الإسرائيلي “عميت” من تجنيد عملاء في لبنان إلى “حلوى الإدمان”

Avatarخاص 18022/05/2020
منذ إعتقال "عميت" للمرة الأولى في العام 1978 بتهمة تهريب مخدرات ومرة ثانية في العام 1986 بتهمة التجسس، لم تسمح الرقابة الإسرائيلية طوال ثلاثة عقود للصحافة الإسرائيلية بنشر أية تفاصيل تتعلق بمهمة هذا الرجل الذي يزنّره وحكايته الكثير من الغموض. لمناسبة مرور عشرين عاماً على تحرير الجنوب اللبناني، كتب الصحافي الإسرائيلي المتخصص بالشؤون الإستخبارية يوسي ميلمان تقريراً في "هآرتس".

من هو عميت؟

ولد “يوسيف عميت” باسم “يوسيف ليرنع” في مدينة حيفا في شمال فلسطين المحتلة في العام 1945، وقد كان والده ضابط شرطة. وفق كتاب “الجواسيس” وهو يروي 20 قضية تجسس على إسرائيل، من تأليف يوسي ميلمان وإيتان هابر، درس “عميت” في مدرسة عسكرية بالقرب من مدرسة (هريائيلي) بالقرب من الكرمل، وفي عام 1963، أنهى دورة الضباط في الجيش الإسرائيلي، وقد أمضى خدمته في عدة وحدات ميدانية حربية، ومن ضمن ذلك في وحدة “إيغوز” التابعة للقيادة الشمالية، “وقد كان ضابطا جيداً جداً”، كام يقول اللواء احتياط “أوري سمحوين” قائد وحدة (إيغوز)، وخلال خدمته في الوحدة، أصيب “عميت” (أثناء مشاركته في عملية عسكرية إسرائيلية أعقبت عملية ميونيخ الفدائية في أيلول/سبتمبر 1972 في الجنوب اللبناني) وتلقى العلاج ووجد نفسه في النهاية في وحدة استخبارات سرية جدا، هي الوحدة 504 وكانت تابعة لوحدة جمع المعلومات في شعبة  الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، ومهمتها تجنيد عملاء عرب في كل دول الجوار، أما مهمة “عميت” فقد كانت محددة بتجنيد عملاء للوحدة في منطقة الجنوب اللبناني تحديداً.

يوسي ميلمان، أحد مؤلفي كتاب “الجواسيس” نفسه، وهو متخصص بالقضايا الأمنية والإستخبارية، كتب، مقالة في صحيفة “هآرتس”، قال فيها إنه انتهى الأمر بضابط المخابرات الإسرائيلية المدعو “عميت”، في مستشفى “مِزْراع” للأمراض العقلية في شمالي مدينة عكا، في نهاية سبعينيات القرن الماضي (1978)، على خلفية قضية استخباراتية، تحظر الرقابة العسكرية الإسرائيلية تناولها في الإعلام، ويطلق عليها قضية “حلوى الإدمان”.

أما “حلوى الإدمان”، فهي “إحدى القضايا المظلمة والبشعة في تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية، وتشمل أفعالاً غير قانونية، ارتكبت بشكل منهجي، ومن شأن النشر عنها إلصاق العار بجهات عديدة في جهاز الأمن” على حد تعبير يوسي ميلمان، لافتاً الإنتباه إلى أن “عميت” طلب الخروج من الخدمة في هذه الوحدة، لكن “جهاز الأمن تخوف من جانبه ألا يحفظ السر”، فكان أن تم إتهامه بالتجسس، كما إتهم قبل ذلك بتجارة المخدرات.

