لبنان: هل نحن أمام عقد ضائع من الإنهيار الطويل؟

أفضل ما يمكن أن يحدث للطبقة السياسية المسيطرة في لبنان، وهو أسوأ ما سيكون للناس، ما يسعُنا أن نُطلق عليه تسمية "الإنهيار الطويل المنخفض الشدة". وإذ يبدو ذلك من المفارقات، لكنه إنهيار يُتوقَعُ أن يمتد لعقد من الزمن أو اكثر، ويتدرج على مراحل غير قصيرة "تُفرمل" بعض إنزلاقاته القوية بين فينة وأخرى، من دون مقاربة جدية لمشاكله البنيوية. وهذا ليس بجديد على طبقة سياسية إمتهنت منذ زمن سياسة حافة الهاوية وشراء الوقت حتى تستفيد من حصول لحظة تقاطع مصالح إقليمية ما، تستغلها لإبقاء إستحواذها وإستيلائها على موارد الدولة والاقتصاد.

في السياسات والإجراءات الحكومية، ستعمل الطبقة السياسية في لبنان على اجراء مخارج تجميلية، في محاولة لإرضاء الشارع ظاهرياً، لكن جوهرها غير قابل لبلوغ أي محصلات (قانون رفع السرية المصرفية الأخير ومحاولة إعادة الأموال المنهوبة مثالاً)، وسُتخرج بعض الارانب “التقنية” من قبعاتها كهندسات الشراء التي يجريها مصرف لبنان، وستعمل الحكومة، غداً، على إستجداء المعونات وإطلاق مشروع شبكات الأمان الاجتماعي، بتمويل دولي ليحمينا من “المجاعة القادمة” (كما كتب رئيس الحكومة في صحيفة “واشنطن بوست” مؤخراً). لكن هذه الحلول التقنية، على العموم، لا تُسمن ولا تُغني عن جوع.

كل ذلك، بغرض التكيف مع هذا الإنهيار الطويل والمنخفض الشدة.

وهذا سيُعيد عمل ماكينات الخدمات الزبائنية للأحزاب والتيارات والزعماء المحليين من أهل السلطة. وشبكات الزبائنية هذه تزدهر في الأزمات وعليها، خاصة إذا تمددت الازمة ببطء. وبعض هذه الأحزاب والزعامات المحلية، ستستفيد من إنخفاض قيمة الليرة لتوزع مساعداتها المالية على المحاسيب والأنصار (20 دولاراً أصبحت تقارب الـ 100 ألف ليرة لبنانية) وكذلك العينية (كرتونة المطهرات من الكورونا والإعاشة في شهر رمضان مثالاً)، وستبعث الأحزاب أنشطتها الأهلية من جديد كالمستوصفات المحلية، وسترسل جراراتها الزراعية لفلاحة الجلول والأثلام، وربما توزع دجاجتين ورأس ماعز على الأسر.

وسَتُعزز سردية، ليست بجديدة، تحتفي وتُسوق للتضامن العائلي والأهلي، فالسياسة الإجتماعية بُنيت أساساً على تشجيع الإحسان وتصوير العمل الاجتماعي كنشاط خيري بعيداً عن منظور حقوقي لحق الناس (كل الناس) في الصحة والتعليم والحماية الإجتماعية. ولكن سنراها أكثر من ذي قبل كالطلب من المغتربين (كأنهم مقصرون) مساندة أهاليهم المقيمين وغيرها من المبادرات الأهلية التي إنطلق بعضها مؤخراً. بالتوازي، سيزدهر عمل بعض الجمعيات، دولية ومحلية، لتلعب أدواراً وتسد حاجةً مجتمعية مستجدة، لكنها ستساهم، بقصد أو عن غير قصد، بتعزيز التكيف وإطالة الازمة من غير حلِها.

هل بإستطاعتنا تصوّر وجود 25 ممثلة وممثل للناس، من رحم حِراكهم، في مجلس نواب 2022؟ هذه ليست صورة بعيدة المنال. فإذا تحققت، عندها تبدأ رحلة بناء المئة عام الثانية للبنان

ماذا سيحصل في هذا العقد؟

مع تزايد الفقر والبطالة وإنعدام الفرص، سترتفع مؤشرات الهجرة لمن إستطاع إليها سبيلاً والتي ستُصبح أصعب مع التأزم والتباطؤ الإقتصادي الحاصل في معظم دول العالم من جراء تداعيات وباء الكورونا، لكنها ستحصل. وبالتالي، سيخسر لبنان الكثير من رأسماله البشري وعقوله الشابة وناشطي وناشطات مجتمعه المدني ومنهم من شارك في إنتفاضاته. وسيهرب ما تبقى من رؤوس أمواله النظيفة ورواد أعماله.

سيكون عقداً من الإحتجاجات المتفرقة، تشتدُ أو تضعف، حسب ردة فعل “الخاسرين” من السياسات والإجراءات القادمة (تذكرون أزمة النفايات في صيف 2015، وتحركات المعلمين وغيرهم من الهيئات النقابية). وستزيد نسبة الجريمة والإضطرابات المحلية وسنتلهى بخلافات أهلية متفرقة (كتلك الدائرة حول ملكية الأراضي مثلاً)، مما يجعل قبضة الأمن أكثر شكيمة والخطاب الأمني أكثر بروزاً واللجان الأمنية في صعودٍ، كأننا أمام موت بطيء.

كيف نتجنبُ عقداً ضائعاً؟

لا أرى مساراً مع طبقة سياسية تبرع في إستغلال الأزمات للمحافظة على مواقعها ومكتسباتها وقدرتها على الإستئثار بالسلطة خدمة لمصالحها المتعددة والمتشابكة إلا عبر تكاتف مجموعات وناشطات وناشطي إنتفاضة تشرين لإعادة إنتاج سلطة بديلة. هذا يستوجب عملهم المشترك ضمن رؤية متسقة وبرنامج عمل يتفقون عليه ويعملون لتحقيقه، من ضمن الوسائل الدستورية المتاحة، مثل العودة الكثيفة للساحات والتظاهر الواسع. وكذلك التنظيم والعمل الجماعي والمباشر من الآن حتى الإنتخابات البرلمانية القادمة في 2022. فإذا صحّت الإحصاءات الأخيرة التي أشارت إلى أن 22 % من الناس سيقترعون لوجوه جديدة من الثورة، فهذا يؤشر إلى ارتفاع مهم بالمقارنة مع نسبة ما حققته لوائح ما سمي بإئتلاف “المجتمع المدني” في إنتخابات 2018 والتي شكلت 5 % من مجموع الأصوات على مساحة لبنان. بالطبع هذه الأرقام بحاجة إلى تدقيق لكن يمكن الإنطلاق منها والبناء عليها.

هل بإستطاعتنا تصوّر وجود 25 ممثلة وممثل للناس، من رحم حِراكهم، في مجلس نواب 2022؟

هذه ليست صورة بعيدة المنال. فإذا تحققت، عندها تبدأ رحلة بناء المئة عام الثانية للبنان.

ناصر ياسين

أستاذ السياسات والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download