أزمة “كورونا” والتسليح.. تصفير ميزانية الدفاع الأميركية؟

باتت الجهود التي تبذلها الإدارة الأميركية لإنقاذ البلاد من التداعيات الاقتصادية لأزمة "كوفيد-19" والتي تلحظ تخصيص ثلاثة تريليونات دولار لهذا الغرض، تشكل مصدر قلق للبنتاغون، الذي يرى أن مثل هذه التكاليف ستؤدي إلى خفض الإنفاق الدفاعي. في مقال نشره في صحيفة "غازيتا رو" الروسية، يرصد ميخائيل خودارينوك كيف يمكن للبنتاغون التعامل مع هذا التحدي الخطير.

يعتقد البنتاغون أن العجز المتزايد في الميزانية الفدرالية يمكن أن يؤدي إلى انخفاض هائل في الإنفاق الدفاعي، ويعرض للخطر كافة المشاريع العسكرية الكبيرة والمهمة من قبيل اعادة تطوير الترسانة النووية.

الارتفاع المفاجئ في الإنفاق الفدرالي للحفاظ على الاقتصاد الأميركي الذي دمره الفيروس التاجي يجعل البنتاغون أقرب إلى النقطة التي ستتطلب منه التخلي عن أسلحته القديمة بسبب انتهاء مدة خدمتها، وشد الحزام بإحكام بدلاً من تزويد القوات المسلحة بأنظمة متطورة.

كل ذلك يثير مواجهة بين الإدارة العسكرية والكونغرس حول كيفية التصدي لهذا الوضع، فقد واجهت المحاولات السابقة لوزارة الدفاع الأمريكية لشطب الأسلحة المتقادمة، واتخاذ إجراءات أخرى لتوفير المال من أجل خطط عسكرية من بينها، على سبيل المثال لا الحصر، إغلاق القواعد العسكرية غير المستغلة بشكل كافٍ، مقاومة كبيرة من المشرعين الأميركيين.

في عام الانتخابات الرئاسية، يمكن أن تستمر هذه المواجهة إلى ما بعد العام 2021، فإذا فاز المرشح المحتمل عن الحزب الديموقراطي الأميركي جو بايدن، قد تتسارع وتيرة خفض الإنفاق الدفاعي، حيث من المرجح أن يتبع بايدن المسار الديموقراطي التقليدي، مع إيلاء اهتمام أقل لبناء القدرة الدفاعية والقوة العسكرية للولايات المتحدة.

وبعدما وافق الكونغرس الأميركي على أربعة برامج لدعم الاقتصاد، الذي يعاني من الصدمة الفيروسية، سيصل عجز الموازنة (أي الفجوة بين ما تنفقه الحكومة الأميركية وما تجمعه في الضرائب) إلى رقم قياسي يبلغ 3.7 تريليونات دولار هذا العام.

ووفقاً لمكتب الميزانية في الكونغرس، يتوقع بحلول نهاية السنة المالية الحالية (في شهر أيلول/سبتمبر) أن يُشكل الدين الحكومي (أي العجز السنوي المتراكم) 101 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.

يجادل كين كالفرت، عضو اللجنة الفرعية في مجلس الشيوخ الأميركي للدفاع عن الاعتمادات، بأن ميزانيات الدفاع كانت مضطربة حتى قبل الزيادة غير المخطط لها في العجز خلال العام الحالي، موضحاً “ليس هناك أدنى شك في أن الضغط سيزداد على كافة قطاعات ميزانيتنا الفيدرالية، بما في ذلك الدفاع”.

بالنسبة للإدارة العليا للقوات المسلحة الأميركية، تشكل هذه الأزمة المالية تهديداً حقيقياً يمكن أن يقوّض العناصر التي تُعتبر حاسمة للأمن القومي الأميركي.