وحسب ميلمان، اقترحت السلطات العسكرية الإسرائيلية على “عميت” إلغاء محاكمته إذا وافق على الدخول إلى قسم مغلق في مستشفى الأمراض العقلية. “ودخول المستشفى والضربات الكهربائية كلها كانت جزءاً واحداً من سلسلة تهديدات وإهانات مارستها الشرطة والشاباك، وبلغت أوجها في ثمانينيات القرن الماضي، عندما اتهم عميت مرة أخرى بالتجسس، وهذه المرة بسبب اتصال مع عملاء CIA، وحُكم عليه بالسجن لمدة 12 عاماً (منذ العام 1986).

يوضح يوسي ميلمان أنه يرافق قصة “عميت” منذ عشرين عاماً، وحاول النشر عنها مراراً لكن السلطات الأمنية والقضائية منعته من ذلك. السبب “هو الشعور بالعار” وليس لأسباب موضوعية، كما يقول ميلمان، والدليل أن المحكمة العليا رفضت السماح له بالنشر، مؤخراً، وذلك بعدما استمعت لإفادة رئيس “أمان”، تمير هايمان، بمثوله وحده أمام قضاة تلك المحكمة.

وقرر ميلمان أن ينشر الموضوع، استنادا إلى مقابلة أجراها مع “عميت” (75 عاما)، وإلى مقابلات أجراها مع مجموعة كبيرة من الضباط والمحامين، الذين طلبوا جميعهم عدم ذكر هوياتهم. وبرغم أن ميلمان لم يدخل إلى تفاصيل القضية التي يحظر نشرها، إلا أنه تطرق إلى تفاصيل أخرى تسلط الضوء على أساليب عمل الوحدة 504 في تجنيد العملاء ومكافأتهم.

جواسيس ومخدرات

تجند “عميت” بعد تخرجه في سلاح البحرية الإسرائيلية، لكن تبين له إنه لم يكن ملائماً للمهمة “لقد شاركت في عدة عمليات عسكرية في لبنان، ومنذ اللحظة الأولى للإبحار، كنت أتقيأ روحي. وفي نهاية الدورة، عندما عدنا من التدريب في برشلونة، قررت أن أغادر”. بعد ذلك تجند “عميت إلى وحدة حرس الحدود، ثم تم تعيينه ضابط العمليات في سرية “إيغوز”، التي كانت تنفذ عمليات في الأراضي اللبنانية بين الحين والآخر. وقال: “هذه كانت أجمل فترة في حياتي. واليوم أصبح كل شيء مختلفا. حينذاك، لم يتعين على الجندي الذهاب برفقة محام. وإذا أخذ الزملاء حذاء أو ساعة من مخربين مقتولين، لم يفتعل أحد قضية من ذلك”.

وفي العام 1972، بعد عملية ميونيخ، شارك “عميت” في عملية عسكرية في لبنان وأصيب خلالها بجروح خطيرة، لكن عندما شفي منها قرر مغادرة الجيش. وعندها التقى صدفة بقائد المنطقة الشمالية للوحدة 504، يهوشع بار تيكفا، فجنده للعمل ضمن الوحدة.

سوق المخدرات في لبنان درّ مليارات الدولارات، وكان ضالعاً فيه عدد من كبار المسؤولين اللبنانيين. وعرفت عائلات الإجرام كيفية التعاون مع الحكومة المركزية في بيروت، ومع السوريين، ومع إسرائيل أيضاً بعد احتلال الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان (1978)

ويشير ميلمان إلى أن الوحدة 504 إلى أنه في السنوات الأولى التي أعقبت قيام الكيان العبري كانت الحدود مخترقة في كلا الاتجاهين. وبرغم أن هذا الوضع سهّل تجنيد عملاء، لكنه سمح أيضا بتسلل جواسيس العدو ومهربي المخدرات إلى إسرائيل. وعمليات التهريب خدمت الوحدة بقدر معين، لأنها وفرت قصص تغطية للعملاء، لكن العلاقات بين المهربين وضباط 504 فتحت ثغرة لأعمال فساد. وانتشر ذلك في المنطقة الشمالية (مع لبنان) بالأساس”.

