فرزلي يتذكر: هكذا تعرفت على غازي كنعان.. وهذه “إخبارية” الإسرائيلي

بين ما يبوح به كتاب إيلي فرزلي "أجمل التاريخ كان غداً"، في حلقته الخامسة أن النفوذ السوري في لبنان قديم. هو يعود، في إحدى محطاته، إلى عام 1958 حيث كان بوسع عبد الحميد السرّاج، مسؤول المخابرات المقرب من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، في زمن الوحدة بين مصر وسوريا، أن يمارس سطوة مشهودة على الحياة السياسية اللبنانية، دون أن يضطر للإعتماد على وجود سوري عسكري مباشر في لبنان.

انتهى دور السرّاج، وما أدراك ما عبد الحميد السرّاج، مع نهاية الحقبة الناصرية، لكن نائبه برهان أدهم احتفظ بصلة متينة مع النظام البعثي في سوريا، أمكن لإيلي فرزلي ان يستفيد من صداقة قديمة جمعت والده نجيب فرزلي ببرهان أدهم ليتواصل من خلاله مع الرائد (حينها) محمد ناصيف (أبو وائل)، أحد من ظلوا مقربين من الرئيس حافظ الأسد حتى رحيل الأخير في العام 2000.

مع دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976، تولى العقيد محمد غانم مسؤولية الأمن والإستطلاع، أي أنه كان صاحب الكلمة المسموعة، لم تكن الصلة بينه وبين فرزلي متينة بما يكفي ليكونا اصدقاء، لكن الأمر تبدل في الأول من يوليو/ تموزعام 1983 بحلول العقيد غازي كنعان محل محمد غانم. حيث أمكن لإيلي فرزلي أن يقيم علاقة متينة مع “الضابط الوسيم” كما يسميه، علاقة ساهمت، من دون ريب، في وصول فرزلي إلى نيابة رئاسة المجلس النيابي، وهو المنصب الأرثوذكسي الأعلى الذي تتيحه هويته الطائفية ضمن تركيبة “اللويا جيرغا” المعتمدة لبنانياً، وهي النسخة المحلية عن النظام القبلي السائد في افغانستان.

يتحدث الراوي عن فترة الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وكيف أصبحت بلدته جب جنين (البقاع الغربي) تحت الإحتلال، وهو ما اضطره إلى التواصل المباشر مع ضباط في الجيش الإسرائيلي بهدف رفع الأذى عن بعض المستهدفين إسرائيلياً من أبناء منطقته.. لم يتناول فرزلي تلك المواقف التي جمعته مع الإسرائيليين بهدف نفي تهمة التعاون مع العدو التي يرميه بها بعض من لا يكنون له الود من أبناء منطقته.. لكن حرصه على تقديم سردية الصلة الحميمة التي جمعته باللواء غازي كنعان على مثيلتها التي دفعته للتواصل مع ضباط الإحتلال بالرغم من الأسبقية الزمنية لهذه على تلك، يسعها الإيحاء بـ (والإحالة إلى) رغبة ضمنية في نفي تلك التهمة دونما حاجة إلى الإعتراف بوجودها أصلاً، وهنا يسجل له أنه أحد قلة من السياسيين يقاربون هذه القضية بدون تنكر لماضٍ مضى.

يتناول الراوي الخلافات بين أبناء الصف المسيحي الواحد؛ موقف مطران زحلة أندريه حداد الراغب في تجنيب مدينته زحلة عواقب الصدام مع المحيط؛ صراحة الرئيس الراحل كميل شمعون المشجع لخط الإعتدال والداعي لإخراج زحلة من “جرن الكبة” الذي يهدد بطحن مكوناتها؛ النزاع بين محافظ البقاع دياب يونس المدعوم من رئيس الجمهورية آنذاك، أمين الجميل، وبين مسؤول القوات اللبنانية جوزف الياس، المتكئ إلى إرث بشير الجميل بعد رحيله.

