صراع الممرات.. الشرق الأوسط في قلب اللعبة الكبرى

صراع الخرائط والممرات محتدمٌ اليوم، جغرافياً وسياسياً، في منطقة تشغل قلب العالم، بما تختزنه من إرث حضاري ومادي ومعنوي: من الموقع الجغرافي، الذي يمتد بين محيطات وسلاسل جبلية وما بينها من خطوط مواصلات وتقاطع ممرات، إلى ما يختزنه باطنها وسطحها من خيرات دفينة ومعلومة؛ النفط والغاز والطاقة الهوائية والثروات الطبيعية وتقاطع الطرقات. وإذا ما أضفنا إليهم التاريخ المتنقل بين الحق والأمم والحضارات والأديان فسنصبح على واقع، بقدر ما هو غنيّ، بقدر ما هو معقّد وغير مستقر؛ فمنطقة الزلازل لا تستقر على فالق واحد بل تتعدد وتتنوع؛ بعضها محلي وكثيرٌ منها خارجي، إن بالواسطة أو بالمباشر.

حجم التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة وتشهدها، ليست بالأمر المستجد أو الطارئ بل هو مستدام ومزمن، بفضل كثرة المتطلعين إلى الهيمنة والساعين إليها؛ فطريق الحرير والخيرات ومسارات الغزوات المتبادلة والرحلات البحرية الذي وصل منها أو الذين تاهوا وسقطوا في البحر أو وطئوا أرضاً لا دراية لهم بها… وُجدت مع وجود الجغرافيا، فخطّت حوافر الخيول مساراتها واتجاهاتها؛ لم تهدأ أو تستقر بعد وإن تبدلت الوسائل والأقوام.

حرب النفوذ والممرات كانت المدماك الأول لتعبيد طريق الغرب نحو الشرق: ماجلان دار دورته نحو الشرق فإذا به يلف العالم وهو لا يدري، فتاه وضاع وقضى نحبه. والرحلات المتلاحقة والمستمرة منذ أمد بعيد كانت الخطوة التي حفّزت الغرب للاستيلاء على الشرق، مع كل ما يلزم ذلك، بالرغم من التيه الذي أوصلهم إلى الشواطئ الغربية فاعتقدوها الهند ولم يدروا إلّا بعد حين. ثم توالت الهجرات والغزوات: أُبيدت الشعوب الأصلية وأصحاب الألوان “غير الشقراء” لمصلحة استعمار جديد حكمته تناقضات أركانه. فبين اللغات الانكليزية والفرنسية والإسبانية ضاعت لغات السكان الأصليين وحضاراتهم وسال الدم حدّ الركب فتوزعت البلدان على مصالح مستعمرين وفدوا من الضفة الشرقية للأطلسي وأقاموا دولهم وفرضوا سياساتهم. ليعودوا مجدداً، بحلة جديدة، بعد الحرب الأولى لبعثرة العالم وتوزيعه فكانت البدايات التي تلتها أحداث وتبدلات. وها هو التاريخ يعيد تجربته الأولى لكن باتجاهات متعاكسة المنطلقات والمصالح والقوى.

الممر الهندي” هو الذي جرى توقيعه من الولايات المتحدة والسعودية والإمارات والهند وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي على هامش قمة العشرين التي عقدت في نيودلهي في أيلول (سبتمبر) 2023، كمذكرة تفاهم لإنشاء ممر اقتصادي، يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا. كان الممر، بأساسه، الردّ الواضح والصريح على مشروع “الحزام والطريق”، وكان، بجوهره وأهدافه، “ممراً” لتطبيع العلاقة بين السعودية والكيان الصهيوني، وإرساء أهم ركائز بناء “الشرق الأوسط الجديد“.

تبقى الولايات المتحدة الأميركية هي القائد الفعلي للمشروع الذي يُكرّس الشرق الأوسط منطقة نفوذ لها، بعيداً عن الطموحات الصينية والروسية وغيرها؛ فالأميركي يتعامل مع حلفائه في المنطقة كأدوات مؤقتة ضمن خرائط مصالح متحركة، وهذا ما يحاول تثبيته في حروبه المتكررة كما في حربه القائمة اليوم مع إيران بالإضافة إلى تثبيت معادلة “انتصار إسرائيل” على الجميع وبالتالي على الجميع في المنطقة تحمّل النتيجة والقبول بها وبنزع أي سلاح يُمكن أن يُشكّل تهديداً لإسرائيل، سواء أكان من دول أو حركات مقاومة

“عملية طوفان الأقصى” (7 أكتوبر 2023) في جزء أساسي منها، جاءت في إطار السعي إلى إسقاط هذا المشروع، وذلك لأسباب تتعلق بالأبعاد السابقة الذكر الاقتصادية وانعكاساتها على إعادة تكوين المنطقة بشكل مغاير، تحديداً في فلسطين وسوريا ولبنان، على كل المستويات العسكرية والسياسية، والتي تخفي في أبعادها وأهدافها صراعاً اقتصادياً شرساً، ما انعكس تحولاً استراتيجياً، وبالتحديد في التطورات الذي شهدتها الساحة السورية، أي سقوط النظام السابق، بالإضافة إلى تراجع حضور معظم حلفاء إيران، وهو التحوّل الأكثر خطورة وأهمية، إن لناحية التداعيات أو الأدوار المطلوبة.