أحد الأمثلة الحية على ذلك هو خطة البيت الأبيض، الموروثة من إدارة باراك أوباما، التي تشمل إنفاق مئات المليارات من الدولارات لاستبدال جميع العناصر الأساسية لمجمع الأسلحة النووية، ومن بينها بعض الرؤوس الحربية والقاذفات وغواصات الصواريخ النووية والقذائف التسيارية العابرة للقارات.

حتى الآن، ما زال هناك إجماع في الكونغرس الأميركي على دعم برنامج التحديث النووي هذا، والذي يتضمن استبدال أنظمة الاتصالات القديمة وأنظمة التحكم المسؤولة عن إدارة مكونات القوات النووية الاستراتيجية.

في العام الماضي، حاول بعض الديموقراطيين في مجلس النواب حجب التمويل لتطوير جيل جديد من الصواريخ البالستية عابرة القارات لتحل محل الصواريخ الباليستية الصغيرة من طراز Minuteman III، لكنهم استسلموا في نهاية المطاف، ونجا المشروع.

مع ذلك، تتوقع ماكينزي ايغلين، خبيرة الشؤون الدفاعية في معهد “أميركان إنتربرايز”، ماكينزي إيجلن، إمكانية إجراء مشاورات بين بعض أعضاء الكونجرس لتخفيض القوة القتالية المخططة للغواصات النووية من فئة “كولومبيا” من 12 إلى 9 قطع على الأرجح، مع الإشارة إلى أن البحرية الأميركية قدرت التكلفة الإجمالية لهذا البرنامج بـ 110 مليارات دولار، ولكل غواصة بـ6.6 مليارات دولار.

قبل بضع سنوات، وافقت البحرية الأمريكية على تأخير لمدة عامين في تنفيذ برنامج “كولومبيا”، ووفقاً لتقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس الشهر الماضي، يجب أن يتم وضع الغواصة الأولى في الخدمة عام 2031.

سينخفض عدد غواصات الصواريخ النووية إلى 10 خلال العقد المقبل، حيث سيتم سحب أسطول الغواصات الحالي من فئة “أوهايو” بشكل روتيني من البحرية.. وتفكيكه.

يقول وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر  إنّ التحديث النووي بكلفة تقترب من تريليون دولار أمر مهم للغاية بحيث لا يمكن تأجيله حتى في مواجهة الأزمة الاقتصادية.

وبحسب ما أوضح، خلال مؤتمر صحافي في الخامس من أيار/مايو الحالي، فإنّ الولايات المتحدة “لن تخاطر بالردع الاستراتيجي”، في إشارة إلى ترسانة نووية هدفها المعلن منع ضربة صاروخية نووية ضد الولايات المتحدة أو حلفائها.

لكن سياسيين أميركيين آخرين، بمن فيهم أنصار التحديث النووي، يقولون إن هذا التحديث هو هدف واضح للتخفيضات المقبلة في الإنفاق الدفاعي.

يقدر مكتب الميزانية في الكونغرس أن السنوات العشر الأولى من خطة التحديث ستكلف الخزانة الأميركية ما يقرب من 500 مليار دولار وأنه على مدى 30 عاماً ستكون التكلفة الإجمالية 1.2 تريليون دولار، بما في ذلك تكلفة الحفاظ على القوات النووية الاستراتيجية الحالية في حالة تأهب.

بشكل عام، تقترب ميزانية الأسلحة النووية التي اقترحتها إدارة دونالد ترامب للسنة المالية 2021 من 46 مليار دولار. وإذا تمكن مارك إسبر من الدفاع عن التحديث النووي، سيتعين عليه، على الأرجح، التغلب على عقبات كبيرة في تسريع القضاء على برامج الأسلحة القديمة، والتي يبقى العديد منها مرتبطاً بمصالح سياسية خاصة، تدفع باتجاه الابقاء عليها، وهو ما يدفع بالمواجهة بين المقتضيات الاقتصادية والمقتضيات العسكرية إلى نقطة متقدمة.