ما يثير الإهتمام في بوح إيلي فرزلي هو ذلك الدور المركب الذي اسند إلى الميليشيات المسلحة، والتوظيف السياسي لسلوكها الحربي. حيث كان صناع القرار، أو المساهمون فيه، يستثمرون ببراعة في العمل العسكري، ثم يعمدون إلى إدانته والتبرؤ منه على أول منعطف توافقي. هي لعبة سائدة ومعتمدة برع فيها السياسيون، ولعلها لا تزال معتمدة حتى اللحظة، بالرغم من تطويعها لتنسجم مع مقتضيات السلم الأهلي المزعوم.

ماذا يقول إيلي فرزلي؟

(…) كان الحاكم بأمره في دمشق وقتذاك، العقيد عبد الحميد السرَّاج، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، في عهد الوحدة، يعاونه نائبه برهان أدهم المعروف بلقبه “أبو ابراهيم”، الذي تعارف معه والدي خلال “ثورة 1958″، بصفته مفوَّضاً التعاطي في الشأن اللبناني، بعدما كان يترأس الفرع الداخلي في جهاز الاستخبارات. وكان “أبو ابراهيم” شخصية دمثة، ومحاوراً لبقاً، فتوطَّدت عرى الصداقة بينه وبين والدي، وظلَّت هذه الصداقة قائمة بينهما بعد انفصال سوريا عن مصر عام 1961.(…)

في اليوم الثالث من مجيء العقيد غازي كنعان إلى البقاع، اتصلت به فضرب لي موعداً في اليوم التالي، رافقني إليه نبيه غانم. ومبادرتي تلك كانت وليدة قناعة ترسَّخت عندي، بأنه سيكون من المتعذِّر علينا ممارسة أي نشاط سياسي في البقاع من دون إرساء علاقة وطيدة مع السوريين

أثناء تقاعده الطويل، حافظ برهان أدهم على علاقة طيِّبة مع الحكم البعثي في دمشق، كما حافظ على صداقاته القديمة. على الرغم من تقلُّب الزمان ودورة الأيام، ومع تغيُّر الأحوال والسياسات والأنظمة والأحكام في سوريا، فقد بقي “أبو ابراهيم” خيط وصل بين ما كان، وما هو كائن، وما سيكون.

في المرحلة السابقة لحرب زحلة في أواسط سبعينيات القرن الماضي، توطَّدت علاقات برهان أدهم مع اللواء محمد ناصيف، المسؤول الأمني السوري  السابق، والمستشار الدائم للنظام السوري. وربما كان أن تلاقيهما المتكرِّر في تلك الفترة يعود إلى اهتمامهما الخاص بالشأن اللبناني، ومعرفتهما الوثيقة بالأحوال والشخصيات اللبنانية خلال حربين متوازيتين: برهان أدهم خلال “صيف الدم” عام 1958، ومحمد ناصيف (أبو وائل) خلال الحرب الأهلية 1975 -1989. (…)

في مرحلة من الهدوء النسبي في لبنان عام 1976، زار والدي دمشق على موعد مع الرائد محمد ناصيف، بطلب منه، فاصطحبني معه، وكانت تلك المناسبة أول لقاء بيننا. (…)

بعدما توطَّدت علاقتي معه، وتكررت زياراتي له واللقاءات، رحت أصارحه حول بعض مقاربات غير مفهومة للمسؤولين السوريين حول الوضع السياسي اللبناني، وعدم مراعاتهم في بعض الأحيان للخصوصية اللبنانية، فضلاً عن تحالفات مثيرة للتساؤل. وفي أكثر من مرَّة، تناولت معه التجاوزات التي كان يقوم بها محمد غانم، رئيس جهاز الأمن والاستطلاع السوري في لبنان، وصارحته بأنني لم أتعرّف عليه، ولم أحاول إقامة أي علاقة معه.

كان أبو وائل يتلقَّف كل ما أقول بصدر رحب وتفهُّم تام، لكنه لم تظهر على وجهه ولسانه سوى عبارات خجولة من الأسف والمرارة. وأدركت مع الوقت، ومع التقدِّم في التجربة، أن الرائد محمد ناصيف لا يقوى على شيء حيال ما كنت أطرحه وأسهب فيه. فقد كان مغلول اليدين أمام الصلاحيات التي كان يتمتع بها العقيد محمد غانم،  وإستقلالية قراراته! (..)

من فيللا الطباع إلى مسابكي!

