الحرب على إيران.. والأهداف المتناقضة بين واشنطن وتل أبيب ودول الخليج

يبدو التحالف الأميركي-الإسرائيلي متماسكاً ظاهرياً. التصريحات الرسمية تتحدث عن "شراكة استراتيجية راسخة" و"التزام لا يتزعزع بأمن إسرائيل". لكن تحت هذا السطح اللامع تتصاعد خلافات جوهرية حول سؤال واحد بسيط في صياغته ومعقد في إجابته، ما هو الهدف النهائي من هذه الحرب؟

إسرائيل، وتحديداً المؤسسة الأمنية والعسكرية فيها، تنظر إلى هذه المواجهة باعتبارها فرصة تاريخية لا تتكرر. للمرة الأولى منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 يُضرب العمق الإيراني بشكل مباشر. القيادة الإسرائيلية تريد استغلال هذه اللحظة لتحقيق ما عجزت عنه عقود من العمليات السرية والاغتيالات وفيروسات الكمبيوتر، ألا وهو إسقاط النظام نفسه، أي بما يتعدى تدمير البرنامجين النووي والصاروخي والأذرعة الإيرانية.

في المقابل، تنظر أميركا إلى الأمور بحسابات مختلفة. إدارة دونالد ترامب تتبنى نهج “الضغط الأقصى” على إيران لكنها لا تسعى بالضرورة إلى إسقاط النظام. الدرس العراقي ما يزال حاضراً في الذاكرة المؤسسية لواشنطن، فإسقاط نظام في دولة بحجم إيران وتعقيدها سيخلق فراغاً أمنياً هائلاً يجعل فوضى العراق بعد 2003 تبدو كنزهة ربيعية.

ما تريده واشنطن هو تغيير سلوك النظام الإيراني لا تغيير النظام نفسه. بعبارة أكثر دقة تريد إيران أضعف عسكرياً، مجرّدة من طموحاتها النووية، والتسليحية الاستراتيجية، غير قادرة على تهديد حلفاء أميركا في المنطقة، لكنها لا تزال موجودة ككيان سياسي يملك ما يكفي من التماسك لمنع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية أو فوضى شاملة، لكن الأهم من ذلك كله أن تتموضع إيران في منزلة استراتيجية لا تكون بالضرورة في الحضن الأميركي لكن من غير المسموح أبداً أن تكون في الحضن الصيني.

هذا الاختلاف في الأهداف ليس خلافاً تفصيلياً، بل يُترجم يومياً إلى خلافات حول قوائم الأهداف العسكرية ومدى التصعيد المقبول وشروط وقف إطلاق النار وهل كان من حق تل أبيب أن تُدمّر خزانات ومنشآت نفطية إيرانية. لذا، حين تطلب إسرائيل ضرب منشآت إضافية تتردد واشنطن، وحين تطرح واشنطن تقصير أمد المعركة تعترض إسرائيل

ومن يُراجع خطاب ترامب الأخير أمام الجمهوريين في فلوريدا، يتبين له أنه بدأ بوضع سلم النزول من على أعلى الشجرة العالية التي صعد إليها. بالنسبة للرئيس الأميركي نحن أمام معركة قصيرة وما كان يمكن تحقيقه خلال أسابيع يتم انجازه خلال فترة قياسية (10 أيام)، وقدّر أن إيران خسرت 80% من ترسانتها ولم يتبقَ لديها سوى 20%!

هنا يجب الالتفات إلى أن ترامب بنى جزءاً كبيراً من حملته الانتخابية على وعد إنهاء الحروب لا بدئها، لذا، بدأ يجد نفسه في ورطة سياسية كبيرة على مسافة ثمانية أشهر من الانتخابات النصفية. يريد ترامب “نصراً سريعاً” يستطيع تسويقه للناخب الأميركي، لكن الحروب في الشرق الأوسط لها عادة سيئة، تبدأ بوعود بالسرعة وتنتهي بمستنقعات. ولعل أكثر ما يُقلق البيت الأبيض اليوم ليس قوة إيران العسكرية، فهي محدودة مقارنة بالترسانة الأميركية، بل قدرة إيران على جعل النصر مستحيلاً، بمجرد أن يبقى النظام على قيد الحياة.