محورية الدور الايراني تتمظهر من خلال الاتجاهات المؤثرة في العديد من ملفات المنطقة؛ فالنفوذ الايراني، المكتسب من طبيعة الدور والموقع الجغرافي وأيضاً من التحولات الإقليمية ولا سيما الانسحاب الأميركي من العراق أولاً ومن أفغانستان بطريقة مذلّة، أو بالحضور الإيراني المباشر أو غير المباشر في الإقليم، وصولاَ إلى الملفات التي تؤذي الأميركي أو تحرجه.

لقد دأبت السياسة الإيرانية على التعاطي البراغماتي مع الأحداث من دون الاستعجال في حرق الأوراق والمراحل فتجدها على خطوط المتناقضات وعليها تُحدّد ما يجب فعله. الولايات المتحدة تعمل بلا كلل باتجاهين: إمّا خضوع إيران للشروط الأميركية وإمّا الذهاب نحو تغيير شامل للنظام. هنا، تبدو الحرب الأميركية الإسرائيلية القائمة اليوم كما لو أنها ترجمة عملية لخيار إخضاع إيران. في المقابل، فإن العلاقة مع الصين لا تُختصر بكون إيران مورّد طاقة أساسي أو عقدة جغرافية على طريق “الحزام والطريق”، بل بوصفها أيضاً دولة خارج المنظومة الغربية؛ تملك قابلية التعطيل في منطقة تُعدّ شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، لذلك فإن بكين لا تبحث عن حليف أيديولوجي في طهران، بل عن شريك قادر على تأمين هامش مناورة استراتيجي في وجه الهيمنة الأميركية، وعن نقطة ارتكاز تمنع واشنطن من تحويل الشرق الأوسط إلى حديقة خلفية خاضعة بالكامل لإرادتها. أمّا روسيا فتنظر إلى إيران بعين أكثر واقعية؛ فطهران في الحسابات الروسية، ليست فقط لاعباً إقليمياً، بل شريكاً ميدانياً أثبت فعاليته في أكثر من ساحة، من سوريا إلى أوكرانيا.

خطوط إمدادات الغاز هو الهدف الذي يسعى إليه أكثر من شريك، وهنا يكتسب بعده الاستراتيجي.. والأهمية بما يؤثر على الحركة الاقتصادية وثباتها وعدم استخدامها كوسيلة ضغط سياسية. وعليه، يبقى “منتدى غاز شرق المتوسط” الذي يضم مصر وفلسطين والأردن وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا وفرنسا، هو الإطار الأبرز المعمول به وإن لم يحجز لنفسه الموقع الذي يُمكّنه من “مسك العصمة”، بوجود أكثر من جهة قادرة في هذا المجال، بينما تُعتبر تركيا الغائب الأبرز والمنافس لهذا المنتدى، مع التنويه بأن قطر، حليفة تركيا، حاضرة في كونسورتيوم التنقيب اللبناني، حيث يبقى السؤال الأبرز عن قدرة واشنطن على رعاية هذه التناقضات، في ظل وجود تيارات متعددة تتنافس داخلها؟

إقرأ على موقع 180  لبنان وإسرائيل وأميركا.. من الرابح والخاسر في إتفاق ـ الإطار؟

في كل الأحوال، تبقى الولايات المتحدة الأميركية هي القائد الفعلي للمشروع الذي يُكرّس الشرق الأوسط منطقة نفوذ لها، بعيداً عن الطموحات الصينية والروسية وغيرها؛ فالأميركي يتعامل مع حلفائه في المنطقة كأدوات مؤقتة ضمن خرائط مصالح متحركة، وهذا ما يحاول تثبيته في حروبه المتكررة كما في حربه القائمة اليوم مع إيران بالإضافة إلى تثبيت معادلة “انتصار إسرائيل” على الجميع وبالتالي على الجميع في المنطقة تحمّل النتيجة والقبول بها وبنزع أي سلاح يُمكن أن يُشكّل تهديداً لإسرائيل، سواء أكان من دول أو حركات مقاومة.

(يُتبع في جزء ثان.. قريباً)

Print Friendly, PDF & Email
حسن خليل

أكاديمي وكاتب سياسي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  حين تُصدَّر صراعات الشرق الأوسط إلى أوروبا عبر الإسلام!