حين أختارُ أن أموتَ وحدي.. ما هذا الأحمد ترمس؟

"هل تريد أن تموت وحدك أم مع من هم معك؟". كان الرد سريعًا وحاسمًا: "وحدي".

برغم إصرار من كانوا معه على البقاء إلى جانبه، خرج مسرعًا، استقلّ سيارته، وأدار المحرك مبتعدًا عن المنزل. تعمّد أن يتوقف بعيدًا عن بيوت القرية خشية أن يصيبها أذى. لم تمضِ سوى لحظات حتى أطلقت طائرة مسيّرة صاروخين باتجاه السيارة، فكانت النهاية… واستُشهد أحمد وتناثر جسده.

ليست هذه حبكة فيلم أو مشهدًا دراميًا متخيّلًا، بل واقعة شهدها لبنان قبل أسبوع. بطلها أحمد ترمس، ابن بلدة طلوسة، والتهمة المعلّبة: الاهتمام بأبناء بلدته بالتنسيق مع حزب الله.

***

أحمد ترمس وإلى جانبه صورة ابنه الشهيد حسن ترمس

لا أدري لماذا أوجعني واخترقني هذا الاغتيال بعمق يفوق غيره، وأعاد إلى السطح أحزانًا ظننتها خمدت مع الأيام. الحرب على لبنان في العامين المنصرمين سلبتني توأم روحي، أختي الكبرى، وصهرها، وحفيديهما، وهما ما زالا في عمر الطفولة، كما غيّبت كثيرين من الأقارب والأحبة.

لم أكن أعرف أحمد ترمس، ولم أسمع باسمه من قبل. لكن كلما قرأت عن قصته، تتدافع الأسئلة في رأسي، توقظني من نومي، وأعرف أن لا إجابات عليها، لكن ثقل إلحاحها يؤرقني…

ما الذي شعر به حين تلقّى اتصالًا يُبلغه بموعد اغتياله، ويمنحه خيار أن يموت منفردًا أو مع من يجالسهم؟ بأي ثبات تلقّى الخبر، وبأي سرعة حسم قراره أن يتحمّل المصير وحده كي لا يعرّض من حوله للأذى؟ كيف واجه إصرار زوجته ومن معه على مشاركته اللحظة نفسها؟ ماذا جرى في قلوب عائلته حين أدركت أن الفراق بات وشيكًا، وأنه يسير إلى موت محتوم؟

كيف تمكّن من مغادرة المنزل فورًا، مدركًا أن أي تأخير قد يعرّضه للتدمير فوق رؤوس ساكنيه؟ وكيف قاد سيارته والطائرات المسيّرة تحلّق فوقه على علو منخفض، وهو يعلم أن النهاية تلاحقه؟ ما الذي دار في خاطره في تلك الدقائق الأخيرة، وهو ينتظر قدره؟ وكيف رأت عائلته المشهد حين انقضّت المسيّرات وحوّلت السيارة إلى كتلة نار؟ وماذا بقي من جسده ليُوارى في تراب قريته؟

***

الأسئلة كثيرة وتبدأ بـ”كيف” و”لماذا”، لكنها تصبّ في سؤال أكبر: إلى متى يستمر مسلسل الاغتيالات بأشكاله المختلفة؟ وإلى متى تبقى إسرائيل خارج أي مساءلة، متحرّرة من التزاماتها، ضاربة بالمواثيق الدولية عرض الحائط؟

في كل مرة، تبرّر إسرائيل عملياتها بأنها دفاع عن النفس في مواجهة حزب الله، وهو خطاب يجد من يصدّقه ويروّج له، في الخارج كما في الداخل. لكن تجاهل حقيقة البيئة الاجتماعية للمقاومة لا يُغيّر من الواقع شيئًا؛ فالسلاح ليس وحده ما يصنع حزباً أو تنظيماً، بل أيضًا الناس الذين ينتمون إلى قراهم ومدنهم في البقاع والجنوب والضاحية الجنوبية.. وفي كل لبنان.

التجارب السابقة تُظهر أن تفكيك البُنى العسكرية لا يعني بالضرورة اقتلاع التنظيم من جذوره. ما حدث مع منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان بعد اجتياح العام 1982 كان نتيجة ظروف مختلفة، إذ جرى إجلاؤها من بيروت إلى دول عربية عدة، لكن أبناء هذه القرى والمدن اليوم هم لبنانيون في أرضهم، لا يمكن ترحيلهم من جغرافيتهم.

ويبقى السؤال مفتوحًا على احتمالات قاتمة: هل يُراد للمنطقة الجنوبية أن تعيش في دوامة دائمة من الدم، أم أن لحظة ما ستأتي يُستعاد فيها الحق بالحياة… والقرار الأخير؟

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  معركة سراقب... صدمة تركية واهتمام اسرائيلي
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  بوتين ودوغين.. والحلم الإمبراطوري الكبير