“مشادة تاريخية” بين الفرزليين.. أديب وإيلي (2)

في الحلقة الثانية من كتاب "أجمل التاريخ كان غداً" لإيلي فرزلي نقع على مفارقات تاريخية لا تزال تتكرر في الزمن الحالي، والواضح أنها ستلقي بكاهلها على الأيام المقبلة. ما يشكل مادة سجال سياسي وصحافي اليوم هو نفسه ما كان يحتل صفحات الصحف ومحاضر الجلسات في الماضي: الطائفية، الفساد، المحاصصة، الظروف الٌإقليمية، التجديد للرؤساء، "الثورة" للبعض، يضعها آخرون في خانة الإضطرابات، حتى اسماء العائلات السياسية، تكاد تكون هي نفسها، بعد أن يذهب المورث إلى لقاء ربه ليحل محله الوارث في عملية انتقال منتظمة برغم كل الفوضى التي تحيط بالأداء السياسي اللبناني.

في الجلسة المخصصة لمناقشة مسألة التطهير القضائي ورفع الحصانة عن القضاة عام 1966، وهي الجلسة التي ركَّز فيها النائب كمال جنبلاط على ضرورة التطهير في السلطة التنفيذية أيضاً “حيث الفساد الحقيقي موجود بين رجال السياسة الذين أفسدوا القضاء وجعلوا منه مطيَّة لغاياتهم وأحقادهم السياسية ولمصالحهم المالية”، أَّيد عمِّي أديب ما ذهب إليه النائب كمال جنبلاط، وزاد عليه بالقول: “الإصلاح لا يمكن أن ينجح طالما أن الجسم المسؤول عن تحقيقه قد شُكِّل على أساس طائفي. تصوَّروا أنكم ستشكِّلون مجلساً يُطهِّر في القضاء ويُقام على أساس الطائفية. يجب أن يُشكَّل على أساس الشرف، على الكفاءة، على أساس التاريخ النظيف للموظّف الذي يقوم بعملية التطهير، وإلا ماذا يفيد؟” (…)

أحدثت رئاسة عمِّي أديب لجنة الطعون النيابية ضجة عارمة عندما طعنت في نيابة رشيد كرامي لمصلحة النائب السابق قبولي الذوق، مما أحدث اضطراباً هائلاً في طرابلس، وفي الأوساط السياسية في بيروت، رغم الصداقة الوطيدة التي نشأت في المؤتمرات السورية بين والده الدكتور ملحم فرزلي ووالد رشيد كرامي الزعيم الوطني عبد الحميد كرامي. لكن المجلس النيابي برئاسة عادل عسيران ارتأى تثبيت نيابة رشيد كرامي منعاً للمضاعفات الناشئة من عزله. كان رشيد كرامي وقتها حديث العهد في العمل السياسي، لأن نيابته السابقة في أواخر العهد الثاني لبشارة الخوري، لم تدم سوى سنتين (1951 – 1953)، لكنه لفت الأنظار بتعيينه وزيراً للعدل في حكومة عبد الله اليافي لمدة ستة أشهر فقط، لأنه كان أصغر وزير في الحكومة سنَّاً، إذ لم يكن قد بلغ الثلاثين من العمر بعد.

مجلس صغير من 44  نائباً بينهم أبرز أقطاب السياسة اللبنانية، وبعد مهزلة التجديد لرئيس الجمهورية وما أحدثت من توترات في أنحاء البلاد، كان بصداه الواسع في الأوساط الشعبية، أضخم من أي مجلس تزايد عدد أعضائه حتى بلغ اليوم 128 نائباً. (…)

كان عمِّي في ذلك المجلس يطالب بعلاقات سويَّة مع سوريا، لأن السوريين لم يتقيَّدوا بالاتفاقات التجارية المعقودة معهم كما تقيَّد بها لبنان، فطرح سؤالاً على الحكومة جاء فيه: “أسأل الحكومة، وفقاً لمنطوق المادة 68  من النظام الداخلي، وأنتظر أن تجيبني عن سؤالي: إن سوريا لم تتقيَّد بمنطوق الاتفاق بوجوب شراء منتوجاتنا كما تقيَّدنا نحن. للحكومة أن تجيبني عن سؤالي الآن أو أن تجيبني ضمن المدة القانونية”. (…)

بعد انتهاء ولاية مجلس الـ 44  نائباً في 20  آب/أغسطس 1957، ووضع قانون انتخاب جديد زيد فيه عدد النواب من 44  إلى 66  نائباً، كان واضحاً أن هناك اتجاهاً خفيِّاً داخل كواليس السلطة في بيروت نحو إبعاد عمِّي أديب عن المسرح السياسي، لشعورهم بأن رياحاً إقليمية عاتية سوف تهب في المنطقة وتصيب لبنان أول ما تصيب. ظهر ذلك جليِّاً من خلال إلغاء المقعد الأرثوذكسي في البقاع الغربي، وإعادة المقعد الدرزي. كان ذلك فعلاً متعمَّداً وفهمته عائلتنا على أنه كذلك.

