عقوبات ترامب تطال “حفيد” أميركا!

Avatar18016/06/2020
بات مألوفاً في السياسة الأميركية أن تفرض العقوبات على "الأعداء"... لكن ما حدث بالأمس تجاوز كل حدود المنطق: اجتمع وزير الخارجية مايك بومبيو ووزير الدفاع مارك إسبر ومستشار الأمن القومي روبرت أوبراين والنائب العام وليام بار لتعيين عدوّ جديد للولايات المتحدة واعلان حرب العقوبات ضده.

لا يتعلق الأمر بسوريا أو إيران أو روسيا أو الصين، فالعدو الجديد هو المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. طالت العقوبات الأميركية ممتلكات وأصول عدد من موظفيها، الذين باتوا مدرجين كغيرهم من “المارقين” على قائمة حظر الدخول إلى الأراضي الأميركية.

تكمن المفارقة في أن المحكمة الجنائية الدولية هي حفيد الولايات المتحدة، وطفل عولمتها، وأحد عناصرها لتقويض السيادة الوطنية، وأداةً لطالما لجأت إليها الإدارات الأميركية المتعاقبة للتدخل في الشؤون الداخلية لدول العالم أجمع.

ولدت المحكمة الجنائية الدولية من رحم النظام الأحادي الذي حاولت الولايات المتحدة فرضه على العالم، غداة انهيار الاتحاد السوفياتي. في العام 2002، بعد أربع سنوات من “الحمل” الإجرائي، أبصرت هذه الهيئة القضائية الدولية النور، للتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في البلدان التي يكون نظامها القضائي “غير راغب أو غير قادر” على إجراء تحقيق خاص به.

المفارقة الأكبر هنا، أن الولايات المتحدة تعاملت مع المحكمة الجنائية الدولية باعتبارها “طفلها غير الشرعي”، حين رفضت التصديق على نظام روما الأساسي (معاهدة إنشاء المحكمة الجنائية الدولية)، وإن كانت إدارة باراك أوباما قد تعاونت معها بدرجة أو أخرى، لتحقيق أهداف سياسية باتت معروفة للجميع.

يبدو أن هذا الطفل قد كبر، وتحول إلى “ابن عاق”، حين قرر ملاحقة أبيه غير الشرعي، من خلال فتح تحقيق في جرائم القوات الأميركية في أفغانستان.

بدأت هذه الإجراءات في آذار/مارس الماضي، فجاء الرد الأميركي سريعاً، حين هدد مايك بومبيو مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية بعقوبات في حال مضيا قدماً في التحقيق بالجرائم المنسوبة إلى الجنود الأميركيين.

بالأمس، أصبح جميع موظفي المحكمة المشاركين في هذه التحقيقات، وكذلك عائلاتهم، على قوائم العقوبات.

“نحن لسنا سعداء لمعاقبتهم، ولكن لا يمكننا السماح لموظفي المحكمة الجنائية الدولية وعائلاتهم بالمجيء إلى الولايات المتحدة للتسوق أو السفر داخل بلدنا، أو أن يتمتعوا بالحريات الأميركية في الوقت الذي يحاول فيه هؤلاء الموظفين ملاحقة المدافعين عن هذه الحريات نفسها”، قال بومبيو في معرض تعليقه على العقوبات، مضيفاً “لا يمكننا أن نقف غير مبالين إزاء الطريقة التي يتم من خلالها تهديد مواطنينا بمحاكمة غير قانونية”.

البيت الأبيض، وصف من جهته تحقيق المحكمة في الملف الأفغاني بأنه “اعتداء على مواطنين أميركيين وتعدٍّ على السيادة الأميركية”.

أما المدعي العام الأميركي وليام بار فذهب أبعد من ذلك، حين استحضر “البعبع” الروسي لتبرير القرارات العقابية، فاعتبر أن روسيا تتلاعب بالمحكمة الجنائية الدولية، من دون أن يوضح ماهية هذا التلاعب، أو تقديم ادلة عليه.

امتداداً لما سبق، تحدث بومبيو عن المستقبل المرعب للجنود الأميركيين، في ما يمكن اعتباره اعترافاً رسمياً بجرائمهم: “رسمياً، سيكون المواطنون الأميركيون في خطر حقيقي، حتى مع عدم اعتراف الولايات المتحدة باختصاص المحكمة الجنائية الدولية، تخيل أن جندياً أميركياً أو بحاراً أو طياراً أو ضابطاً بحرياً أو ضابطاً استخباراتيًا ذهب مع عائلته لاستجمام على شاطئ أوروبي. خلال السنوات العشرين الماضية، دافع هذا الجندي بشجاعة عن أمريكا في  قندهار، وقتل الإرهابيين… ثم، فجأة، تتحول العطلة إلى كابوس: شرطة هذا البلد الأوروبي تحتجز الجندي بتهم سياسية. النتيجة المحتملة هي احتجاز زوج أو زوجة حامي الحرية، وحرمان الأطفال من أمهم وابيهم، وكل ذلك بمبادرة من بعض المدعين العامين من هولندا”.

