روسيا و«الهجمة الايديولوجية»… بين الـ«رينبو» والـ«رادوغا»

لطالما شكلت قضية المثلية الجنسية مادة للدعاية السياسية المعادية لروسيا، إن من قبل بعض المنظمات غير الحكومية، أو في الصحافة الأجنبية، أو في مواقف بعض الشخصيات العامة حول العالم.

بإقرار التعديلات الدستورية الأخيرة، حسمت روسيا موقفها بشكل نهائي: المادة المادة 72 من الدستور (البند الأول – فقرة “و” المعدلة) شددت على «حماية الأسرة والأمومة والأبوة والطفولة؛ الدفاع عن مؤسسة الزواج كاتحاد بين رجل وامرأة؛ وتهيئة الظروف لتربية لائقة للأطفال في الأسرة،  والأبناء البالغين لرعاية والديهم».

هذا التعديل ثبّت في الواقع وجهة دافع عنها الرئيس الروسي مراراً وتكراراً حول عدم السماح بتشريع زواج المثليين، وهو ما شدد عليه قبل أشهر حين قال، خلال استقباله لجنة حكومية لبحث التعديلات الدستورية إنه لن يسمح بتقويض المفهوم التقليدي للأم والأب عبر تكريس ما يسمى ” الوالد رقم 1″ و “الوالد رقم 2″، وهي الصيغة التي باتت معتمدة في الوثائق الرسمية في الولايات المتحدة وفرنسا منذ العام 2011، التي تبررها السلطات في الدول الغربية بتزايد العائلات من جنس واحد.

بالأمس، احتلت هذه القضية حيزاً مهماً في الاجتماع الذي عقده الرئيس الروسي مع المشرعين والخبراء الذين سيشرفون على تعديل القوانين الروسية بما يتلاءم مع التعديلات الدستورية الأخيرة.

خلال هذا الاجتماع، الذي عقد عبر  الفيديوكونفرانس، أعرب عضو مجلس الاتحاد اليكسي بوشكوف عن رضاه لأن «الزواج بين رجل وامرأة» بات مبدأً منصوصاً عليه بشكل صريح في الدستور.

أوضح بوشكوف أهمية ذلك قائلاً: «حالياً، ثمة صراع من أجل التوجه الأخلاقي المستقبلي للبشرية، ويمكننا التواصل مباشرةً مع مواطنين من دول أخرى… لكن العديد من البلدان، أي هياكل دول أخرى، ستحاول فرض وجهات نظر أخرى علينا… ثمة من علّق علم قوس القزح (الرينبو) على واجهة السفارة الأميركية في اليوم الذي بدأ فيه التصويت على الدستور، وهذه رسالة واضحة – لا بد من الإشارة أن مثل هذا العلم لم يُعلّق من قبل! هذه المرة الأولى! كأنهم يقولون لنا: سنهاجمكم بقوة في المجال الأيديولوجي والأخلاقي! لقد أصبحنا قادة النضال من أجل القيم التقليدية حول العالم…».

ابتسم فلاديمير بوتين لعدة ثوانٍ ابتسامة غريبة. بدا كما لو أن لديه إجابة جاهزة: «عذراً، أليكسي كونستانتينوفيتش»، قاطع الرئيس عضو مجلس الاتحاد، «لم أفهم: من يعمل في هذا المبنى؟».

كان يجب أن يشعر أليكسي بوشكوف أنه في  حاجة إلى مساعدة الرئيس لكي يمرر رسالة تبدو مقبولة في أصول الدبلوماسية الدولية.  كان عليه فقط أن يقول: «الأميركيون!»، ليعطي تمريرة لبوتين لكي يقول شيئاً ما.

لكن بوشكوف لم يفطن للحيلة البوتينية. أكمل كلامه قائلاً “لقد قلت أن العلم تم تعليقه على واجهة السفارة الأمريكية… علم قوس قزح… حسنًا، علم مجتمع المثليين».

تحدث بوشكوف لبعض الوقت، إلى أن قاطعه فلاديمير بوتين مرة أخرى: «سؤالي هو: من يعمل في هذا المبنى؟».

حسناً، الأميركيون يعملون… «الدبلوماسيون الأميركيون يعملون في هذا المبنى»، أجانب بوشكوف.

«والعلَم؟…»  سأل فلاديمير بوتين. 

«العلم … قوس القزح»، أجاب بوشكوف مبتسماً.

اكتملت عناصر الفكرة عند بوتين: «حسناً! لقد أظهروا شيئاً ما عن الشخص الذي يعمل هناك!».

فحوى الرسالة البوتينية هي أنه من الآن فصاعداً يمكن اعتبار أن الممثلين البارزين لمجتمع المثليين، بما في ذلك السفير الأميركي جون سوليفان، يعملون في السفارة الأميركية.

بعد تلك الرسالة – الطرفة المبطنة، انتقل بوتين الى لب القضية: الحظر المفروض على الترويج للمثلية الجنسية بين القاصرين، والمنصوص عليه في القانون الروسي، لا ينتهك حقوق الإنسان.