 لكن تعديل قانون الانتخاب على النحو المشار اليه لم يكن كافياً لتلك الغاية، لأنه تعارض في جوهره مع “الوضع السكافي” في زحلة، حيث كان جوزيف طعمه سكاف، المرشح الكاثوليكي الأول، لمَّا يزل يتلمَّس الخطو بتعثُّر على دربه السياسي بعد وفاة والده، فكان عمِّي أديب حليفه في دورتي الانتخاب السابقتين، وكان “سراج دربه” و”عكَّازه”. وكان أن صمد تحالفهما، الأمر الذي نغَّص وأحرج الذين “طبخوا” قانون الانتخاب الجديد، فأصرَّ جوزيف سكاف على ترشيح عمِّي أديب عن المقعد الأرثوذكسي في دائرة زحلة، حيث فازت لائحة “الكتلة الشعبية” فوزاً مؤزراً رغم مداخلات غير طبيعية من حكومة سامي الصلح في ذلك الوقت، لأن ابنه السفير عبد الرحمن الصلح كان مرشَّحاً على اللائحة المنافسة.

في تلك المرحلة، حدثت تطورات إقليمية بالغة الأهمية، ما لبثت أن غيَّرت موازين القوى الداخلية في لبنان بحيث أدت إلى انفجار الأوضاع فيه انفجاراً عنفياً أطلق عليه اسم “ثورة 1958″، فكان الوضع بالنسبة إلى عائلتنا في منتهى الدقَّة، لأن الانقسام الحاصل بفعل تلك التطورات بدأ يأخذ ملامح طائفية. وهذا أيضاً يؤكد مقولة جدِّي الدكتور ملحم في عام 1951 من أن إبعادنا إبعاداً تعسُّفياً عن المسرح السياسي هو عنوانٌ لاعتلال البلاد.

قيام دولة الوحدة بين مصر وسوريا في عام 1958  أحدث دويَّاً هائلاً في المنطقة العربية كلّها، لكنه في لبنان أحدث انشقاقاً عامودياً بين اللبنانيين: فريق مؤيّد للوحدة وقيادة جمال عبد الناصر غالبيته العظمى من المسلمين، وفريق لم تكن الوحدة السورية ـ المصرية، ولا جمال عبد الناصر، مرقته خفيفة على قلوبهم وغالبيتهم العظمى من المسيحيين. كان من الصعب على أي شخص أن يتَّخذ موقفاً وسطاً أو محايداً، فاختار عمِّي أديب أن يكون في الصف الناصري على طريقته، يجاهر بتأييده، لكنه لا يذوب فيه. لم يكن ذلك الموقف لاعتبارات انتخابية، بمعنى مسايرة المسلمين الذين يشكّلون غالبية سكان دائرته، بل لأنه كان يعرف حقيقة الظروف التي أحاطت بالنشاط القومي الذي مارسه والده في زمن الانتداب، فرأى في الوحدة السورية – المصرية فرصة لإحياء مشروع قومي لم يحالفه الحظ سابقاً، مع علمه بأن المطبَّ الطائفي موجود وحقيقي، وثمَّة قوى كثيرة، عالمية وإقليمية ومحلية، تعمل على تحريكه وتمويهه بغية إسقاط مشروع الوحدة تنفيذاً لمآرب مشبوهة ومعروفة. (…)

في خضم ذلك الانقسام الوطني، سياسياً وشعبياً، وقع انشقاق مفاجىء بين عمِّي أديب وجوزيف سكاف الذي أصدر بياناً باسم “الكتلة الشعبية” يؤيد فيه التجديد للرئيس كميل شمعون ويدعم سياسته المحورية، من غير أن يسأل نواب الكتلة أو يستشيرهم، ما اضطر عمِّي أديب إلى إصدار بيان ينفي فيه معرفته بالبيان وينفي توقيعه عليه، ويؤكد أن ذلك البيان لا يمثِّل رأيه الخاص.