حتى أقدم الطائرات الأميركية لديها مدافعون أقوياء في الكابيتول هيل. على سبيل المثال، فإنّ السيناتور مارثا ماكسلي، وهي جمهورية من ولاية أريزونا وضابطة سابقة في سلاح الجو، أكدت لقادة القوات الجوية أنها ستقاتل حتى النهاية، مع انخفاض عدد طائرات الهجوم “آيه-10 وارثوغ”. وقالت إن اقتراح ميزانية البنتاغون لعام 2021 سوف “تسحب قبل الأوان من القتال” نحو 44 طائرة تم استخدامها لتوفير الدعم الجوي للقوات البرية وكانت قد دخلت الخدمة في سبعينيات القرن الماضي.

ثمة طائرات أخرى مرشحة للتفكيك وبينها قاذفة “بي-1” وطائرة هجومية من دون طيار “أم كيو-9 ريبر” التي باتت أكثر ضعفاً امام منظومات الدفاع الجوي الحديثة، بجانب مركبة القتال البري “برادلي”، والتي يمكن أن تفسح المجال لجيل جديد من المركبات القتالية، بالإضافة إلى بعض السفن الحربية البحرية القديمة.

في مواجهة هذه الضغوط، يرفض الكثيرون في الكونغرس بالفعل حقيقة أن الأزمة التي يسببها الفيروس التاجي يجب أن تبطئ الإنفاق الدفاعي. السيناتور روجر ويكر، الجمهوري من ولاية ميسيسيبي، على سبيل المثال، يدفع من أجل زيادة ميزانية البنتاغون بمقدار 20 مليار دولار.

وقال ويكر، خلال جلسة استماع في الكونغرس الأسبوع الماضي، إنه “على خلفية 3 تريليونات دولار أنفقناها على اقتصادنا، يبدو لي أن هذا قليل نسبيًا – 20 مليار دولار دولار فقط – ليعيدنا إلى حيث يجب أن نكون”.

المواجهة بين الاعتبارات الاقتصادية والدفاعية تجد صدى لدى كثيرين حول العالم، ولا سيما في المجتمع العسكري.

على سبيل المثال، يقول النائب الاول لرئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية ورئيس مجلس خبراء لجنة الدفاع في الدوما الفريق الكسندر بوروتين إن “وباء الفيروس التاجي المستجد هو مجرد عذرٍ للتفكير في ضرورة تخفيض الإنفاق الدفاعي من قبل الدول العسكرية الرائدة في العالم”، مشيراً إلى أن “الأمراض الفيروسية العالمية والكوارث الطبيعية واسعة النطاق تبسبب، بطريقة أو بأخرى، أزمات اجتماعية واقتصادية، والتي بدورها تجبر العديد من دول العالم على مراجعة برامجها الاستراتيجية ، بما في ذلك الدفاع”.

وقال بوروتين: “لا يجدر بالعسكر وبالصناعات الدفاعية الانزعاج من الحكومات، فهم موضوعيا أقل ما يعانون بين مؤسسات الدولة الأخرى”.

ويوضح “لقد درجت الصحافة العسكرية مؤخرا على إيضاح انخفاض الإنفاق العسكري على مثال الأسلحة النووية. فهذه قصة رعب مختبرة من قبل اللوبي النووي، يسهل عبرها ترك الانطباع المطلوب لدى المواطن العادي والسياسيين الجاهلين”.

ويختم قائلاً “في الواقع، بالنظر إلى المستوى الحالي لتطور الأسلحة النووية، لا تؤثر البرامج الفردية لتحديثها بشكل كبير على الحالة العامة للدفاع، بل هي محاولة لإضافة قدرات هجومية… وفي هذه الحالة، لا يسعني إلا أن أرحب بتخفيض الإنفاق العسكري من قبل أي دولة عضو في الناتو، والولايات المتحدة، بالدرجة الأولى”.

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy course download free