرانيّون كيف أسقطت الولايات المتحدة وبريطانيا حكومة محمّد مصدّق عام 1953 لأنّه حاول أن تستفيد بلاده من مزايا نفطها، على الأقل كما كانت تفعل المملكة العربيّة السعوديّة آنذاك. كما لا ينسون، في المقابل، كيف أنّ دولاً غربيّة احتضنت الإمام الخميني وتوجّهاته المتشدّدة طويلاً، إلى أن جاءت “الثورة الإسلاميّة” بكلّ ما أحدثته من تغيّرات في الواقع الإيراني وفي المنطقة. حتّى خصوم “ولاية الفقيه” يدركون ذلك جيّداً، وما زالوا يتساءلون لماذا ساهمت دولٌ غربيّة أساساً في إسقاط شاه إيران؟ وهم يخشون اليوم أن تؤدّي الحرب الحاليّة إلى تقسيم البلاد وإلى “تغيير الخرائط”.

تدفع الحرب القائمة اليوم المنطقة بأسرها إلى تحدّيات جديدة. فهل ستقبل دول المنطقة أن تنهار إيران ككيان وتتفتّت في حروب أهليّة؟ تركيا تعارض ذلك، لأنّها تدرك أنّ الدور قد يأتي لاحقاً عليها. وماذا لو تجاوزت إيران أزمة انهيارها؟ هل ستخضع لحصار طويل تمهيداً لغزو برّي بعد عقدٍ من الزمن، كما حدث في العراق؟ وهل ستدفع هذه الحرب وتداعياتها دول الخليج إلى إقامة منظومة أمن واستقرار مشتركة تكون ركيزة لأمن المنطقة برمّتها؟ أم سيستمرّ التنافس بينها بانتظار المحطّة التالية من توسّع الهيمنة الإسرائيليّة؟

الموارد العربية تُستنزف

لقد أدّى وصول الخميني إلى الحكم إلى صدمة ارتفاعٍ كبير في أسعار النفط، تجاوزت “الصدمة النفطيّة” التي أعقبت حرب أكتوبر/تشرين الأوّل عام 1973، عندما أوقفت الدول العربيّة تصدير النفط إلى الدول التي دعمت إسرائيل واستمرار احتلالها للأراضي الفلسطينيّة والعربيّة… وللقدس. وبالتزامن مع ذلك شهدت دول الخليج، بفعل هذه “الصدمة النفطيّة” الثانية، ارتفاعاً كبيراً في إيراداتها، ساهم في النهضة الواسعة التي عرفتها منذ تلك المرحلة. إلى أن استنزفت الحرب العراقيّة–الإيرانيّة مواردها، قبل أن تنهار أسعار النفط من جديد عام 1985، فتدخل معظم الدول العربيّة في أزمة ماليّة حادّة، عرفت خلالها سوريا ولبنان ومصر والأردن انهيارات ماليّة خانقة.

تلا ذلك اجتياح العراق للكويت عام 1990، وهو ما برّره صدّام حسين يومها بالأزمة الماليّة التي واجهها بعد توقّف حربه مع إيران. وهكذا بدأ أوّل تدخّل عسكريّ كبير للولايات المتحدة في المنطقة، الأمر الذي أعاد استنزاف إيرادات النفط الخليجيّة، وانتهى بانتشار غير مسبوق للقواعد العسكريّة الأجنبيّة في معظم البلدان العربيّة. ثمّ جاء الغزو الأميركي للعراق عام 2003، الذي دفع العراق إلى حرب أهليّة طاحنة، وأدّى إلى بروز تنظيم “داعش” من بين طيّات تنظيم “القاعدة”، الذي كان قد حظي في بداياته بدعم عربي كبير خلال مرحلة مواجهة الاتّحاد السوفياتي في أفغانستان. ومن جديد استنزفت الحرب الأهليّة العراقيّة، ثمّ الحروب التي أعقبت “الربيع العربي” في ليبيا والسودان واليمن وسوريا، مزيداً من الموارد النفطيّة، بعيداً عن توظيفها في تنمية بلدان الخليج والدول العربيّة الأخرى.

