من فرنسا إلى لبنان.. بالمؤسسات والتضامن ننتصر على كورونا

حسناً فعلت الحكومة اللبنانية بأن قررت تشديد الإجراءات الصحية لمكافحة إنتشار كوفيدـ19، ذلك أن عدم انضباط اللبنانيين في ضوء ما شاهدناه مؤخراً وعدم وجود الحس الوطني الجماعي، قد يؤثران سلباً على جهود وزارة الصحة اللبنانية التي كانت بالفعل جريئة وفاعلة. لكن يبقى النظام الصحي اللبناني بحاجة الى إعادة تنظيم عصري بما يكفل لجميع المواطنين العدالة الصحية.

تسمح حالة الطوارئ الصحية الممددة حتى 24 تموز/يوليو، في فرنسا بلد الحريات، للسلطة التنفيذية ممثلة بوزارة الصحة بإتخاذ إجراءات تحد من حرية التنقل، الحجر المنزلي الاجباري، فتح مستودعات الدولة الاستراتيجية، إتخاذ إجراءات طارئة، ومن دون إجراءات روتينية إدارية، على إستعمال أدوية وتنظيم انتاجها وتوزيعها…

مثلان على ذلك، الأول، إصدار إذن بإستعمال بعض الادوية، وادارة توزيع الادوية حسب الطلب والحاجة، بمعنى وضع اليد على المستودعات والموزعين. نتج عن ذلك إمكانية أخذ الضمان الاجتماعي على نفقته كل ما يتعلق بهذا الوباء، من دون انتظار النتائج النهائية.

المثل الثاني، إعادة تنظيم المؤسسات الصحية الحكومية والخاصة، وتوجيه الاستشفاء، بما في ذلك منع اجراء عمليات جراحية غير طارئة، الأمر الذي حد  من حرية العمل.

بدأت تصلنا منذ بداية هذا الأسبوع تفاصيل عن تكلفة مبدئية للحالة الناتجة عن الوباء والاصابة بالكورونا. هذه التكلفة الاستشفائية فقط، توازي ثلاثة اضعاف تكلفة مريض الانفلونزا ومماثلة تقريبا لتكاليف معالجة السرطان بالادوية الجديدة. هذا عبء كامل تحمله الصندوق الوطني الاجتماعي. كما ان حالة الطوارئ سمحت باتخاذ قرار يضمن معالجة كل من يتواجد على الأراضي الفرنسية وخاصة الأجنبي السائح مع او من دون تأشيرة سياحية صلاحيتها أقل من ثلاثة اشهر.

بداية الأزمة

بدأ الحجر المنزلي في فرنسا في 17  اذار/مارس 2020. انطلقت معه plan blanc الذي يعطي صلاحيات كبيرة لإدارة المستشفى التنظيمية، وبدأت خلايا الأزمة بالعمل. خلال أيام، تحولت المستشفيات الى ميدان عمل مخصص لاستقبال وتنظيم عمل أقسام COVID مع ما يتطلب ذلك من تنظيم خاص ولكن مدروس. بلغت الذروة في فرنسا نهار 3 نيسان/ابريل. في هذه الفترة، شهد عالم الطب دفقاً  كبيراً من المعلومات المتضاربة وغير الخاضعة لمراقبة علمية بخصوص العلاج، مع دخول عالم الإعلام على الخط، أصبح الأطباء ينتقلون من وسيلة إعلامية الى أخرى شارحين المواقف، حتى أنني كنت في بعض الأيام أنتقل من وسيلة الى أخرى من دون توقف لإجل إعطاء المعلومات العامة. لم نكن معتادين على هذا النمط من العمل وإنما فقط على ممارسة مهنة الطب المرتكزة على حقائق علمية مثبتة.

