بهذا الإعلان، تحوّل مشهد الفجر في كراكاس إلى لحظة فاصلة في السياسة الدولية. على الشاشات، كان من السهل صياغة العناوين: “عودة عقيدة مونرو”، “ضربة لنظام يساري معادٍ لأميركا”، “معركة جديدة على النفط”. لكن خلف هذه اللافتات المباشرة، كما تشير مسارات سابقة في علاقة واشنطن بفنزويلا وبالعالم، تتحرك طبقات أعمق من الحسابات؛ طبقات لا تُقال كاملة في المؤتمرات الصحافية، لكنها واضحة في تتابع القرارات القانونية والمالية والعسكرية التي سبقت هذا الصباح الفنزويلي.
فالأرجح أن القصة لم تبدأ مع إقلاع أول طائرة، بل قبل ذلك بسنوات، في ممرات وزارة العدل الأميركية. في مارس/آذار 2020، وجّه الادعاء الفيدرالي في نيويورك وميامي لائحة اتهام إلى مادورو وعدد من كبار مسؤوليه، متّهماً إياهم بقيادة ما سمّاه “منظمة إرهاب مخدراتي” والتآمر لإغراق الولايات المتحدة بالكوكايين. في ذلك الوقت، بدا الأمر لكثيرين مجرد تصعيد بلاغي ضد نظام معزول، لكن تلك اللائحة كانت، في العمق، أكثر من مجرد ورقة قانونية، كانت بمثابة بنية تحتية تمهّد لأي تحرك عسكري محتمل، وتوفر له غطاءً قضائياً جاهزًا للاستخدام في اللحظة السياسية المناسبة.
بهذا الأسلوب، لم تكتفِ واشنطن بوصف مادورو بخصم سياسي أو دكتاتور؛ بل أخرجته من خانة “الرئيس غير الشرعي” إلى خانة “المتهم الجنائي” الخاضع، نظرياً، لولاية القضاء الأميركي. هنا يبرز واحد من الأبعاد الجديدة في هذه العملية. لم يعد القانون الأميركي مجرد أداة داخلية تُطبَّق على مواطنيه، بل أصبح، في تصور صانعي القرار، جزءاً من أدوات السياسة الخارجية، يسبق الصاروخ، ويُضفي على استخدام القوة سردية قانونية، الولايات المتحدة لا تُسقِط نظاماً فحسب، بل “تنفذ مذكرة توقيف” صادرة عن محاكمها.
هذا التمدد في منطق “الولاية القضائية العابرة للحدود” لا يقف عند حدود الرمزية. فمنذ إدراج كبار المسؤولين الفنزويليين على لوائح العقوبات، واعتبارهم مطلوبين في قضايا مخدرات وغسل أموال، صار واضحاً أن واشنطن تبني مساراً متدرجاً، تجميد أصول، ملاحقات مالية، أوامر ضبط، ثم، إذا لاحت فرصة، عملية عسكرية تُقدَّم على أنّها الخطوة التنفيذية الأخيرة في ملف تراكمت وثائقه لسنوات. هكذا، تتداخل لغة الادعاء مع لغة البنتاغون، في مشهد لم يعد فيه واضحاً أين ينتهي “القانون” وأين تبدأ “الحرب”.
ضربة في “الفناء الخلفي”
وما دام القانون قد فتح الباب، تولّت العقوبات المالية توسيعه. فمنذ تشديد الخناق على قطاع النفط الفنزويلي في عامَي 2019 و2020، تحولت كراكاس فعلياً إلى “منطقة حمراء” في الخرائط السرية للبنوك وشركات الشحن العالمية. لم يعد الأمر مجرد عقاب على نظام سياسي؛ بل صار اختباراً لمدى طاعة النظام المالي الدولي لإشارات واشنطن. البنوك التي تجرؤ على تمرير مدفوعات لفنزويلا تخاطر بخسارة وصولها إلى الدولار، وشركات التأمين التي تغطي ناقلات النفط المتجهة إلى موانئها تواجه عقوبات قد تُخرِجها من السوق.
في هذا الإطار، يبدو اعتقال مادورو امتداداً منطقياً لمسار سبق أنْ أعاد تعريف العلاقة بين واشنطن وخصومها، ليست المسألة فقط تجميد حسابات دولة، بل إرسال رسالة إلى كل من يفكر في الخروج من تحت عباءة الدولار. في زمن تتكاثر فيه محاولات بناء أنظمة دفع بديلة وتصفية التجارة بعملات محلية، تقول هذه العملية إنّ من يتحدّى النظام المالي الأميركي لن يدفع كلفة اقتصادية فحسب، بل قد يدفع، هو شخصياً، كلفة جنائية، إذا توفرت الظروف السياسية والعسكرية لاعتقاله.