هكذا أصبح عمِّي أديب بطبيعة الحال في صفوف المعارضة، خصوصاً وأنه في المجلس السابق، في أثناء رئاسته لجنة الطعون النيابية، نشأ بينه وكمال جنبلاط، العضو في تلك اللجنة، نوع من الودِّ والتجانس والتلاقي في الأفكار. وإلى التقائهما في لجنة الطعون، ترافقا معاً في زيارة إلى الصين الشعبية، وكان الوفد النيابي وقتها برئاسة عمِّي أديب الذي ألحَّ على كمال جنبلاط أن يكون في عداد الوفد، وأقنعه ممازحاً بأن زيارته إلى الصين مثابة رحلة الحج بالنسبة إلى الدروز الذين يُقال إنهم يعتقدون بالتقمص في الصين!

يبدو أن كمال جنبلاط أيضاً كان يستلطف عمِّي أديب وتطيب له مرافقته. في مجلس لاحق لم يكن عمِّي أديب فيه، ألقى جنبلاط كلمة تذكَّر فيها لجنة الطعون النيابية، مشيراً إلى أن “رئيس تلك اللجنة ليس معنا هنا مع الأسف”.

شدَّ عمِّي أديب رحاله إلى دمشق لمقابلة الرئيس جمال عبد الناصر، فأشيع في زحلة أن والدي نجيب فرزلي، الأخ الأصغر لأديب فرزلي، وقف في ساحة المدينة متحدِّياً أهلها بإطلاق النار من مسدس حربي على صورة الرئيس كميل شمعون المعلَّقة فوق الشارع الرئيسي عند المحلِّ المعروف باسم “الليدو”

بعد إعلان الوحدة السورية – المصرية، ومجيء الرئيس جمال عبد الناصر إلى دمشق، زاد الاستقطاب والاحتقان في لبنان والمنطقة كلّها، وبدأت تظهر بوادر الاستعداد لصراعات مسلَّحة. بل إن كمال جنبلاط في لبنان أعلن أنه لم يعد ممكناً حسم الأمور إلاَّ بثورة مسلَّحة. بالفعل بدأت الفئات اللبنانية المتعارضة والمتصارعة تتسلَّح، ولم يعد حدوث الانفجار أمراً بعيداً، بل كان ينتظر شرارة الاندلاع. جاءت تلك الشرارة يوم 8  أيار/مايو 1958  باغتيال الصحافي المعارض المعروف نسيب المتني صاحب جريدة “التلغراف” الذي وقف ضد التجديد لبشارة الخوري، واتخذ الموقف ذاته حيال كميل شمعون.

ما إن أُعلنت “الوحدة” السورية – المصرية في شباط/فبراير 1958، حتى شدَّ عمِّي أديب رحاله إلى دمشق لمقابلة الرئيس جمال عبد الناصر، فأشيع في زحلة أن والدي نجيب فرزلي، الأخ الأصغر لأديب فرزلي، وقف في ساحة المدينة متحدِّياً أهلها بإطلاق النار من مسدس حربي على صورة الرئيس كميل شمعون المعلَّقة فوق الشارع الرئيسي عند المحلِّ المعروف باسم “الليدو”. لمَّا تأججت المشاعر بفعل التعبئة القائمة، وسريان تلك الأخبار بين الناس وتضخيمها، جاء بعض أصحاب والدي من الزحليين ونصحوه بأن يغادر المدينة مع عائلته ريثما تنجلي الأمور وتهدأ الخواطر. عمل والدي بتلك النصيحة، وغادرنا زحلة عائدين إلى جب جنين. (…)

حتى عندما انتهت أحداث 1958  التي سمّوها “ثورة”، بانتخاب قائد الجيش آنذاك اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية، بالتفاهم بين الأميركيين وجمال عبد الناصر، ظل الزحليون على وداد مع أهلنا، فأرسلوا وفداً إلى جب جنين على رأسه السيد جان عرابي، صاحب المطاعم المشهورة، ليقدِّموا اعتذارهم عما بدر من بعضهم، وطلبوا من والدي العودة إلى زحلة مع عائلته، فعاد محمولاً على الراحات. (…)

