الترسيم البحري ممر إلزامي إلى رئاسة الجمهورية!

على قاعدة "خذوا أسرارهم من صغارهم"، تعطي مراكز الأبحاث، وخاصة الغربية، إشارات دالة إلى قضايا إما تكون مثارة، أو تثار بعد فترة من الوقت. النموذج هو موضوع ترسيم الحدود البحرية اللبنانية ـ الإسرائيلية. فقد قدم مركز بحثي أوروبي عريق دراسة جديدة، في نهاية العام 2019، تميزت بوجود أصابع لباحثين من أصل لبناني شاركوا في صياغتها، كما بتقديم رؤية جديدة للمسألة الحدودية، أقل ما يقال عنها أنها كانت صادمة بجرأتها وتطرفها ومنطلقاتها والأهم.. أهدافها.

لم تمض شهور قليلة حتى بدأ المضمون نفسه يتسرب، لكن هذه المرة عن طريق مستشارين لبنانيين أرفقوه بإقتراحات وخرائط و”أفكار جديدة”. في التوقيت، كان لافتاً للإنتباه تزامن ذلك مع إنطلاق المفاوضات بين لبنان وصندوق النقد الدولي، ومع بدء الحديث عن عقوبات ستطال حلفاء لحزب الله في لبنان، وبينهم شخصيات وكيانات مسيحية.

كان لا بد أولاً من إنتقال ملف الترسيم البحري إلى رئاسة الجمهورية (وزير الخارجية الحالي شكلاً، وزير الخارجية الحقيقي فعلياً). لم يكن هذا الطرح كافياً. لا بد من شرح الأبعاد التي جعلت رئاسة الجمهورية تطالب فجأة بإعادة الملف إليها، بعدما كان تفاهم رئاسي سابق (تم تثبيته خلال ولاية حكومة سعد الحريري الأخيرة وقبلها حكومة تمام سلام) قد أفضى إلى جعل رئاسة مجلس النواب مرجعية التفاوض مع الموفدين الأجانب الذين يزورون لبنان، وتحديداً الموفدين الأميركيين.

سرى الهمس على الشكل الآتي: يبدي الأميركيون مجدداً رغبة بإطلاق مسار تفاوضي ثلاثي (لبناني ـ أميركي ـ إسرائيلي).

ومنذ أن أفرجت عنه الرياض في خريف العام 2017، تلقى الأميركيون وعداً من سعد الحريري (رئيس الحكومة آنذاك) بتحقيق خرق في هذا الملف. تعهد الرجل لصهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنير، بالتوصل إلى إتفاق بين لبنان وإسرائيل حول حدودهما البحرية. إصطدم بالتفويض الذي حصل عليه بري في العام 2015. وقتذاك، شكا الأميركيون (مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون الطاقة آموس هوشتاين وسفير الولايات المتحدة في لبنان ديفيد هيل) من عدم وجود موقف لبناني موحد. سرعان ما تم وضع “ورقة الثوابت اللبنانية حيال الحدود البحرية”، بموافقة كل المراجع الرسمية والسياسية، من دون إستثناء، بما فيها تيار المستقبل والتيار الوطني الحر وهي الموضوعة من الرئيس بري اصلاً.

تضمنت هذه الورقة عناوين عديدة أبرزها الآتي: التمسك بكامل حدود لبنان البحرية وعدم الفصل بين الترسيم البري والبحري؛ برغم الخلاف الحدودي المفتعل من قبل اسرائيل، لن يتراجع لبنان عن قرار التنقيب عن ثروته النفطية والغازية والإستفادة منها، بما فيها استخراج الغاز والنفط من المكامن الواقعة قرب الحدود الجنوبية (البلوكان 8 و9)، سواء تم التفاهم على الترسيم مع إسرائيل أو من دونه؛ ضرورة مساهمة واشراف الأمم المتحدة في انجاز الترسيم البري والبحري.

منذ أكثر من سنة تقريباً طوي ملف الترسيم، وكان لبنان موعوداً بأن يحمل مساعد وزير الخارجية الأميركي الجديد ديفيد شينكر الملف إلى بيروت، وعندما زارها، تجاهل الترسيم والخلاف اللبناني ـ الإسرائيلي، بخلاف ما قيل بإنه سيكمل مهمة سلفه ديفيد ساترفيلد الذي صار سفيراً لبلاده في تركيا.

فجأة، يقرر الأميركيون التسلل عبر حلقة لبنانية قريبة من العهد، تتحرك عادة بين بيروت وواشنطن ولديها بعض الأعمال في دول خليجية. كان سليم جريصاتي كالعادة جزءاً من فريق “الخياطة”، بمواكبة من سفارتي لبنان في واشنطن والولايات المتحدة في بيروت. لا بد من تحريك الملف مجدداً، لكن ليس وفق القواعد السابقة التي خلص إليها فريديرك هوف أو من حلوا محله لاحقاً. ما هي الذريعة؟ “تعديل الحدود الجنوبية والجنوبية الغربية للمناطق البحرية اللبنانية”.

منذ أكثر من سنة تقريباً طوي ملف الترسيم، وكان لبنان موعوداً بأن يحمل مساعد وزير الخارجية الأميركي الجديد ديفيد شينكر الملف إلى بيروت، وعندما زارها، تجاهل الترسيم والخلاف اللبناني ـ الإسرائيلي

جرى عرض فكرة تعديل الترسيم على الرئيس بري وكلّف المدير العام للامن العام اللواء عباس إبراهيم بالمتابعة. فماذا تضمنت؟

أولاً، الخوض في مفاوضات جديدة أميركية ـ لبنانية ـ إسرائيلية.