وينقل ميلمان عن ضابط سابق في الوحدة 504 قوله إن “الوحدة عملت في تلك السنوات المظلمة في أمور على حافة الإجرام. وعلى ما يبدو أن ضباطاً عملوا في التهريب فعلا. وينبغي أن ندرك أنه في خمسينيات القرن الماضي، لم تكن هناك مشكلة بتجاوز الحدود والانتقال إلى لبنان. وكان عمل الوحدة شديد الإغراء: كان بالإمكان استخدام معلومات استخباراتية من أجل إحضار قطيع أغنام من لبنان إلى إسرائيل وبيعه هنا. وهذا العمل، الاستخبارات والبضائع، كان متداخلاً جداً”.

يؤكد يوسي ميلمان أن “سوق المخدرات في لبنان درّ مليارات الدولارات، وكان ضالعاً فيه عدد من كبار المسؤولين اللبنانيين. وعرفت عائلات الإجرام كيفية التعاون مع الحكومة المركزية في بيروت، ومع السوريين، ومع إسرائيل أيضاً بعد احتلال الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان (1978). وكانت الوحدة 504 مطلعاً على تجارة المخدرات طوال عشرات السنين، وتعقب نقلها في أنحاء الشرق الأوسط، واستغلها لمصلحته أيضاً”.

كان “عميت” مسؤولاً عن وحدة ضمن الوحدة 504 عن منطقة ممتدة من رأس الناقورة في الجنوب اللبناني وحتى مدينة الخضيرة جنوب حيفا في فلسطين المحتلة، وعمل على “تجنيد مصادر (لمعلومات استخباراتية) جاءت من لبنان عن طريق البحر والبر”. يشرح “عميت” كيفية تجنيد هؤلاء، فيقول ليوسي ميلمان: “بالإمكان اقتراح مساعدات إنسانية، وبالإمكان مكافأة المصادر. كل شيء ممكن. ونحن نعيش في دولة إسرائيل، لكن إلى جانبها توجد دولة أخرى: دولة الاستخبارات. ودولة إسرائيل هي لا شيء قياساً بدولة الاستخبارات. وهم بإمكانهم الدخول إلى أي مكان وبإمكانهم أن يفعلوا كل ما يشاؤون”.

حلوى الإدمان.. ومستشفى مزراع

لم ينسجم “عميت” مع موشيه كريستال عندما أصبح الأخير قائداً للوحدة 504، ولذلك طلب كريستال منه الانتقال إلى المقر المركزي في تل أبيب. في البداية ـ يروي ميلمان ـ عارض “عميت”، لكنه عاد ووافق على الانتقال أملاً بنقله لاحقا من “أمان” إلى “الموساد” أو “الشاباك”. وقد رفض كريستال إبلاغه مسبقا في أي منصب سيعين، وفقط بعد أن وقع “عميت” على نموذج الحفاظ على السرية، اتضحت له المهمة، وهي العملية السرية المسماة “حلوى الإدمان”، التي يحظر النشر عن تفاصيلها حتى الآن.

يروي “عميت” أنه أدرك سريعا في عمله الجديد أنه يغوص “في الأوساخ. فقد عدت منهكاً وغاضباً من سفرات لمئات الكيلومترات، وكانت ملابسي نتنة. والتقيت مع أشخاص مشبوهين ومشكوك بهم. أردت التحرر من هذا العمل وتحدثت مع كريستال، لكنه رفض”

يروي “عميت” أنه أدرك سريعا في عمله الجديد أنه يغوص “في الأوساخ. فقد عدت منهكاً وغاضباً من سفرات لمئات الكيلومترات، وكانت ملابسي نتنة. والتقيت مع أشخاص مشبوهين ومشكوك بهم. أردت التحرر من هذا العمل وتحدثت مع كريستال، لكنه رفض. إثر ذلك توجهت إلى ضابطتين في الوحدة 504، بأن “قولا لكريستال أن يخرجني من هذه الأوساخ”.

