اميركا بين اهتزازات الداخل ومخاطر الخارج

نادراً ما يركز محللو الشؤون الدولية على الطريقة التي يؤثر فيها الوضع الداخلي في الولايات المتحدة على تأثيرها ونفوذها في العالم. ولكن هذا الرابط يكاد يكون أكثر أهمية اليوم. في هذا المقال الذي نشره موقع "فورين افيرز"، يقارب ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الاميركية والدبلوماسي الأميركي السابق، الأزمات الداخلية المتلاحقة في الولايات المتحدة، وآخرها موجة الاحتجاجات ضد العنصرية، من زاوية تأثيراتها المحتملة على السياسة الخارجية الاميركية.

تشهد الولايات المتحدة حالياً ثلاثة اضطرابات في آن واحد: وباء “كوفيد-19″، وهزات ارتدادية اقتصادية لتلك الحالة الطارئة، واحتجاجات سياسية، وفي بعض الحالات، عنف ناجم عن شريط فيديو قتل جورج فلويد ، وهورجل أميركي أفريقي يبلغ من العمر 46 عاماً، على يد ضباط الشرطة في مينيابوليس.

من دون شك، ستؤثر الأزمات الثلاث الحالية على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، التي كانت على مدار ثلاثة أرباع القرن القوة البارزة في العالم. في الواقع، يمكن أن يكون للتطورات الأخيرة تأثير عميق ودائم على النفوذ الأميركي. ما لم تكن الولايات المتحدة قادرة على التوحد لمعالجة الانقسامات الاجتماعية والسياسية المستمرة، فقد تضعف الآفاق العالمية للديمقراطية، وقد يعيد أصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة التفكير في قرارهم بوضع أمنهم في أيدي الأميركيين، وقد يستغني المنافسون عن كل حذرهم التقليدي أو بعضه.

العالم يترقب

المثال الذي تضعه الولايات المتحدة في الداخل، والصورة التي تعرضها في الخارج يمكن أن تضخم القوة الأميركية أو تنتقص منها. بالنسبة إلى الجميع ، تُفهم السياسة الخارجية عموماً على أنها إختصاص المسؤولين والدبلوماسيين – مشاورات ومفاوضات وبيانات  ومساعٍ ومؤتمرات قمة والمزيد – فالسياسة الخارجية بالقدوة ليست أقل واقعية. من خلال المثال، تنقل الدولة قيمها وتوفر سياقاً لكل ما يقوله ويفعله ممثلوها. في بعض الأوقات، كانت الولايات المتحدة نموذجاً للدول التي طالبت بمحاسبة قادتها. في أوقات أخرى، فشلت الولايات المتحدة في أن ترقى إلى أعلى المثل العليا، وبالتالي قوضت دعواتها للدول الأخرى للتعامل مع شعوبها بشكل أفضل.

تشاهَد المتاعب الأميركية وتُسمع اليوم على نطاق واسع خارج الولايات المتحدة. إنّ العولمة عبارة عن حزام ناقل – وهو حزام يحمل في هذه الحالة صوراً صارخة لوحشية الشرطة في جميع أنحاء العالم. إذا كان أحد دروس “كوفيد-19” هو أن ما يبدأ في ووهان لا يبقى في ووهان، فإن أحد دروس قتل جورج فلويد هو أن ما يحدث في مينيابوليس لا يبقى هناك. المقارنات بين الوضع الحالي وعام 1968 في الولايات المتحدة  مبالغ فيها إلى حد كبير لأن ما يجري الآن يمكن القول أنه أكثر خطورة، ولكن لا يزال هناك شعار واحد من ذلك الوقت ملائماً: “العالم كله يراقب”.

إذا كان أحد دروس “كوفيد-19” هو أن ما يبدأ في ووهان لا يبقى في ووهان، فإن أحد دروس قتل جورج فلويد هو أن ما يحدث في مينيابوليس لا يبقى هناك

ولإثبات هذه النقطة، وقعت تظاهرات عفوية ضد العنصرية ووحشية الشرطة حول السفارات الأميركية في أوروبا وأماكن أخرى. لكن السياق يستحق التوضيح. بدأت الثقة في المثال الأميركي تتراجع لسنوات، نتيجة الانقسام السياسي الطويل والخلل داخل الولايات المتحدة – العنف المتفشي والمرتبط بالسلاح الذي لا يسمح به أي مجتمع آخر أولا يمكن التعاطف معه ، انتشار الادمان على المواد الأفيونية والوفيات ذات الصلة، سوء الإدارة المالية الذي أدى إلى مصاعب عالمية هائلة خلال أزمة عام 2008، وتزايد عدم المساواة، والبنية التحتية السيئة التي تستقبل معظم زوار البلاد، وغير ذلك الكثير. علاوة على ذلك ، أثبت الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مثير  شخص للجدل، وفي كثير من الحالات لا يتمتع بشعبية، في الخارج كما هو في الداخل .