إيران.. فن البقاء تحت القصف

في طهران، يبدو المشهد مختلفاً تماماً عما تُصوّره غرف العمليات في واشنطن. فالنظام الإيراني، وبرغم الضربات العسكرية المتتالية وخسارة مرشده وأكثر من خمسين من قادته وتراكم خسائره الاقتصادية، لا يُظهر أي علامة على الانهيار الوشيك. هذا لا يعني أنه لا يتألم، بل يعني أن الألم لم يصل بعد إلى العتبة التي تُجبره على تقديم تنازلات مؤلمة.

ثمة عدة أسباب لهذا الصمود لعل أبرزها هو الآتي:

أولاً، النظام الإيراني بُني على أساس أيديولوجي يجعل من المقاومة فضيلة ومن التنازل خيانة. أربعون عاماً من العقوبات والعزلة والحروب بالوكالة خلقت ما يصفه المحللون بـ”ثقافة الصمود” التي تجعل الإيرانيين، أو على الأقل القاعدة الشعبية الموالية للنظام، أكثر تماسكاً تحت الضغط الخارجي.

ثانياً، إيران تملك ورقة استراتيجية لا يملكها خصومها، إنها ورقة الوقت. أميركا تخوض حرباً بعيدة عن أراضيها مكلفة مالياً وسياسياً ولا تحظى بدعم شعبي واسع في الداخل. إسرائيل تخوض حرباً على جبهات متعددة تستنزف مواردها. إيران في المقابل تُقاتل على أرضها ومن أجل بقائها، وهذا يمنحها قدرة تحمّل أعلى بكثير، ناهيك بوجود حلفاء في اليمن والعراق ولبنان صاروا في صلب المعركة ولو بأشكال متفاوتة من الانخراط فيها.

ثالثاً، وهذا هو الأهم، إيران تعلم أن أي تنازل سيكون أكثر كلفة من أي خسارة عسكرية. إذا قبلت وقف إطلاق النار بشروط أميركية، تفكيك البرنامجين النووي والصاروخي وتقليص قدرات الحرس الثوري ووقف دعم الحلفاء الإقليميين، فإن ذلك لا يعني فقط تراجعاً استراتيجياً بل سيعني انهيار المنظومة الأيديولوجية بأكملها التي يقوم عليها النظام.

ما تكشفه حسابات اللاعبين الثلاثة، التحالف الأميركي-الإسرائيلي، إيران ودول الخليج، هو أن هذه الحرب لا تُدار بعقل واحد ولا برؤية واحدة ولا باستراتيجية واحدة. كل طرف يخوض حرباً مختلفة عن الحرب التي يخوضها الآخر، بأهداف مختلفة وحسابات مختلفة وخطوط حمراء مختلفة. وهذا التعدد في الرؤى والأهداف هو بالتحديد ما يجعل التوصل إلى حل سريع أمراً صعباً للغاية

إلا أن صمود النظام لا يعني أنه لا يواجه مصاعب وثغرات. فالوقائع تُشير إلى أن الشرخ بين النخبة الحاكمة والشارع الإيراني يتسع. الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في السنوات الأخيرة، من احتجاجات الوقود عام 2019 إلى حركة “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022، وصولاً إلى الحراك الأخير، كشفت كلها عن مجتمع مُنهَك ومُحبَط قد لا يُترجم إحباطه إلى دعم للنظام تحت القصف، بل ربما إلى موجة جديدة من الغضب الداخلي إذا طالت الحرب وتعمّقت المعاناة، وهذا الأمر يطرح مهام عاجلة أمام النظام لتجديد نفسه أمام الفئات المحتجة فور انتهاء هذه الحرب.

إقرأ على موقع 180  العلاقات الروسية الأميركية تتدهور.. لماذا؟

هذه هي المعادلة الصعبة للقيادة الحاكمة في إيران. حرب قصيرة ينتصر فيها الخصم ستعني نهاية النظام، وحرب طويلة تستنزف الشعب قد تعني نهايته أيضاً لكن من الداخل. الخيار الوحيد هو حرب طويلة بما يكفي لإرهاق الخصم وقصيرة بما يكفي لعدم إرهاق الشعب. وهذا التوازن الدقيق يكاد يكون مستحيلاً.