طوال فترة وجوده وعمله في لبنان 1976 – 1983، أقام العقيد محمد غانم في فيللا الطبَّاع في بلدة “شتورة”، فحرصت أن لا ألتقيه، ولا أن أقيم معه أيَّ علاقة. فما تسامع عنه وما راج، وكان يصلني، لم يشجِّع على ذلك. (…)

أسبابٌ شتَّى كانت وراء استبدال العقيد محمد غانم وتعيين العقيد غازي كنعان مكانه، ليس أقلُّها اضطراب حبل الأمن في “زحلة”، وما كان يدور بين “شتورة” و”تعنايل” من مناوشات وتعدِّيات، بسبب من تصرُّفات أبو أحمد إسماعيل، وهو ضابط استخبارات فلسطيني، كان من أصحاب الدهشة الرخيصة، جشعاً، رخو النفس فارغ الذمَّة، كثير الشرِّ قليل الخير. (…)

عندها أدركت دمشق، أنه بات يتوجَّب عليها “إقصاء” محمد غانم، وإحلال ضابط مجرَّب متمكِّن لتولِّي هذه المسؤولية، فاختارت العقيد غازي كنعان، الذي كان أبلى بلاءً حسناً في حمص، منتصف سبعينيات القرن الماضي، بعد “الهوجة” التي تسبَّبت فيها “جماعة الإخوان المسلمين” في مدينة حماه، فأَبعد العقيد حمص عن النار والدم، فارضاً فيها الأمن والاستقرار حتى سنة 1983، سنة تعيينه في لبنان.

سارع غازي كنعان إلى نفض الوجود السوري في البقاع من الأوزار والرزايا التي تركها محمد غانم وراءه، فاستدعى أبو أحمد إسماعيل إلى “فندق مسابكي” في بلدة شتورة، ومعه وجهاء البلدة. وبعد توبيخ وتعنيف الضابط الفلسطيني بمستطيل الكلام على الملأ، أعطاه أمراً بمغادرة المنطقة هو ومن معه من مقاتلين وأنصار، فكان له ما أراد. وما قال محمد غانم أن هذا الإجراء سيهدد حياة عشرة آلاف شخص، انقضى بهدر ساعات قليلة من وقت غازي كنعان.

في اليوم الثالث من مجيء العقيد غازي كنعان إلى البقاع، اتصلت به فضرب لي موعداً في اليوم التالي، رافقني إليه نبيه غانم. ومبادرتي تلك كانت وليدة قناعة ترسَّخت عندي، بأنه سيكون من المتعذِّر علينا ممارسة أي نشاط سياسي في البقاع من دون إرساء علاقة وطيدة مع السوريين، أصحاب النفوذ والكلمة الفصل في المنطقة. (…)

كان غازي كنعان، خلال لقائنا معه،  يُنقِّل بين يديه ورقة صفراء، يرمي عليها نظرة من زاوية عينيه، ثم يعود يحطُّ نظره عليَّ، يمسح وجهي بنظرات شعرت أنها تطرح ألف سؤال. ورحت بدوري أنقِّل نظري بين تلك الورقة الصفراء، التي تتمرجح بين أصابعه، وبين ملامح وجهه الهادئة التي لم تكن تشي بأي انفعال أو ردة فعل على ما كان يقرأه في تلك الورقة.

ناوشتني الأفكار، وداخلتني الريَب، فرحت أهجسُ من غير هواجس:

لعل في تلك الورقة “إخبارية”، عمَّا كان من أمري عندما لازمت منزلي في “جب جنين” وقت حاصرها الجيش الإسرائيلي وتمركز فيها عند احتلاله قرى البقاع الغربي… أم تراها تحمل معلومات عن والدي وعن بيتنا وعائلتنا ودورها السياسي التاريخي في البقاع الغربي؟

لكنني لم أدع تضارب تلك الأفكار يصرفني عن التركيز في الحديث والإجابة عمَّا أراد العقيد جرَّنا إلى الكلام  فيه.

بعد ساعة وخمس عشرة دقيقة وقف، ومدَّ يده وصافحنا بحرارة. فلش ابتسامة عريضة على شفتيه، وقال: “آمل أن أراكما مجدداً”.