موارد تُستنزف، وآمال تنمية تُهدَر، في ظلّ غياب كامل لأيّ آليّة لترسيخ الأمن والتعاون الضروريَّين في المنطقة، سواء بين الدول العربيّة نفسها، مع تراجع دور جامعة الدول العربيّة، أو حتّى بين الدول الخليجيّة التي أنشأت مجلس تعاون خاصّاً بها، فضلاً عن غياب أي إطار للتعاون بين الدول العربيّة وإيران وتركيا، رغم الإرث التاريخي الطويل الذي يجمع بينها.

إيران العدو بدل إسرائيل!

لقد أدّى غياب آليّة راسخة للأمن والتعاون الإقليمي إلى انخراط كلّ دولة، على حدة، في هواجس أمنيّة متزايدة، خشيةً من تلاعب “أختها” الإقليميّة بأمنها الداخلي، وهو ما قاد إلى سباق تسلّح واسع النطاق يستنزف مواردها، ولا تستفيد منه سوى الدول المصنّعة للسلاح وشركاتها الكبرى. كما أدّى ذلك، مع الاستخدام المكثّف للتشدّد الديني والمذهبي من مختلف الأطراف، ومع توظيف الجماعات السياسيّة المسلّحة وتنظيمات ما قبل الدولة، إلى تغليب منطق الخوف على الاستقرار الداخلي وعلى السلم الأهلي، الأمر الذي ساهم في تصدير الصراعات البينيّة إلى الدول الهشّة.

التموضع ليس سهلاً بالنسبة إلى أيّ من دول المنطقة، التي كان نتنياهو وترامب يدركان جيّداً أنّها ستُجرّ، عاجلاً أم آجلاً، إلى أتون الحرب. ويبقى السؤال الآني: من سيضغط لوقف الحرب، ليس فقط على إيران، بل أيضاً على لبنان، الذي يحلم نتنياهو بأن يستعيد فيه ما فقده عندما انسحبت إسرائيل عام 2000؟ ومن سيتذكّر، وسط هذه التحوّلات، غزّة وفلسطين، حيث تستمرّ المعاناة وتتواصل الإبادة والغطرسة الإسرائيليّة؟

وكانت الدول الهشّة، اقتصاديّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً، الحلقة الأضعف بعد غزو العراق. صحيح أنّ هشاشتها ساهمت في اندلاع اضطرابات اجتماعيّة عُرفت باسم “الربيع العربي”، إلا أنّ هذه الاضطرابات كان يمكن أن تنتهي من دون حروب أهليّة، لولا تدفّق المال والسلاح إليها. والحروب الأهليّة الطويلة في اليمن والسودان وسوريا وليبيا تشكّل دليلاً واضحاً على التنافس الإقليمي المتعدّد الأقطاب، ليس فقط من قبل إيران وتركيا، بل أيضاً من قبل الدول العربيّة نفسها. وكان الخارج البعيد هو المستفيد الأكبر من هذا كلّه.

إقرأ على موقع 180  سوريا المبعثرة.. المواطنة فوق أي انتماء والعدالة قبل الثأر

وبالتزامن مع ذلك، ساد خطاب “وقف التمدّد الشيعي” في المنطقة، ما أدّى إلى تهميش التحدّي الأمني الأساسي الذي تمثّله إسرائيل، الساعية دوماً إلى التوسّع والهيمنة، ليس فقط على الدول الهشّة المحيطة بها، بل أيضاً على بقيّة دول المنطقة. كما أنّ التسارع المتفاوت بين الدول نحو “السلام الإبراهيمي” – وكأنّ المشكلة دينيّة وليست صراعاً بين دول على النفوذ – حجَب حدّة التنافس القائم بين دول المنطقة. بل إنّ طبيعة “اتفاقيّات السلام” التي عقدتها بعض الدول العربيّة مع إسرائيل تغيّرت، إذ جاءت في كثير من الأحيان بدافع الاضطرار لكفّ الأذى، فيما تحوّل التعاون الأمني مع إسرائيل إلى أداة للتنافس بين الدول الإقليميّة.