عززت الاستجابة الأميركية لوباء “كوفيد-19” الشكوك حول الكفاءة الأميركية. كان وصول فيروس كورونا الجديد إلى الشواطئ الأميركية أمراً حتمياً، بالنظر إلى العوامل المسببة للمرض وفشل كل من الصين ومنظمة الصحة العالمية في احتوائه وتحذير العالم منه.

ما لم يكن حتمياً هوحصيلة خسائر هذا المرض. نقص المعدات الوقائية للمستجيبين الأوائل وطواقم المستشفيات، عدم القدرة على إنتاج اختبارات سريعة ودقيقة على نطاق واسع إما للفيروس أو الأجسام المضادة، الرسائل المتأخرة ثم غير المتسقة حول وضع الأقنعة والتباعد الاجتماعي… هذه الإخفاقات هي ملك الدولة. والنتيجة هي أكثر من مئة حالة حالة وفاة، وملايين الإصابات، ومسار أميركي قاتل لا يرغب أحد في اتباعه.

احتفظت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة بالعديد من الميزات الإيجابية عند رؤيتها من الخارج: جامعات ممتازة، وشركات مبتكرة، وتقليد (مهدد حالياً) بالانفتاح على الهجرة. يبدو أن انتخاب باراك أوباما في عامي 2008 و 2012 أظهر أن العنصرية تراجعت إلى حد كبير. كانت مكاسب الحركات الحقوقية المدنية والنسائية والمثلية مصدر إلهام في أماكن أخرى؛ وحتى تجارب الدولة المتعددة مع العزل بدت انها تسلط الضوء على نظام لا يوجد فيه شخص فوق القانون. لكن الآن، فإنّ صورة الولايات المتحدة المتسقة مع “المدينة المشرقة على تلة” التي أطلقها الرئيس السابق رونالد ريغن تزداد بعداً في أعين العالم.

ومع تراجع تلك الصورة، تتضاءل قدرة الولايات المتحدة على تقديم نفسها كنموذج يحتذي به الآخرون. كما تتضاءل قدرتها على انتقاد الدول الأخرى أو الضغط عليها عندما تخفق.

يشير قدر كبير من الأدلة إلى أن الزعيم الصيني تشي جين بينج كان في موقف دفاعي في بلاده بسبب الاستجابة الأولية غيرالكافية للصين تجاه تفشي “كوفيد-19”. لكن اداء للولايات المتحدة الضعيف أخرج تشي من الورطة بشكل أساسي، لأنه لا يمكن رسم المقارنات الغير منصفة. على الرغم من كل حديث واشنطن، فقد بددت الفرصة لاتخاذ موقف صارم تجاه الصين بشأن الوباء.

علاوة على ذلك، أعاقت الأزمة السياسية الحالية التوقعات الأميركية بشأن تعزيز وحماية الديمقراطيات في الخارج. لطالما كان تعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية عنصراً أساسياً في السياسة الخارجية الأميركية – جزئيًا لأسباب معيارية، لأن الأميركيين يعتقدون أن مثل هذه المبادئ تعزز معنى وقيمة الحياة، وجزئياً لأسباب عملية، لأن العديد من صانعي السياسة الأميركية يعتقدون أن الديمقراطيات تعمل بضبط النفس ليس فقط تجاه مواطنيها ولكن تجاه الآخرين وهذا ما  يجعل العالم أقل عنفاً.

الآن، الديمقراطية في حالة ركود في جميع أنحاء العالم، وقدرة الولايات المتحدة على إيقاف هذا التراجع تتراجع بالمثل. ومن الأمثلة على ذلك الصين، التي تصدت لانتقادات واشنطن لأفعالها في هونغ كونغ من خلال التصويب إلى سلوك الولايات المتحدة في الداخل.

ما حدث في واشنطن العاصمة ليلة الاثنين 1 حزيران / يونيو جاء بشكل خاص تبعاً لما سبق. تم كسر احتجاج سلمي في الأماكن العامة أمام البيت الأبيض ، ليس لأنه كان يمثل تهديداً للنظام، ولكن لخدمة غرض سياسي. جعل البيت الأبيض الوضع السيء أكثر سوءاً بنشر الوحدات العسكرية في واشنطن. لكن حرية التعبير والتجمع، بما في ذلك الاحتجاج العام، مضمونة دستورياً وتقف في صميم الديمقراطية الأميركية، والثقة العامة تتطلب عدم تسييس وكالات تطبيق القانون الفدرالية والجيش. صور رهيبة من تلك الليلة انتشرت في جميع أنحاء العالم. لم تخف هذه الحادثة  أمام المشاهدين الدوليين أو المواطنين الأميركيين  أن البلد وُضع في سابقة خطيرة وهو على بعد خمسة أشهر فقط من انتخابات بات من المؤكد أنها ستكون منافسة شرسة.