كلمات كانت كافية لإعطائي انطباعاً بأن هذا اللقاء، الذي تقصَّدته للتعارف، لن يكون يتيماً، وأنني قد أكون في بداية علاقة ستترسَّخ. وهكذا كان. (…)

تحت الإحتلال الإسرائيلي

شاءت الأقدار أن أعيش تحت ذلك الاحتلال (الإسرائيلي) لأشهر ثلاثة، كأمر واقع بحكم الاضطرار، وشاهدتُ بعيني توتُّراته العصبيَّة وهو يتقدَّم بآلياته في جب جنين، حيث أطلق النار على مواطنين لبنانيين لمجرَّد أنهم وقفوا على النوافذ ليشهدوا ذلك الزحف الآتي اليهم ناقماً لا يرحم بشراً أو زرعاً. شقَّ الطرقات المناسبة لزحف آلياته المتسارع في الأملاك الخاصَّة غير عابىء بمصالح وأرزاق أصحابها. حمل معه لوائح بأسماء شبَّان في البلدة جاء متعمِّداً يتعقَّبهم لأنهم “مخرِّبون”، حسب تعبيرات عسكره، أي أنهم متعاونون مع المقاومة الفلسطينية التي كانت قد بلغت في ذلك الوقت ذروة انتشارها في أنحاء البقاع. (…)

أفقنا ذات ليلة على إطلاق نار كثيف من قبل القوات الإسرائيلية، الزاحفة تحت جنح الظلام، تمهيداً لتطويق جب جنين ، وقطع اتّصالها مع الخارج، وفصلها عن البقاع الشمالي فصلاً تامَّاً. (…)

لم أكن على بينة مما يجري، إلى أن جاءني بعد يومين وفد من وجهاء البلدة يطلبون مني أن نواجه الضباط الإسرائيلين المتمترسين في السراي الحكومية احتجاجاً على الأضرار التي أنزلتها قواتهم بأملاكهم ومحصولاتهم واستفاضوا في شرح مدى تلك الاضرار ومواقعها. (…)

لاحظت على قسمات وجهه (الضابط الإسرائيلي) أنه يكظم غضبه، وتوقعت أن يوجِّه إليَّ كلاماً قاسياً، أو ربما تهمة أمنيَّة، فخاطبني مباشرة بالقول: “إمَّا أنك ذكي كبير، أو حمار كبير”

كان الضابط المسؤول واقفاً في واجهة السراي يلوِّح بقضيب موحياً لمن يراه بأنه لا يتورَّع عن استخدامه. ولمَّا أصبحنا في مكتبه وجهاً لوجه، لم أدع له مجالاً لينطق بكلمة، فقلت له على الفور:

“نحن وفد نمثِّل أهل البلدة وفعالياتها، وقد جئنا إلى هنا لنعرض لكم مدى الأضرار الماديَّة التي ألحقتها قوَّاتكم بأراضينا ومزروعاتنا، ونطالبكم بأن يرافقكم مختار البلدة وأحد أعيانها في أي مهمة تتعلَّق بالأهالي، منعاً لتجاوزات يقوم بها الجنود ويعرِّض أمن وسلامة الناس للخطر”.

عندما سمع الضابط الإسرائيلي كلامي هذا، توقَّف عن التلويح بقضيبه، فهدأ فجأة وقال:

“حسناً، لكن لديَّ شرط…  سلِّمونا جميع المخرِّبين المختبئين في البلدة”.

كنَّا نعرف أن شبَّاناً عديدين في جب جنين يتعاونون مع “منظمة التحرير الفلسطينية”، وفصائل فلسطينية أخرى، لكننا كنَّا نعرف أيضاً أننا لا نستطيع تسليمهم إلى الإسرائيليين، وليس هذا بالأمر الوارد أصلاً لاعتبارات أخلاقيَّة ووطنيَّة. وإزاء هذا الموقف الحرج لجأت إلى “التحايل”، فوجَّهت إليه سؤالاً ينمُّ عن سذاجة متعمَّدة، قائلاً:

“بسيطة، أعطنا لائحة بالأسماء المطلوبة كي نحاول الإتيان بهم”. (…)

ما إن نطقت بهذه العبارة حتى اصفرَّت وجوه بعض أعضاء الوفد المرافق لي، وظهرت على ملامح بعضهم الآخر علامات الحيرة والقلق. لكن الضابط الإسرائيلي قام إلى ملف له فوق الطاولة وتناول منه ورقة احتوت أسماء المطلوبين، فدُهشت عندما سلَّمني تلك الورقة قائلاً:

“أريدهم الساعة الرابعة من بعد الظهر”، أي بعد خمس ساعات.