وهكذا لم تعد إسرائيل، في نظر كثيرين، الخطر الأساسي على أمن المنطقة، بل تحوّلت إلى لاعب أكبر فيها. في حين تستفيد إسرائيل من غياب منظومة أمن وتعاون عربي أو إقليمي كي تصبح اللاعب الإقليمي الوحيد المهيمن، وتسعى في الوقت نفسه إلى بناء تحالفات أمنيّة في محيطٍ أبعد من المنطقة لتحقيق هذا الهدف.

من يضغط لوقف الحرب؟

لقد تعرّض أهل غزّة الفلسطينيّون للإبادة، ودُمّرت منازلهم وأرضهم، وحُوصِر من بقي منهم في سجنٍ أصغر من قبل، من دون أي رادع إقليمي، ومن دون غضب حقيقي يوازي الغضب – غير المسلّح – الذي شهدته المنطقة تضامناً مع مصر وسوريا عام 1973. كما تتابعت الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان – الذي يشكّل، برغم انقساماته المذهبيّة، وبسبب تنوّعه تحديداً، نقيضاً للدولة العبريّة القائمة على هيمنة لون ديني واحد – من دون أي رادع. بل عوقب لبنان لأنّه قاوم، فيما يتكرّر خطاب حصريّة السلاح بيد الدولة من دون أن يبادر أحد إلى دعم الجيش اللبناني، ولا سيّما بعد الانهيار المالي الذي أصاب البلاد عام 2019 وما زال مستمراً حتى يومنا هذا.

وهكذا تدفع الحرب القائمة اليوم المنطقة بأسرها إلى تحدّيات جديدة. فهل ستقبل دول المنطقة أن تنهار إيران ككيان وتتفتّت في حروب أهليّة؟ تركيا تعارض ذلك، لأنّها تدرك أنّ الدور قد يأتي لاحقاً عليها. وماذا لو تجاوزت إيران أزمة انهيارها؟ هل ستخضع لحصار طويل تمهيداً لغزو برّي بعد عقدٍ من الزمن، كما حدث في العراق؟ وهل ستدفع هذه الحرب وتداعياتها دول الخليج إلى إقامة منظومة أمن واستقرار مشتركة تكون ركيزة لأمن المنطقة برمّتها؟ أم سيستمرّ التنافس بينها بانتظار المحطّة التالية من توسّع الهيمنة الإسرائيليّة؟

لا إجابة واضحة اليوم عن هذه التساؤلات. فالحرب الحاليّة لم تكشف بعد كلّ تداعياتها في حسابات قادة الدول ولا في الرأي العام. كما أنّ التموضع ليس سهلاً بالنسبة إلى أيّ من هذه الدول، التي كان نتنياهو وترامب يدركان جيّداً أنّها ستُجرّ، عاجلاً أم آجلاً، إلى أتون الحرب. ويبقى السؤال الآني: من سيضغط لوقف الحرب، ليس فقط على إيران، بل أيضاً على لبنان، الذي يحلم نتنياهو بأن يستعيد فيه ما فقده عندما انسحبت إسرائيل عام 2000؟ ومن سيتذكّر، وسط هذه التحوّلات، غزّة وفلسطين، حيث تستمرّ المعاناة وتتواصل الإبادة والغطرسة الإسرائيليّة؟

Print Friendly, PDF & Email
سمير العيطة

رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية؛ رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  إلى نواب لبنان: حاسبوا قبل سن تشريعات جديدة