هل ينجح ترامب في تحويل “محنة” الاحتجاجات إلى “منحة” انتخابات؟

لم تكن حادثة مقتل جورج فلويد في 25 أيار/ مايو 2020  في مدينة مينيابوليس في ولاية مينسوتا في وسط غرب الولايات المتحدة، معزولةً عمّا سبقَ من حوادث مشابهة، أو منفصلةً عمّا سيأتي من وقائع مماثلة، ذلك أنّ فلويد الذي لقي حتفه خنقاً بعدما جثا على رقبته شرطيٌ أبيض لثماني دقائق وستِ وأربعين ثانية كانت كافية لأنْ يلفظ أنفاسه الأخيرة، جاء قتلهُ على هذا النحو البشع والمُغرق في الساديّة، محطة مأسويّة إضافيّة من سياق مطوّل فرضه بشرٌ ظالمون في تمييزهم الأخلاقي بين بعضهم البعض من خلال لون البشرة أو مسقط الرأس.

مهرَ هذا السياق الأميركي على وجه الخصوص: المعاملة السيئة للسود بناءً على افتراضٍ مبدئيّ ويقينيّ  بسوء سلوكهم الأخلاقي والمدني. فقد سبق أن قتل الشرطي دان ويلسون الفتى مايكل براون (18 سنة) في 9 آب/ أغسطس  في مدينة فيرغسون ولاية ميزوري سنة 2014  بستّ رصاصات كاملة، تبيّن لاحقاً أنّ واقعة القتل هذه، لم تكن بسبب سرقته لعلبة سجائر كما أشيع وقتها في وسائل الإعلام الأميركيّة، وإنّما لقيام فتى ميزوري بتوقيف السيارات والتسلّل بينها سريعاً، ورفضه الانصياع لأمر الشرطي بالتوقف بُعيد مشادّة كلامية حادّة، لاذَ على إثرها مايكل براون بفرارٍ مكلّفٍ للغاية أفقده حياته.

ومن اللافت قراءة السياق غير منفصلٍ عن توابعه ولواحقه، فقد أدّى إلى هذا العنف المفرط من قبل هذا الشرطي العنصري، معقوداً بما تقوله الإحصائيّة التالية: نسبة السود في فيرغسون بلغت 68% من السكان، بينما المفارقة الكبرى تشير إلى أنّ 94% من عناصر شرطة تلك المدينة هم من البيض فقط!

أرقام ومفارقات

ثمة بعض النسب الرقميّة  نشرها “مكتب تعداد الولايات المتحدة” و”المركز الوطني لإحصائيّات التعليم” و”مكتب إحصائيّات وزارة العدل” و”مكتب إحصاءات العمل”، تدعو إلى التأمل والتريّث، وتُساعد المراقب عن بعد في فهم البنية السياسيّة لليمين عموماً، وتفكيك مقاربته في تسويق خطابه العنصري خصوصاً نحو البيض في الولايات المتحدة، من أجل حثّهم على استشعار “الخطر” العرقي الذي يحاصرهم، ويهدّد وجودهم “الجمالي” و”الحضاري” في بلاد “الأحلام المُحقّقة”… فقد انخفضت نسبة البيض في أميركا من 80% سنة 1980 إلى 66% سنة 2008، مقابل ارتفاع عدد الهيسبانيك (المهاجرون من أصل لاتيني وإسباني)  من 6% إلى 15% في السنة ذاتها (2008)، فيما بقيت نسبة السود مستقرّة عامذاك بنسبة 12%.  ومن المتوقع أنّ يصبح عدد البيض ممّن هم دون 18 سنة في عام 2030 أقليةً قياساً بتزايد عدد السود، وإحجام البيض عن “التكاثر”، بلّ إنّ البيض بعامةٍ سوف يصبحون أقليةً سنة 2042!

في المقابل هنالك تقارير أخرى تتحدّث عن أنّ نسبة الأطفال السود ممّن يعيشون في فقر مدقع 37%، يليهم  أطفال الهيسبانيك بنسبة 27%، ثم الأطفال الآسيويون بنسبة 11%، ويأتي في الأخير الأطفال البيض بنسبة 10%.

أما عدد العاطلين عن العمل من السود فهم ضعف عددهم من البيض. ويتقاضى العمال السود أقل مما يتقاضاهُ العمال البيض بنسبة 20%!

أمّا قضائياً، فمن بين كل عشرة سود تجاوزوا الثلاثين من العمر، هنالك واحد منهم يوجد في السجن.

ومن المحتمل أن يدخل السجن كل أسود يبلغ من العمر 19 سنة، تحت أيّة تهمةٍ كانت، بنسبة 32%، وتتناقص إلى 17% بين الهيسبانيك، وتنحدر هذه النسبة إلى أن تصل إلى 6% بين البيض.

يتمّ الحكم بتغليظ العقوبات الجنائيّة الصادر في حق المذنبين السود بنسبة 20%، قياساً بالأحكام الصادرة في حق المذنبين البيض.

علاوةً على ذلك، فإنّ الأسود في أميركا أكثر عرضةً للتوقيف من قبل الشرطة لأسباب مختلفة وشبهات متعدّدة بخمس وسبعين مرةً من الأبيض.