فور خروجنا من تلك المقابلة، انهالت عليَّ استفسارات أعضاء الوفد، وبعضهم لم يُخفِ امتعاضه مما حدث، فحاولت أن أهدِّىء من روعهم، وقلت لهم بلهجة قاطعة:

“خذوا هذه اللائحة واذهبوا إلى الأشخاص الواردة أسماؤهم فيها، واطلبوا منهم مغادرة البلدة فوراً، وسهِّلوا لهم هروبهم”. (..)

عندما دنت الساعة الرابعة من بعد ظهر ذلك اليوم، عدت إلى الضابط الإسرائيلي ومعي نصف الوفد السابق، فصرخ بصوت عالٍ، غير مصدِّق ما رأى، وقال قبل أن نصل اليه:

“أين المخرِّبون؟”

قرَّرت على الفور أن ألجأ إلى الممازحة، علَّ ذلك يكسر سمَّه، فقلت له:

“أريد منك وعداً قبل كلّ شيء بأن تقيم لي تمثالاً لأنني حلَّيت المشكلة على أكمل وجه”.

قال: “ماذا؟”

قلت: “ألا يهمكم أمنكم العسكري؟”

ردَّ بالإيجاب، فقلت له: “هرَّبتهم جميعاً، فلن يزعجكم أحد”.

قال: “كيف؟”

قلت: “هدَّدتهم فرداً فرداً بأن من يبقى منهم هنا لتهديد أمن البلدة سأسلّمه لكم تفعلون به ما تشاؤون، فغادروا البلدة جميعاً”.

لاحظت على قسمات وجهه أنه يكظم غضبه، وتوقعت أن يوجِّه إليَّ كلاماً قاسياً، أو ربما تهمة أمنيَّة، فخاطبني مباشرة بالقول: “إمَّا أنك ذكي كبير، أو حمار كبير”. (…)

كنعان وحداد: التواطؤ لمصلحة زحلة

وجدت زحلة في سيامة الأب أندريه حدَّاد، رحمه الله، مطراناً على أبرشيَّة الفرزل، وزحلة، والبقاع، راعياً حصيفاً وشجاعاً من معدن نادر، أعاد إليها توازنها، هي المحاصرة في الداخل والخارج، فأحبَّته حتى العشق.

كان المطران واضحاً وقاطعاً في هواجسه وأفكاره الوطنيَّة، فأقلقه تراجع الوجود المسيحي، وتزايد هجرة الشبَّان الذين حرمتهم الحرب حظوظهم، وتفاقم الفساد في الدولة والمجتمع، فعزم على مقاومة هذا الانحدار بهمَّة لا تلين. (…)

بمسعى مني، اجتمع المطران أندريه حدَّاد والعقيد غازي كنعان للمرَّة الأولى في “كابيلا” السيدة العذراء في زحلة، تمام الساعة الحادية عشرة قبل ظهر 21 ايلول 1983. وقد جرى اللقاء بناء على نصيحة الرائد جميل السيِّد، والعميد في الأمن العام جوزيف معرَّاوي، اللذين كانا يقولان بضرورة فتح حوار بين المطران والمسؤولين السوريين بغية تعزيز الضغوط على “القوَّات اللبنانية”، الساعية إلى التفرُّد بقرار المدينة والاستئثار بشؤونها، وهو ما رفضناه، الأسقف وأنا، على حدٍّ سواء.

كان لقاء الرجلين حميماً راعى اللياقة في الشكليَّات، واستمرَّ ساعة كاملة تطرَّقا خلالها إلى السبل الكفيلة بانفتاح زحلة على البقاع، ورفض ممارسات أحزاب محليَّة في المدينة تسيء إليها وإلى حسن الجوار.