ومع أن النفط وأمواله يظلان في القلب من هذه القصة، فإنّ اختيار التوقيت يضيف بعداً آخر. في عالم مشغول بحروب متوازية من أوكرانيا إلى غزة، ومن البحر الأحمر إلى مضيق تايوان، بدا أن فنزويلا تقف في الصف الخلفي لأزمات الكوكب. غير أنّ إدارة ترامب قررت العكس، أنّ هذه اللحظة بالذات هي الأنسب لتوجيه ضربة في “الفناء الخلفي”، لتذكير الجميع بأنّ انشغال واشنطن في مسارح أخرى لا يعني إخلاء الساحة في نصف الكرة الغربي.
ميزان قوى جديد في واشنطن
على هذا المستوى، تبدو العملية استعراضاً مقصوداً لقدرة الولايات المتحدة على العمل منفردة في جوارها المباشر، من دون الحاجة إلى ائتلافات واسعة أو تفويضات أممية. لكن على مستوى أعمق، يمكن قراءتها كنوع من “الاختبار الميداني” لنموذج التدخل الجديد، عملية مركزة، سريعة نسبياً، تقوم على مزيج من القصف الجوي والإنزال المحدود واعتقال شخصية مركزية، وتُسوَّق في الداخل والخارج على أنها امتداد لـ“الحرب على المخدرات”، أكثر من كونها حرباً على دولة.
في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أنّ قراراً بهذا الحجم يكشف الكثير عن ميزان القوى داخل واشنطن ذاتها. فمنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، عاد الخلاف القديم بين “الرئيس” و“المؤسسة” إلى الواجهة، وعاد السؤال المطروح: إلى أيّ حدّ يمكن لجهاز أمني–عسكري، جُرح من قبل بخطابات الرئيس واصطداماته، أنْ ينخرط معه في مغامرة جديدة؟ واقع أنّ هذه العملية نُفذت بهذه السرعة والدقة يوحي بأنّ جزءاً كبيراً من البيروقراطية الأمنية رأى فيها عملية مقبولة الكلفة، أو ربما ضرورة إستراتيجية، منع ترسخ محور روسي–صيني–إيراني على أطراف الكاريبي بدا، في ميزان المخاطر، أقل سوءاً من ترك فنزويلا تمضي أبعد في هذا الاتجاه.
مع ذلك، سيُطرَح على طاولة الكونغرس، في الأسابيع المقبلة، سؤال كلاسيكي بصيغة محدثة: متى وكيف أُحيط المشرّعون علماً؟ هل استوفت الإدارة متطلبات “قانون صلاحيات الحرب”، أم تجاوزت حدوده باسم “حالة طوارئ” أمنية؟ مثل هذه الأسئلة لن تبقى تقنية؛ فهي تمتحن، مرة أخرى، قدرة المؤسسات الأميركية على تقييد رئيس يميل إلى دفع حدود سلطاته في السياسة الخارجية إلى أقصاها.
رسائل اعتقال مادورو
خارج واشنطن، تترك هذه العملية صدى آخر لدى فئة محددة من زعماء العالم، أولئك الذين يعيشون بين عزلة دولية متزايدة وملفات جنائية محتملة في عواصم الغرب. على مدى عقود، شكّل مصير صدام حسين ومعمر القذافي، وقبلهما رئيس بنما مانويل نورييغا، ما يشبه “دليل مخاطر”، التنازلات لا تضمن النجاة، والتحدّي لا يضمن البقاء، والاستسلام في اللحظة الأخيرة قد لا يفتح باباً آمناً للخروج. إضافة مادورو إلى هذه القائمة، لكن تحت لافتة “الاتجار بالمخدرات” لا “أسلحة الدمار الشامل”، تربك هذه الحسابات أكثر.
فمن جهة، تُثبت واشنطن أنها قادرة على ملاحقة زعيم غير حليف، اعتمادًا على ملف من الاتهامات الجنائية العابرة للحدود، وربما على ثغرات وشركاء من داخل نظامه. ومن جهة أخرى، تبعث برسالة أوسع إلى النخب السياسية والمالية حول العالم، أنّ انكشاف شبكاتك المالية في النظام الغربي قد يتحول في لحظة ما إلى أداة ضغط شخصية، لا مجرد عامل خطر للمصارف أو الشركات المرتبطة بك. هذا يطال، ضمناً، شخصيات في دول تعتبر نفسها حليفة لواشنطن بقدر ما يطال خصومها.