يبدو المستقبل الذي وصفه مايك بومبيو، للوهلة الأولى، غريباً. في الدول الأوروبية ليس ثمة من يجرؤ على اعتقال جنود أميركيين، لا بل أن لائحة الاتهام نفسها يُستبعد صدروها من دون موافقة تأتي من واشنطن.

ما يؤكد ذلك ان الموقف الأوروبي من العقوبات المفروضة على موظفي المحكمة الدولية لا تزال باهتة، وقد لا تخرج عن السياق التقليدي الذي غالباً ما يتبدى في بيان بيروقراطي أوروبي يتضمن تعبيراً عن “قلق بالغ”، كما فعلت كل من فرنسا وسويسرا، أو في أفضل الأحوال التأكيد على استمرار دعم المحكمة الجنائية الدولية، بدلاً من الرد بخطوات حاسمة على فرض العقوبات، كما فعلت هولندا.

الخطوة الأميركية لاقت بطبيعة الحال من سارع إلى مباركتها –  إسرائيل، التي لم توقع بدورها على نظام روما الأساسي، والتي تقع جرائمها بحق الفلسطينيين على مرمى نظر المدعين العامين للمحكمة الجنائية الدولية. وزير الخارجية الإسرائيلي غابي أشكنازي هنّأ ترامب  على فرض عقوبات ضد المحكمة الجنائية الدولية.

الموقف الإسرائيلي جاء تعبيراً عن الامتنان أكثر منه التأييد، لا سيما أن العقوبات، وفق ما أكد سياسيون أميركيون، سيتم تطبيقها على مسؤولي المحكمة الدولية الذين يحققون ليس فقط في القضايا المتصلة بالولايات المتحدة، بل الموجهة أيضاً ضد حلفائها، وهو ما شدد عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حين اعتبر أن “هذه المحكمة مسيسة، منشغلة بمطاردة إسرائيل والولايات المتحدة والديموقراطيات الأخرى التي تحترم حقوق الإنسان”، وأنها تصرف النظر في المقابل عن “أخطر منتهكي حقوق الإنسان في العالم، بما في ذلك النظام الإرهابي في إيران”.

ومع ذلك، فإن منتقدي قرار ترامب كانوا أكثر من مؤيديه. على رأس المنتقدين يقف ناشطو حقوق الإنسان الذين يتهمون الرئيس الأميركي بـ”محاولة حرف الانتباه عن عدم قدرة الإدارة الأميركية على استعادة النظام في وكالات إنفاذ القانون التابعة لها”، على حد تعبير إليزابيث إيفانسون، نائبة مدير برنامج العدالة الدولية التابع لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”.

حتى الساسة الأميركيون وصفوا القرار بأنه “مخيب للآمال”، باعتبار أنه “يقوض شرعية العقوبات الأميركية كأداة للنهوض بحقوق الإنسان، وكذلك دور الولايات المتحدة في الحفاظ على سيادة القانون”، حسبما قال ستيفن بومبر، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي في عهد باراك أوباما.

من المؤكد ان كثيرين ضمن النخبة السياسية الاميركية يدركون أن الهيمنة العالمية لا تعتمد على حاملات الطائرات، ولكن على الأفكار، ولا سيما تلك المتصلة بالعولمة ومؤسساتها وأدواتها (صندوق النقد الدولي، الدولار، والنيوليبرالية، التجارة الحرة واقتصاد السوق)، والتي امكن لقادة الولايات المتحدة استخدامها جيداً ضد منافسيهم وفي الوقت ذاته الدفاع عن أميركا من التهديدات التي تشكلها العولمة.

لا يعرف ترامب كيفية القيام بمثل هذا التوازن ولا يريد ذلك، ونتيجة لذلك، فإن هذه المؤسسات والأدوات الخاصة بالقيادة العالمية الأميركية تطير واحدة تلو الأخرى إلى سلة مهملات التاريخ… وربما تلحقها القيادة الأميركية إلى هناك.

عن صحيفة “فزغلياد” الروسية (بتصرف)

Avatar

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download