ثانياً، إعتماد معايير جديدة لتحديد نقاط الخلاف الحدودي بين لبنان وإسرائيل.

ثالثاً، فصل الترسيم البري عن الترسيم البحري (تحديداً تجاوز النقطة B1 التي يرفض لبنان أية مقاربة تقفز فوقها).

رابعاً، تعديل الخرائط يتيح للبنان المطالبة بجزء من حقول إسرائيل، ومنها حقل كاريش (مطالبة لبنان بحوالي 1800 كلم2 جديد داخل المنطقة الإقتصادية الإسرائيلية).

خامساً، تحديد مرجعية لبنانية جديدة للتفاوض.

ماذا في التوقيت؟

لم يأت هذا الإقتراح من الفراغ ولا نتيجة مبادرة فردية، إلا إذا كان من قدّمه لا يدرك الأبعاد والتداعيات الكبيرة التي يمكن أن تترتب عليه. قضية الترسيم حيوية جداً عند الأميركيين. هم يعطون ملف الغاز في شرق المتوسط عناية إستثنائية. يريدون التحكم بمصادر الطاقة في المنطقة والتضييق قدر الإمكان على المشاريع الروسية المتجهة إلى أوروبا. الحلقة الإسرائيلية تعتبر مركزية بالنسبة للأميركيين، وخير دليل على ذلك الدور الذي تلعبه تل أبيب في منتدى غاز المتوسط. ما يجري في ليبيا حالياً يصب في الخانة نفسها.

يأتي الإقتراح أيضاً في سياق إحتدام الصراغ الغازي في المنطقة وفي ظل إنكفاء بعض الشركات الدولية عن الإستثمار في العديد من المناطق الإقتصادية، سواء بسبب تداعيات كورونا أو الخشية من توترات قد تضر بإستثمارات بمئات ملايين الدولارات.

تمسك “الثنائي” بموقفه مؤيداً من رئاسة الحكومة، ما إضطر رئاسة الجمهورية إلى التحرر من مطلب الإمساك بالملف التفاوضي، وسقطت فكرة التفاوض غير المباشر

في هذا السياق، يتضمن الإقتراح إصدار مرسوم رئاسي، بناء على إقتراح مقدم من وزير الخارجية (بعد أن تتم الموافقة عليه في مجلس الوزراء)، يتألف من مادتين:

“المادة الأولى: تُعدّل الحدود الجنوبية والجنوبية الغربية للمناطق البحرية اللبنانية التي عيّنت بموجب المرسوم رقم 6433 تاريخ 1/10/2011، وفق لوائح إحداثيات النقاط الجغرافية المبينة في الملحق (ملحق أ) المرفق ربطاً والموضحة باللون الأحمر على الخريطة البحرية الدولية الصادرة عن الأدميرالية البريطانية رقم 183 (رأس التين إلى إسكندرونة)، بمقياس رقم 1: 1.100.000 المرفقة بهذا الرسم (ملحق ب).

المادة الثانية: يمكن مراجعة الحدود الجنوبية والجنوبية الغربية للمناطق البحرية اللبنانية وبالتالي تعديل لوائح إحداثياتها وفقاً للحاجة وحينما تقتضي مصلحة لبنان ذلك.

المادة الثالثة: يُكلف وزير الخارجية والمغتربين بإتخاذ الإجراءات اللازمة لإبلاغ كافة الجهات المعنية لا سيما منها الدوائر المختصة في الأمم المتحدة.

المادة الرابعة: يعمل بهذا المرسوم فور نشره في الجريدة الرسمية“.

بقي الإقتراح حبراً على ورق، بعدما أقفلت كل الأبواب أمام محاولة تسويق إقتراح يخلص إلى أن الترسيم الجديد يمكن أن يأتي للبنان بأكثر من 1800 كلم2 في العمق الإسرائيلي، أي أن حقوق لبنان تفترض المطالبة بجزء من حقل كاريش، بينما لا يمكن للترسيم السابق الذي يطالب به لبنان إلا أن يعيد له حوالي 800 كلم2 مربع!

لقد إستشعر “الثنائي” (أمل وحزب الله) أن الإقتراح قد يستدرج لبنان إلى حيث لا يريد أن يذهب. ثمة معادلات تتعلق بالترسيم البحري. حزب الله لا يتدخل مباشرة، لكنه ترك للحكومات المتعاقبة في السنوات الأخيرة أن تدير هذا الملف تحت سقف الثوابت الوطنية التي حددها رئيس مجلس النواب وصارت ملزمة لكل المراجع الرسمية والسياسية، فما الذي إستجد حتى يقرر لبنان “الهجوم” على اسرائيل؟

تمسك “الثنائي” بموقفه مؤيداً من رئاسة الحكومة، ما إضطر رئاسة الجمهورية إلى التحرر من مطلب الإمساك بالملف التفاوضي، وسقطت فكرة التفاوض غير المباشر.

لكن ما هي “القطبة المخفية” التي جعلت الملف يتحرك بهذا العنوان وبهذا التوقيت؟

يطرح ذلك سؤال “التمايز” الذي تحاول أن تتسلح به قيادة التيار الوطني الحر، في هذه المرحلة. لكن يبدو أن اللعبة نفسها تتكرر. هو الوعد الذي تلقاه سابقاً الرئيس سعد الحريري من الأميركيين بجائزة تصل إلى ستة مليارات دولار من القروض والمساعدات للبنان إذا أنجز ملف الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل. ثمة من يعتقد أن الترسيم قد ينقذ العهد ويفتح أبواب صندوق النقد على مصراعيها.. والأهم أنه يفتح أبواب واشنطن أمام تبني معادلة الوريث الوحيد لميشال عون في قصر بعبدا.. وللبحث صلة.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free