تراجع القوة

 

تثير الاضطرابات في الولايات المتحدة، والتي تم وضعها أمام أعين العالم، أسئلة حول القوة الأميركية. من المفيد هنا التمييز بين القوة المطلقة والقوة المتاحة. إن القوة المطلقة للبلاد، قبل كل شيء القوة العسكرية والاقتصادية، لا تزال كبيرة. السؤال الأكبر يتعلق بقوتها المتاحة. هل دولة فيها 42 مليون شخص عاطل عن العمل، وانخفاض الناتج المحلي الإجمالي، ومصانع مغلقة، واحتجاجات واسعة النطاق تتحول في بعض الأحيان إلى عنف، وانقسامات داخلية عميقة، في وضع يمكنها  أن تتصرف دولياً؟

الإجابة على هذا السؤال ليست واضحة إطلاقاً. القوة المتاحة لا تتكون من أدوات عسكرية واقتصادية فحسب، بل من القدرة والإرادة لاستخدامها – وهذه القدرة هي الأكثر حساسية للحالة التي تجد الولايات المتحدة نفسها فيها الآن. كان الدافع للتركيز على الداخل و التخفيف من التدخل في العالم يرتفع بالفعل بعدما تجاوزت الولايات المتحدة حدودها في أفغانستان والعراق. الآن، تواجه البلاد صراعاً داخلياً هائلاً، من المرجح أن يهدّئ الكثير من الشهية المتبقية للتدخل في الخارج، مهما كان هذا التدخل مبرراً في بعض الأحيان.

قد يرحب بعض أولئك الذين يتحسرون على الأخطاء الأميركية خلال العقدين الماضيين بمثل هذا التحول الداخلي. ولكن ما لا يقل خطورة عن المبالغة في التجاوز هو النقص، حين تفشل الولايات المتحدة في التصرف لحماية مصالحها. لن تتمكن مثل هذه الولايات المتحدة من عزل نفسها عن عالم تتخطى فيه الفيروسات وغازات الدفيئة والإرهابيين والهجمات الإلكترونية الحدود متى شاءت.

إن الإدراك بأنّ الولايات المتحدة قد تجردت من الكثير من قوتها المتاحة من المرجح أن يؤثر على عملية صنع القرار في البلدان الأخرى. الخطر هو أن يرى الأعداء الولايات المتحدة ضعيفة ومشتتة الانتباه وتتحرك لإستغلال الوضع. البعض، يمكن القول، فعل ذلك  بالفعل. تحركت الصين أو تحدثت  بشراسة عن هونغ كونغ وحدودها المتنازع عليها مع الهند وتايوان. تدخلت روسيا بوقاحة في تشغيل الطائرات والسفن الأميركية. تواصل كوريا الشمالية توسيع ترسانتها من الأسلحة النووية والصواريخ، وإيران تخرق ببطء ولكن بثبات الحدود التي وضعتها الاتفاقية النووية لعام 2015.

كانت هذه الانتهازية تتزايد لبعض الوقت، نظراً لانسحاب الولايات المتحدة من التعهدات الدولية، وفشل الإدارة الحالية في دعم التحالفات الأميركية بشكل صريح، والتقارير التي تفيد بأن واشنطن تسعى للتفاوض على رحيل القوات الأميركية من أفغانستان في غياب ظروف السلام.

عندما يميل الأعداء المحتملون إلى التقدم، سيشعر الحلفاء بالقلق، حيث يختار البعض أن يلجأ إلى جار قوي، فيما قد يختار الآخرون تولي الأمور بأيديهم من خلال تراكم أو استخدام القوة العسكرية. ستعاني مصالح الولايات المتحدة واستقرارها في الحالتين.

وبالتالي ، فإن اللحظة خطيرة. بعد ثلاثة عقود من انتهاء الحرب الباردة بشروط ملائمة أكثر مما كان يأمل أي متفائل، فإن حالة العالم تتدهور. ظهرت أجندة أمنية تقليدية من جديد، بما في ذلك روسيا التنقيحية، والصين الصاعدة والأكثر حزماً، والقوى الوسطى المعادية الأكثر قدرة، مثل إيران وكوريا الشمالية. والأكثر من ذلك، أن هذه المخاوف تتشارك الميدان مع جدول أعمال أمني جديد يشمل الإرهابيين ذوي التأثير العالمي وتغير المناخ والأوبئة.

إن الولايات المتحدة التي تواجه هذه الأجندة الرهيبة تضعف وتنقسم ويتشتت انتباهها. لكن التهديدات لن تحل نفسها أو تختفي. ولا يمكن للولايات المتحدة أن تحمي نفسها من العواقب السلبية للتقاعس عن العمل. ليس للتاريخ زر توقف مؤقت: لا يمكن توقع انتظار العالم حتى تعيد الولايات المتحدة تنظيم نفسها .على عكس من ذلك ، هناك حاجة ملحة للولايات المتحدة لتضافر جهودها – لاستئصال العنصرية واستعادة اقتصادها وإزالة  الانقسامات السياسية – عاجلا وليس آجلا – من أجل مصلحتها الخاصة والعالم.

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download