كان انتخاب فؤاد شهاب في 30  تموز/يوليو 1958  علامة فارقة في الوضع اللبناني السائد آنذاك، لأن الجيش الأميركي قام بإنزال بحري على الشواطىء اللبنانية عندما كان الجيش اللبناني ما زال تحت قيادته، ما أعطى انطباعاً بوجود منحى جديد في لبنان والمنطقة، لأن الإنزال الأميركي في لبنان جاء فور قيام الجيش العراقي بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم بثورة 14 تموز/يوليو ضد الحكم الملكي الهاشمي وتأسيس الجمهورية العراقية. وقد قيل وتردَّد أن الفرقة العسكرية العراقية التي قادها عبد الكريم قاسم كانت في طريقها إلى لبنان لدعم الرئيس كميل شمعون ضد معارضيه والثائرين عليه، باعتبار أنه ميَّال إلى “حلف بغداد”، لكنها بدلاً من ذلك هاجمت القصر الملكي في بغداد وقضت على العائلة المالكة. هذه رواية، في رأيي، من غير سند، وربما أشيعت لتضليل اللبنانيين. كذلك غير قابل للتصديق ما أُشيع عن رغبة العراق الجديد في الانضمام إلى الوحدة السورية – المصرية. لا عبد الكريم قاسم كان في هذا الوارد، ولا جمال عبد الناصر، خصوصاً بعد زيارته إلى موسكو في أعقاب الإنزال الأميركي في لبنان.

جاء اختيار فؤاد شهاب، ودعمه من الأميركيين والرئيس المصري، في سياق اتّجاه عالمي، أميركي وسوفياتي معاً لوضع المنطقة كلّها تحت الحكم العسكري وإن بصيغ مختلفة. وقد نُشرت في الصحف اللبنانية والعالمية في الستينيات مقالات شبه رسمية، في مراكز البحوث الاستراتيجية في واشنطن وموسكو، حول ما سمَّوه “دور الجيوش في العالم الثالث”.

كان النائب ريمون إده، عميد حزب الكتلة الوطنية، المرشَّح الوحيد ضد فؤاد شهاب، مع علمه بأنه لن يحصل إلا على أصوات لا تذكر، بيد أنه لم يشأ أن يكون انتخاب فؤاد شهاب بإجماع مجلس النواب أو بالتزكية، ولأنه استشمَّ رائحة حكم عسكري لا يتماشى مع طبيعة الوضع اللبناني. (…)

كان العميد ريمون إده، القطب الرابع في حكومة الأربعة التي جاءت بعد الانتفاضة المسيحية على حكومة رشيد كرامي، الأولى بعد الاضطرابات الأهلية، وندائه القائل “تعالوا نقطف ثمار الثورة”، قد أبلغ إلى عمِّي أديب أنه يعتقد بضلوع أنطون سعد إياه في اغتيال النائب نعيم مغبغب، وأنه أعرب عن اعتقاده هذا إلى الرئيس فؤاد شهاب، طالباً منه التحقيق معه في هذا الحادث، لكن فؤاد شهاب لم يحرِّك ساكناً.

في انتخابات عام 1964  اختلف الوضع قليلاً، ليس لتطورات إيجابية حدثت، بل بسبب التململ العام من الحالة الشهابية السائدة آنذاك، خصوصاً بعد الضغوط والممارسات غير العادية التي قامت بها الأجهزة الأمنية لتجديد ولاية الرئيس فؤاد شهاب، رغم التجربة المريرة في العهدين السابقين بفعل التجديد ومحاولات التجديد، حيث سقط حكم بشارة الخوري في انتفاضة شعبية وسياسية، وانتهى حكم كميل شمعون بثورة مسلحة. (…)

عندما جاء دوري لخوض هذا المعترك، كانت تلك التجربة المديدة، بحلوها ومرِّها، على طول القرن العشرين وعرضه، ماثلة أمامي أتخيَّلها وأقلِّبها على كل جوانبها أمام كل موقف وكل خيار، وسط تقلُّبات مثيرة ومرعبة، وفي ثنايا أزمنة متغيِّرة. وقد حاولت جهدي أن أعوِّض ما نقص عمِّي أديب في والدي، وأعوِّض ما نقص والدي في عمِّي أديب. قادتني هذه المشادة الذاتية الدائمة إلى فهم الجانب الأهم في تلك المسيرة الطويلة، وقوامه أن القضايا المصيرية للبلاد وأهلها أهم من أي أمر آخر. أهم من المسائل العائلية، وأهم من المناصب والمراكز، وأهم من المال حلالاً وحراماً، وفوق ذلك أهم من الأشخاص كائناً مَن كانوا. (…)

(*) الحلقة الأولى، أجمل التاريخ كان غداً: شاهد على حقبة  https://180post.com/archives/10168

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free online course