قال المسؤول الأمني السوري للأسقف:

“لقد أحببتك وأنت الضمان الوحيد لزحلة، وأنا معك. سأنقذها كُرْمى لك. لكن عليك العمل على إخلائها من مسلّحي “القوَّات اللبنانية” و”حزب الكتائب”. هؤلاء ليسوا ممَّن يحرسون المدينة ويحافظون عليها، بل هم طُعمٌ ومصدرُ ضرر لها”. (…) ثم خاطب المطران قائلاً: “أقدِم على إزاحة الميليشيات من زحلة، وأنا أُقدِم في المقابل على إزاحة الميليشيات المضادَّة من محيطها”.

ردَّ المطران أندريه حداد: “نحن في حاجة إلى وقت لأن المسلَّحين ليسوا غرباء كي نقول لهم أن يغادروها، بل هم أبناء المدينة. سنسعى إلى إقناعهم بترك السلاح والعودة إلى الحياة المدنية. نريد أن نقنعهم بأن دور السلاح انتهى في البقاع، ونودُّ استرجاع دور الكلمة. فهي السلاح الجديد الذي نريده”.

عقّب غازي كنعان قائلاً: “إذا نفَّذتم ذلك، أقسم لك بشرفي العسكري أنني لن أسمح لأحد بدخول زحلة إلاَّ على جثتي. بعد هذا الحلِّ لن يرمي أحد زهرة عليها. سنبذل جهدنا كي نؤمِّن حلاً مُرضياً يضمن بقاءها عاصمة للبقاع. أخرِج مسلّحي الأحزاب وخذ زحلة مدينة مفتوحة تنعم بالسلام والازدهار والبحبوحة، وخذ طرقات منها وإليها، في كلّ الاتجاهات، بلا عوائق أو مضايقات”. (..)

جرى لقاء ثان مع غازي كنعان، حضره أساقفة زحلة الثلاثة وأنا، في مكتبه – وكان لا يزال في شتورة ـ وترافق ذلك مع صدور مذكِّرة عن مديرية استخبارات الجيش قضت بنقل رئيس فرع البقاع العقيد ميشال رحباني إلى بيروت وتعيين معاونه الرائد جميل السيِّد رئيساً للفرع.

عندما دخلنا عليه كان كنعان بادي الغضب، يكيل كلاماً قاسياً بحقِّ جميل السيِّد، قائلاً:

“أيَّ سلطة لبنانية هذه تسحب ضابطاً مسيحياً صاحب قرار من البقاع، وتحلُّ محلَّه ضابطاً شيعياً، فيتذرَّع سيمون قسيس بذلك لزرع متفجِّرات في المنطقة”.

بعد رميه تلك الحمم الملتهبة على جميل السيِّد، انبريت إلى تنبيهه بأن موقفه هذا بعيد عن الواقع.

قال: “كيف؟”.

قلت: “ليس هذا هو جميل السيِّد الذي تتصوَّره. ليس هذا ما يجب أن تعرفه عنه .ويبدو لنا أن ما تعرفه عن الرجل غير دقيق وغير صحيح. إنه ابنُ المنطقة وله مصلحة في استقرارها، وهو صاحب قرار، وعقل متَّزن، ورؤية بعيدة المدى، ويتمتع بمَلَكَة القراءة المبكِّرة للأحداث. إن حقيقته هي على نقيض الصورة التي رسمتها له، فهو يشكِّل استمراراً لميشال رحباني، وفي وسعه الاضطلاع بدور أقدر وأذكى وأكثر فاعلية في خدمة البقاع. نحن ننصح بإعادة النظر في رد الفعل هذا لاتضاح الصورة أكثر، ومقاربة الرجل بموضوعية أكبر”.

– كتاب “أجمل التاريخ كان غداً”، صادر عن دار سائر المشرق، بطبعته الأولى في مطلع العام 2020.

 الحلقة 1، أجمل التاريخ كان غداً: شاهد على حقبة:

 https://180post.com/archives/10168

 الحلقة 2، “مشادة تاريخية” بين الفرزليين أديب وإيلي:

 https://180post.com/archives/10266

الحلقة 3، زحلة تنتظر النجدة منذ 45 سنة:

https://180post.com/archives/10443

الحلقة 4، الماروني يلغي الثنائي الكاثوليكي ويتقرّب من بشير:

https://180post.com/archives/10552

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course