وفقاً لميلمان، فإن طلب “عميت” بالتسرح من الخدمة، بعدما اطلع على أسرار خطيرة، أثار شكوكاً وصادف في الوقت نفسه أن ضبطت الشرطة 19 كليوغراما من حشيشة الكيف بحوزة سائق “عميت”، المدعو بوعاز يميني في تل أبيب في العام 1986. اعترف السائق خلال التحقيق بحيازة المخدرات والتجارة بها، وأنه تاجر بالأفيون أيضا في الأشهر الماضية، لكنه قال أيضا أنه فعل ذلك بعلم قائده، “عميت”، وأن الأخير كان شريكه في تجارة المخدرات، غير أن “عميت” نفى أقوال سائقه، بعد اعتقاله، في 24 آذار/مارس 1986، لكنه اعترف أنه قال لبوعاز يميني إن بإمكانه أن يفعل ما يشاء.

وتم تقديم لائحة اتهام بالمتاجرة بالمخدرات ضد يميني، بينما شملت لائحة الاتهام ضد “عميت” المتاجرة بالمخدرات وببنود تجسس، لأنه تحدث مع الضابطتين من دون أن يخول بالقيام بذلك وخلافا لالتزامه بالسرية.

واضاف ميملمان أنه في مرحلة معينة، “بعدما أدرك كريستال وأمان أن “عميت” مصر على النضال من أجل براءته، تخوفوا من أن محاكمته ستكشف معلومات تحرج الوحدة 504. وبين أمور أخرى، كان هذا السبب باتخاذ قرار الاقتراح على “عميت” إلغاء لائحة الاتهام إذا وافق على الدخول إلى مستشفى الأمراض العقلية”.

وبالإضافة إلى هذه الرواية، في “هآرتس”، كان يوسي ميلمان، قد أورد في كتابه (الجواسيس) أنه في العام 1984، تعرف “عميت” على ضابط في المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، وذلك عن طريق إبنه الذي كان يملك باراً في حيفا، المدينة التي كان ينزل فيها ضباط الأسطول السادس الأميركي، وأنه من خلال هذا التعارف، تم إستدراجه إلى ألمانيا الغربية، حيث حاول الضابط “بوب” (توم واتس) تجنيده للعمل لمصلحة المخابرات الأميركية، قبل أن يتم إعتقاله لاحقاً في تل أبيب، حيث ظل مصراً على أن الأميركيين حاولوا تجنيده ودفع أموال له لكنه رفض، مع أن يوسي ميلمان يروي في كتابه أن “عميت” إشترط على الأميركيين تأمين لجوء عائلته إلى الولايات المتحدة.

واللافت للإنتباه في رواية ميلمان أن توقيف “عميت” في آذار/مارس 1986، جاء بعد أربعة أشهر من توقيف جهاز الـ”إف بي آيه” جوناثان بولارد، محلل المعلومات الاستخبارية في البحرية الأميركية، وهو في طريقه للدخول إلى السفارة الإسرائيلية في واشنطن، لتزويدها بمعلومات، وهو إستمر موقوفاً حتى العفو عنه في نهاية العام 2015، أي بعد ثلاثين سنة من توقيفه.

وحسب كتاب ميلمان، وهو لا يقدم رواية متماسكة، فإن بعض دوائر القرار في إسرائيل حاولت مقايضة “عميت” بجوناثان بولارد، لكن تلك المقايضة، لم تكن تمتلك شروطاً واقعية.

حوالي 35 عاماً.. ولا أحد يملك رواية حقيقية لقصة إعتقال “يوسيف عميت” أو “يوسيف ليرنع” ومن ثم رميه في مستشفى للأمراض العقلية.. سوى أنها مرتبطة بقضية “حلوى الإدمان”، وهي قضية ليس مسموحاً نشر حروفها حتى الآن، بأمر عسكري وقضائي إسرائيلي. (المصادر: هآرتس، عرب 48، كتاب “الجواسيس”، 180)

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download