تربوياً، يتمّ فصل الطلاب السود من المدارس في كافة الأطوار بثلاثة أضعافٍ قياساً بالطلاب البيض.

بيد أنّ المخيف هو تلك الإحصائيّة التي تقول أنّ 48% من الأميركيين يكرهون السود من دون أن يصرّحوا بذلك علانيّةً سنة 2008، وارتفعت النسبة إلى 51% بحلول سنة 2012!

سياسياً، يعترف الرئيس الأميركي باراك أوباما في مذكراته (أحلام من أبي: قصة عرقٍ وإرث) بأنّه تعرّض للمعاملة السيئة أكثر من مرة بسبب لون بشرته في حياته. وليس أدلّ على ما قال من العنوان الذي اختاره لمذكرات حياته.

مكسب ترامب الوحيد

في عام 1863 أصدر الرئيس الأميركي ابراهام لنكولن (1809-1865) “إعلان تحرير العبيد”، ودفع أثماناً مكلّفة لقاء هذا الإعلان. وكان لنكولن ينتمي إلى الحزب الجمهوري؛ وهو ذاتهُ الحزب الذي ينتمي إليه ترامب. غير أنّ ترامب لم يستفد من هذه المزية البتة، ولم يعمل على توظيفها كما ينبغي لسياسي متوسط الذكاء أن يفعل، من أجل احتواء الاحتجاجات وتحويلها إلى منصة لإعادة بناء شعبيته المنهارة بسبب تعامله السلبي مع فيروس كورونا… بلّ على العكس  من ذلك تماماً، ينظر ترامب إلى ولاية مينيسوتا حيث قتل جورج فلويد، باعتبارها ورشة عمل إحدى أبرز خصومه اللُدّ: النائبة الديموقراطية إلهان عمر، وربما يعتبر شعبها الذي صوّت على إلهان، عدوّاً للقيم الأميركيّة بالضرورة!

بعض الأحداث العنيفة التي قام بها محتجون من شأنها أن تغيّر مسار الكثير من الناخبين في أميركا

تركَ دونالد ترامب فرصة “تسويق”  حزبه (الحزب الجمهوري) بناءً على انتماء رئيس يُعدّ رمزاً لكل الأميركيين، وآثر أن يُشبع نهمه في الانتقام من ولاية “أنجبت” سياسياً “عدوّته”، بلّ إنّ محلّ إقامة إلهان عمر كان منيابولس التي قضى فيها فلويد، ولطالما ساق ضدّ هذه “العدوة” المفترضة حملات شعواء لا تليق برئيس دولةٍ عظمى، يكنّ كل هذا العداء لنائب (ة) برلمانيّة لا تزال في بداية عمرها السياسي!

والحال أنّ ترامب قد فوّت على نفسه فرصةً ذهبيّة التقطها غريمهُ السياسي جون بايدن، وانخرط بغباءٍ شديد في انتقاد المحتجين وعمل على وصفهم في تغريدة لهُ على موقع “تويتر” بـ “الرعاع والفشلة” داعياً ولاية نيويورك إلى “استدعاء الحرس الوطني”.

لكن وفي المقابل، فإنّ بعض الأحداث العنيفة التي قام بها محتجون من شأنها أن تغيّر مسار الكثير من الناخبين في أميركا، وإذ إنّها محدودةٌ نسبياً، فإنّها قد تفيد في تدارك ما يمكن أن يصبح عقاباً انتخابياً ضد ترامب،  فتفشيّها وغياب الضابط الوطني، أو نجاح الإعلام في الاستثمار في انحرافاتها، من شأنه أنْ يعزّز الطرح اليميني أكثر ويوقظ الكثير من المشاعر الكارهة للسود، والتي من الممكن الإبقاء على سباتها طالما كان هنالك صواباً (لباقةً) سياسياً (Political correctness) مفيداً، ومزاجاً عاماً يعكس نوعاً من التضامن الوطني حيال مأزقٍ أخلاقي كبير تشهده الولايات المتحدة هذه الأيام، جعل منها محطّ أنظار العالم كله، بحيث سحبت الفضيحة (مقتل جورج فلويد) الأضواء من الفصيحة (جائحة كورونا).

لكنّ الخبر الطريف القادم، طرافة لا تجلب الابتسام أو تطلب التسلّي، والذي من شأنه أن يساعد ترامب/ المحظوظ  في الاستفادة من فرصة أخرى، كما نجا من أربع قضايا إفلاس مرّ بها في حياته التجاريّة والتي يعتبرها البعض عندنا تحت وطأة الجهل المركب: ناجحة، هو أنّ موسم الأعاصير قد لاح في أرض العمّ سام، وبالتالي هناك إمكانيّة لتحويل المحن الاجتماعية والطبيعيّة إلى منحٍ انتخابيّة وسياسيّة، ذلك أنّ الفوضى وانفلات الأمن يخدمان اليمين، والطبيعة والكوارث تُطعم النسيان.

ضيف حمزة ضيف

كاتب وصحافي جزائري

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free