بعد 30 يوماً من الحجر، بدأنا نتنفس الصعداء. خفّ الضغط الهائل على النظام الصحي، وبدأ المرضى بالشفاء والعودة الى المنازل او دور المسنين

استطاعت فرنسا بالفعل إحتواء الوباء في كافة المؤسسات، بفضل الحجر المنزلي، بدءا بالمؤسسات العامة، مرورا بالمستشفيات ودور الحضانة والمسنين وصولا إلى القطاع الخاص الخ، وذلك بفضل تنظيم ناجح لا سابق له. في البداية، كنّا ندخل الى غرفة المريض ونحن لا نعرف اذا كان سيخرج حياً ام لا، مع التخوف من نقص في المعدات الوقائية والطبية الخ.

بعد 30 يوماً من الحجر، بدأنا نتنفس الصعداء. خفّ الضغط الهائل على النظام الصحي، وبدأ المرضى بالشفاء والعودة الى المنازل او دور المسنين.

في هذه الفترة، سُجلت اكثر من 1000  دراسة سريرية بين علاج ولقاح. بإختصار لا يوجد الى يوم كتابة هذه الكلمات علاج خاص ناجع، إنما نتائج أولية متناقضة مع بعضها البعض، لكن ما تعلمناه في هذه المرحلة، يبقى هائلا في وقت وجيز. اختصر ذلك بالآتي:

-عاصفة التهابية حادة تودي بحياة المريض، تمت السيطرة عليها بشكل كبير سمح لنا، بتجنب قصور الرئتين، والقلب والأوعية الدموية خاصة، مع علاج خاص لها.

-عزل جميع المصابين في المنازل او المستشفيات.

-استعمال الاوكسيجين عالي العيار عند الضرورة تجنباً لوضع المرضى تحت جهاز التنفس الاصطناعي، ما ساعد على شفاء عدد كبير منهم.

-استعمال مضادات ضد العاصفة الالتهابية الحادة بشكل اضطراري قبل الدخول الى العناية الفائقة ما ساعد أيضاً في شفاء قسم آخر من المرضى.

في نفس الفترة، ظهر في فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا وأميركا، أي في الدول الصناعية متلازمة كاوازاكي التي تصيب الأطفال دون الخامسة من العمر وجميعها مرتبطة ب COVID وجرى علاج هذه المتلازمة النادرة بالأسبيرين والمضادات الجسمية. بدأ الانحسار منذ نهاية نيسان/ابريل ولم نعد نرى مصابين يدخلون المستشفيات، حتى أن عدد المرضى في العناية الفائقة قد تراجع خلال أسبوعين من 5700 مريض الى 2400 يوم السبت في 13 أيار/مايو. وحالياً هناك 21071 حالة في فرنسا من اصل 97424 دخلوا المستشفيات، أما مجموع الوفيات منذ بداية الازمة الصحية فقد أصبح 27074 حالة في المستشفيات مع زيادة 105 وفيات خلال الاربع وعشرين ساعة الماضية.

حياة طبيعية متدرجة

بدأت فرنسا تحضّر لعودة الحياة الطبيعية تمهيداً لعودة دورة الحياة الاجتماعية والاقتصادية تدريجيا منذ ثلاثة أيام. وقد وضعت السلطات احتمال موجة ثانية مع خطط حاضرة اذا اقتضى الأمر. بدأنا منذ أسبوع إقفال أقسام كوڤيد مع الحفاظ على بعض الأقسام مفتوحة او نائمة ومجهزة عند الضرورة. على سبيل المثال لا الحصر، ففي المستشفى الذي أعمل فيه، كان يوجد مائة وعشرة أسرة مجهزة لمرضى كوڤيد وعشرين سريراً في العناية الفائقة مع وجود 98 % من المرضى في الأسرة.

هذه الأزمة علمتنا دروس التضامن والتحرك المنظم والمدروس، والإبقاء على الجهوزية التامة. صحيح أن نتائج الحجر المنزلي إيجابية من الناحية الوبائية، وهو ما سمح لفرنسا، بالسيطرة على الانتشار، لكن النتائج الاجتماعية والاقتصادية والصحية والنفسية قيد الدرس والمتابعة

الى يوم كتابة هذه الكلمات، يوجد عندنا عشرة مرضى في الأقسام المجهزة للمرضى وأربعة في العناية الفائقة مع عودة ما يزيد عن سبعين بالمئة الى المنازل وعشرين بالمئة لإعادة التأهيل.

