سلاح حزب الله.. تسليم أو نزع أو تحوّل؟

منذ انطلاقة انتفاضة "17 تشرين 2019"، يدور سجال في "أروقة" الانتفاضة حول كيفية التعامل مع سلاح حزب الله. ارتفعت أصوات داعيةً للربط بين التحركات الشعبية ومطلب "نزع" السلاح، وقوبلت بأصوات تدعو إلى فصل الحركة الاحتجاجية بمضمونها الاقتصادي والاجتماعي عن هذه المسألة. بمعنى آخر، الاكتفاء بانتقاد دور وموقع حزب االله في المنظومة السياسية، من دون استهداف سلاحه.

للوهلة الأولى، بدا أن وجهة النظر الثانية هي التي غلبت وطبعت خطاب أو خطابات الانتفاضة. لكن وجهة النظر الأولى حافظت على مكانتها في الجدل، في الشارع وعلى الشاشات والمنابر الإعلامية المختلفة. ولعل أداء حزب الله وسلوكه تجاه الانتفاضة هو الذي ساعد، في مكان ما، على بقاء وجهة النظر الأولى في مرتبة متقدمة من أجندة النقاش.

مع بدء التحضير لما يسمى بـ”الانتفاضة الثانية”، في يوم 6 حزيران/يونيو 2020، لم يكتف بعض أقطابها في استمرار طرح موضوع السلاح على أجندة النقاش، بل حاولوا وضعه على جدول أعمال الانتفاضة. بغض النظر عن نجاح أو فشل المحاولة، وعن دوافعها ومحركاتها، وعن احتمال نسفها للحد الأدنى من التماسك بين قوى الانتفاضة ذات الطبيعة غير المتجانسة، تبقى الحقيقة أن أي دينامية معارضة لسلاح حزب الله داخل “انتفاضة 17 تشرين” ستقابل بدينامية مؤيدة له ومدافعة عنه، داخل الانتفاضة ومن خارجها، تحديداً من قبل بيئة وجمهور الحزب.

وبدل أن يقتصر المشهد على احتجاج اجتماعي قادر على أن يكون جامعاً، سيتكوّن مجدداً من “شارع مقابل شارع”؛ مع نتائج معروفة سلفاً: فشل جديد للانتفاضة، وإعادة التهويل بخيار الحرب الأهلية التي لا مصلحة لأحد في إعادة اندلاعها. وكل ذلك على وقع تجاذب أميركي ـ إيراني، سيقدّم كل طرف فيه مصلحة لبنان وسكان لبنان على مذبح مصالحه الخاصة.

ما الحل إذاً؟

قد يستحيل، بكل أسف، انتظار أن يجد اللبنانيون مخرجاً لكل هذا السجال. لم يظهر اللاعبون السياسيون في هذا البلد مهارتهم في ابتكار الحلول بقدر براعتهم في مفاقمة المشاكل وتأزيم الوضع، أي وضع.

بدل الخيار الطوعي الذي لم يبد حزب الله استعداداً لاتخاذه، وبدل منطق الإلزام، يمكن اللجوء إلى فعل توافقي، يتمثل في تحوّل سلاح الحزب، من إطار منظمة عسكرية غير رسمية تولت مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في مرحلة اتسمت بغياب الدولة وبعجزها عن حماية الجنوب والجنوبيين، إلى قوة عسكرية رسمية

منذ انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، ارتفعت أصوات لبنانية تطالب بـ”تسليم” حزب الله لسلاحه مع إنجازه مهام التحرير. ومنذ صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي في أيلول/سبتمبر 2004، هناك مطالبة بـ”نزع” سلاح الحزب. كانت النتيجة انقسام لبناني ـ لبناني حاد. موقف الحزب واضح: لن يسلّم سلاحه، و”ستُقّطع” يد من يحاول نزعه.

بين ضفتي “التسليم” و”النزع”، يمكن لطريق ثالث أن يشق نفسه، مستلهماً مما سبق أن طُرِح خلال مناقشات متواضعة حول الاستراتيجية الدفاعية للبنان. بدل الخيار الطوعي الذي لم يبد حزب الله استعداداً لاتخاذه، وبدل منطق الإلزام، يمكن اللجوء إلى فعل توافقي، يتمثل في تحوّل سلاح الحزب، من إطار منظمة عسكرية غير رسمية تولت مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في مرحلة اتسمت بغياب الدولة وبعجزها عن حماية الجنوب والجنوبيين، إلى قوة عسكرية رسمية، من خلال إدماجها في الجيش اللبناني، ضمن صيغة لا يستحيل تبريرها وتمريرها، مهما كبرت التعقيدات الطائفية والمالية. طبعاً، سيتطلب ذلك، تنازلات من الجميع. تنازلات أيديولوجية بالدرجة الأولى من قبل حزب الله (على صعوبتها). وتنازلات سياسية من قبل قيادة الحزب، أي قبولها أخيراً بتحول قرار الحرب والسلم إلى قرار حكومي لبناني. وتنازلات طائفية من قبل هذه الطائفة وتلك، لأن إدماج عناصر المقاومة في الجيش سيؤدي حتماً إلى خلل في التوازنات الطائفية داخله. تنازلات مالية، أي أن تجد الدولة وسيلة لزيادة موازنة الجيش بما يلبي المصاريف الجديدة (من دون حسابات طائفية ضيقة)، وهو ما يتناسب كلياً مع الحفاظ على استقلالية السياسة الدفاعية اللبنانية.

وحدها هذه الصيغة، إنْ تحقق التوافق حولها، ستُخرج لبنان من معضلة النقاش بين من ينظر إلى سلاح حزب الله بوصفه “سلاح مقاومة” ومن ينظر إليه باعتباره “سلاحاً غير شرعي”. والصراع السياسي الفعلي يجب أن يكون، لا بين أصحاب تلك النظرتين، إنما بين من يريد استمرار معضلة عمرها 20 عاماً، ومن يأمل بالخروج منها، انسجاماً مع المصلحة الوطنية العليا للبنان، وبما يبدد هواجس الأمن بوجه التهديدات الإسرائيلية، وهواجس السيادة بوجه التدخلات الخارجية المختلفة.

(*) أستاذ في الجامعة اللبنانية

نبيل الخوري

أستاذ في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free