وفي حين تنشغل التحليلات بمصير مادورو في السجن المحتمل، يبقى السؤال الأثقل في شوارع فنزويلا نفسها، ما الذي سيحدث داخل البلد بعد غياب الرجل الذي شكّل، لسنوات، مركز ثقل شبكة معقدة من الضباط والحزبيين ورجال الأعمال والوسطاء؟ فهذه المنظومة لا تختفي بمجرد سقوط رأسها. جزء من الجيش، وفصائل داخل الحزب الحاكم، وشبكات تهريب على الحدود مع كولومبيا والبرازيل، كلها أطراف تملك ما يكفي من السلاح والمال لتفادي الانهيار الفوري.
هنا، تبرز مفترقات طرق خطِرة، هل كانت واشنطن تراهن على انهيار سريع للنظام يفتح الباب لانتقال تفاوضي تُشارك فيه المعارضة التقليدية وحلفاء إقليميون “صديقون”؟ أم أنها قبِلت سلفاً بمخاطرة الفوضى، مع ما قد تحمله من موجات هجرة جديدة شمالاً، ومن إعادة تشكيل لخريطة تجارة المخدرات والسلاح التي تقول إنها جاءت لمحاربتها؟ في كل الأحوال، سيكون على الفنزويليين أنْ يتعاملوا مع واقع أنّ معركتهم من أجل إعادة بناء دولتهم ستخاض، مرة أخرى، في ظل أثقال خارجية ثقيلة.
القانون والمال والقوة المسلحة
وإذا كان الداخل الفنزويلي مقبلاً على مرحلة غموض، فإنّ الخارطة الإقليمية ليست أقل التباساً. ففي عواصم بأميركا اللاتينية، من برازيليا إلى مكسيكو سيتي وسانتياغو، لا يُنظر إلى مادورو بعطف كبير؛ لكن معظم هذه العواصم تحتفظ بحساسية تاريخية عميقة تجاه أي عملية تغيير نظام تأتي من الشمال. تجربة الانقلابات المدعومة أميركياً، من تشيلي في السبعينيات إلى هندوراس في العقد الماضي، تركت في الذاكرة الجماعية خوفاً من تكرار سيناريوهات مشابهة، ولو بأدوات مختلفة.
هذا يجعل موقف كثير من الحكومات اللاتينية متأرجحاً، من جهة، ارتياح محتمل لخروج نظام كان عبئاً سياسياً واقتصادياً على المنطقة؛ ومن جهة أخرى، تحفظ واضح على سابقة قد تُستخدَم غداً ضد حكومة أخرى تختلف مع واشنطن، حتى لو جاءت بصناديق الاقتراع. في هذا الفراغ، ستسعى الولايات المتحدة، على الأرجح، إلى تحويل العملية في فنزويلا إلى فرصة لإعادة صياغة منظومة أمنية–سياسية في القارة، تقوم على شراكات محورها “مكافحة المخدرات والهجرة غير النظامية”، لكنها تحمل في طياتها أدوات جديدة لضبط خيارات الحكومات في ملفّي الصين وروسيا.
في النهاية، لا يمكن فصل ما جرى فوق سماء كراكاس عن النقاش الأوسع حول شكل النظام الدولي في العقد المقبل. فبينما تُدين واشنطن غزو روسيا لأوكرانيا بوصفه انتهاكًا صارخاً لسيادة دولة مستقلة، وتنتقد ضغوط الصين على تايوان باعتبارها تهديداً لنظام “قائم على القواعد”، تختار هي أن تنفذ عملية عسكرية لاعتقال رئيس دولة خارج حدودها من دون تفويض واضح من مجلس الأمن. بالنسبة لكثيرين في “الجنوب العالمي”، تبدو هذه الصورة تأكيداً جديداً لفكرة أنّ القواعد الدولية تُفرَض حيناً، وتُعلَّق حيناً آخر، بحسب هوية الفاعل لا طبيعة الفعل.
ومع ذلك، يظل ما يميّز هذه العملية عن كثير من سوابقها أنها جمعت، بوضوح غير مسبوق، بين ثلاث أدوات في آن واحد: القانون، المال، والقوة المسلحة. فقبل أنْ تنطلق الصواريخ، كانت هناك لوائح اتهام جاهزة، وعقوبات مالية مفروضة، وشبكات مصرفية معطلة. وبعد أنْ هدأ دوي الانفجارات، بقيت ملفات القضاة والعقود التجارية وخطط إعادة هيكلة قطاع النفط الفنزويلي جزءاً من مشهد الصراع، لا أقل أهمية من الدبابات والطائرات.
بهذا المعنى، لا تبدو قصة اعتقال مادورو مجرد فصل جديد في تاريخ التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية، بل تجربة مكتملة لنموذج هيمنة محدث، نموذج لا يكتفي بإسقاط خصم أو تغيير نظام، بل يختبر كيف يمكن لدولة واحدة أنْ تمارس، في وقت واحد، دور الشرطي والقاضي والمرابي في عالم يبحث، متردداً، عن بدائل لهذا الترتيب القديم–الجديد.