تزامناً مع ذلك، سمحت السلطات الصحية الفرنسية طبياً باستعمال تطبيق خاص للاستشارات الافتراضية عن بعد، سواء عبر الهاتف او الانترنت ولكن مع بعض الصعوبات الناتجة عن استعمال الانترنت. وسمح صندوق الضمان الاجتماعي بتعرفة طبية خاصة.

تعود الحياة الطبيعية تدريجيا إلى فرنسا مع المحافظة في كافة الأماكن العامة على الارشادات الوقائية، مع إعتماد الكمامة والنظافة، والابتعاد عن الاحتكاك بين المواطنين مع الحفاظ على مسافة اكثر من متر بين الأشخاص. طُلب من جميع المؤسسات التأقلم مع هذه الإجراءات الضرورية والإجبارية. مع الحد من الانتقال الى أكثر من مئة كلم من عنوان السكن، وهو أمر يبقى محظوراً الا عند الضرورة. ونصح أطباء الأطفال بعودة التلامذة إلى مدارسهم.

وقامت بعض البلديات بتوزيع كمامات لسكانها يمكن غسلها عدة مرات. في المدينة التي أقيم فيها، وزعت لنا البلدية كمامة لكل شخص في الوقت الحاضر. كما ان المؤسسات التجارية، توزع كمامات وتنظم دخول الزبائن وموظفيها. الكمامة ومواد غسل اليدين من مسؤولية الشركات.

تبقى قضية إستئناف الأعمال في المؤسسات، وهي متاحة لمن يستطيع عن بعد خاصة في الشركات الكبرى. كما ان الكمامة اجبارية في وسائل النقل المشترك، مع إمكانية رفض الدخول لمن لا يرتدي الكمامة وتسجيل محضر ضبط عند المخالفة قيمته 135 يورو.

إجراءات مستمرة

من جهة أخرى، تواكب السلطات الفرنسية هذا الرفع التدريجي بالإجراءات التالية:

-تحديد المشتبه بالإصابة وإجراء الإختبار والعزل اذا كان الفحص إيجابيا ومتابعة المصابين من قبل طبيب العائلة، وموظفي الضمان الاجتماعي.

-نشر الوعي الجماعي، عبر نشر عناوين المراكز والمختبرات التي تقوم بإجراء الفحص على مساحة الأراضي الفرنسية.

-وضع خيم بيضاء في ساحات المستشفيات لإجراء الفحوصات.

تبقى مضاعفات الحجر المنزلي من الناحية النفسية كبيرة على كل شعوب العالم ومنها الشعب الفرنسي. هذه النتائج قد تكون قاسية مثل كافة الحروب. الاكتئاب ومشاكل النوم والعنف الأسري وعنف الأطفال وفقدان الروابط الاجتماعية كلها ظواهر تزايدت بشكل كبير، وهذا يُشكل التحدي المقبل للمجتمع الفرنسي وللعديد من المجتمعات.

هذه الأزمة علمتنا دروس التضامن والتحرك المنظم والمدروس، والإبقاء على الجهوزية التامة. صحيح أن نتائج الحجر المنزلي إيجابية من الناحية الوبائية، وهو ما سمح لفرنسا، بالسيطرة على الانتشار، لكن النتائج الاجتماعية والاقتصادية والصحية والنفسية قيد الدرس والمتابعة.

في الختام، يمكن القول إن حالة الطوارىء الصحية ضرورية لإدارة الأزمة، وذلك في إنتظار إيجاد علاج ولقاح ناجع، غير متوفر حتى الآن، كما أن العمل المؤسساتي والتضامن ضروريان للنجاح.

(*) طبيب لبناني مقيم في فرنسا

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
free online course