الخليج.. والحياد المستحيل

لم تكن دول الخليج العربي يوماً في وضع أصعب مما هي عليه اليوم. فعلى مدى العقود الماضية بنت هذه الدول سياساتها الخارجية على معادلة بسيطة، التحالف مع أميركا للحماية من إيران ومن أي تهديد خارجي. هذه المعادلة نجحت لأن الصراع الأميركي-الإيراني بقي في منطقة “الحرب الباردة”، عقوبات وتهديدات وعمليات سرية لكن لا حرب مفتوحة.

الآن ومع اشتعال الحرب الفعلية انهارت هذه المعادلة. دول الخليج تجد نفسها مُجبرة على الإجابة عن سؤال: كيف تتجنب الحرب وهي ترخي بظلالها عليها، والأسوأ من ذلك أنها مطالبة بالانخراط بالحرب دفاعاً عن دولة كبرى كان يُفترض أن تكون حامية لها، ودفعت لها لأجل ذلك تريليونات الدولارات على مدى عقود من الزمن.

الجواب ليس بسيطاً كما يبدو. السعودية، التي أبرمت اتفاق تطبيع تاريخياً مع إيران بوساطة صينية عام 2023، لا تريد العودة إلى المربع الأول من العداء مع طهران. الرياض استثمرت سياسياً واقتصادياً في مسار التهدئة الإقليمية، ورؤية 2030 تحتاج إلى استقرار إقليمي، والحرب تُهدد كل ذلك. لكن في الوقت نفسه لا تستطيع السعودية أن ترفض طلباً أميركياً باستخدام أجوائها أو قواعدها دون أن تدفع ثمناً في علاقتها مع واشنطن.

الإمارات تواجه معضلة مشابهة لكن بتعقيدات إضافية. اقتصادها المفتوح على العالم يجعلها أكثر عرضة لتداعيات الحرب، وعلاقاتها التجارية مع إيران، برغم العقوبات، تشكل جزءاً لا يُستهان به من اقتصاد دبي. في الوقت نفسه، تملك أبو ظبي طموحات استراتيجية تتطلب شراكة وثيقة مع واشنطن وتل أبيب وإذا ظلّ النظام الإيراني على قيد الحياة ثمة إمارات جديدة في التموضع الجيوسياسي.

قطر وعُمان تلعبان دوراً مختلفاً. كلتاهما بنتا سمعتهما على الوساطة والحياد، قطر في ملفات أفغانستان وغزة، وعُمان في الملف النووي الإيراني. هاتان الدولتان قد تكونان مفتاح أي حل دبلوماسي مستقبلي، لكن قدرتهما على الوساطة تتقلص كلما تصاعد العنف.

في النهاية، ما تكشفه حسابات اللاعبين الثلاثة، التحالف الأميركي-الإسرائيلي، إيران ودول الخليج، هو أن هذه الحرب لا تُدار بعقل واحد ولا برؤية واحدة ولا باستراتيجية واحدة. كل طرف يخوض حرباً مختلفة عن الحرب التي يخوضها الآخر، بأهداف مختلفة وحسابات مختلفة وخطوط حمراء مختلفة. وهذا التعدد في الرؤى والأهداف هو بالتحديد ما يجعل التوصل إلى حل سريع أمراً صعباً للغاية..

أميركا تريد حرباً قصيرة، وإسرائيل تريد حرباً حاسمة، وإيران تريد حرباً طويلة تكفي لإرهاق الخصم، ودول الخليج لا تريد حرباً أصلاً. هذه المعادلة المستحيلة لن تُحلّ بالقوة العسكرية وحدها، بل ستحتاج إلى عوامل خارجية وربما داخلية قد تُغيّر قواعد اللعبة بأكملها.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الوالدان والأولاد.. والأثمان النفسية للأزمة الإقتصادية