ذكر الرئيس الروسي أولئك الذين يتهمون روسيا بانتهاك حقوق الأقليات الجنسية بأنه «في بعض البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة، هناك قاعدة متبعة حتى الآن في القانون الجنائي، يمكن بموجبها مقاضاة المثليين، كما كانت الحال في الاتحاد السوفياتي… وفي بعض الدول يمكن الحكم على الأشخاص بسبب ميولهم الجنسية. نحن ليس لدينا شيء من هذا القبيل».

هكذا لخص بوتين موقفاً كرره أكثر من مرة خلال السنوات العشر الماضية بشأن قضية المثلية الجنسية في روسيا.

أبرز تلك المواقف جاء على هامش مناقشة القانون حظر الدعاية المروجة لـ«العلاقات الجنسية غير التقليدية»، الذي أقره مجلس الدوما بالاجماع في حزيران/يونيو عام 2013.

حينها علق بوتين على مشروع القانون بالقول: «أريد من الجميع أن يدركوا أنه في روسيا لا توجد انتهاكات لحقوق الأقليات الجنسية. إنهم أناس، تماماً مثل أي شخص آخر، ويتمتعون بالحقوق والحريات الكاملة».

وفي معرض دفاعه عن القانون تساءل بوتين «هل يمكن أن تتخيل منظمة تشجع على ممارسة الجنس مع الأطفال في روسيا؟ أعتقد أن الناس في العديد من المناطق الروسية كانوا سيبدأون في حمل السلاح… الأمر نفسه ينطبق على الأقليات الجنسية… هل يمكنك أن تتخيل السماح بزواج المثليين في الشيشان؟ يمكن أن يؤدي هذا إلى خسائر بشرية»، مذكراً في الوقت ذاته بالأزمة الديموغرافية في روسيا لجهة انخفاض معدل المواليد، وبأن العلاقات المثلية لا تنتج الأطفال.

هذا الموقف أعاد بوتين التأكيد عليه في أكثر من مناسبة، كما حدث خلال لقائه مع مجموعة من الشباب المتطوعين لتنظيم دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي عام 2014، حين سألته أحدى المتطوعات عن سبب اختياره ألوان قوس القزح شعاراً للزي الرسمي في الوقت الذي يحظر فيه القانون الروسي الترويج للمثلية، فأجاب «اذا كنت تعتقدين أنني أنا من اختار هذا الزي بالتحديد فأنت مخطئة، فنحن لم نقم بأي شيء من هذا القبيل، ولم نفرض عقوبات جنائية على المثليين»، مشدداً على أن «روسيا ليست كغيرها من الدول الأخرى، وهي ترى أن العلاقات الجنسية لا تنطوي على أية جريمة، ولذلك فإنهم (الزوار والرياضيون المثليون) سيشعرون هنا بالأمان، ولكن كل ما أرجوه هو أن يتركوا أطفالنا يعيشون بسلام».

خلال اجتماعه بالخبراء والمشرعين يوم أمس، أثير الجدل مجدداً حول ألوان الـ«رينبو» من جانب ممثلة «اتحاد نساء روسيا».

وفقاً لايكاترينا لاخوفا، ثمة ظاهرة مثيرة للقلق: «اليوم لدينا لوحات اعلانية – قزحية الألوان… جميلة هذه الألوان! ولكنها تنطوي على شيء لا محسوس!»، مشيرة في هذا الإطار إلى إعلان المثلجات المعروفة باسم «رادوغا» («قوس قزح»)، وهذا الأمر «يجعل أطفالنا يعتادون» على شعار مجتمع المثليين.

لكن اقتراح لاخوفا بفرض رقابة على هذا الشكل من الاعلانات قوبل باعتباره مزايدة متطرفة. ما أثارته لاكوفا بدا أمراً مبالغاً فيه. هذا على الأقل ما عكسته حملة التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي:

– حسنا، فلنحظر إذاً أغنية للأطفال يستيقظ فيها قوس قزح من ابتسامة في السماء.

– في مدينتنا تم افتتاح مجمع «رادوغا» للتسوق… هل نغلقه؟

– هل يستحق الأمر الآن إلغاء قوس القزح كظاهرة طبيعية؟

في تقرير نشرته على موقعها الإلكتروني بعنوان «قوس القزح على المحك»، تناولت قناة «360» أهمية قوس القزح في الحياة الاجتماعية في روسيا:

– وفق منطق لاخوفا، سيتعين على رياض الأطفال التي تحمل منذ العصر السوفياتي اسم «رادوغا» أن تغير لافتاتها.

– يتم رسم قوس القزح في كل كتب الأطفال… وفي أي متجر للأطفال، يمكنك رؤية أهرامات متعددة الألوان.

– اكتشاف إسحق نيوتن بشأن تحلل ضوء الشمس إلى أطياف قد يصبح على المحك .

– … وأخيراً، قد نكون في حاجة إلى أن نغيّر شعارنا (شعار قناة «360» يحمل ألوان قوس القزح).

الشركة المنتجة لمثلجات «رادوغا»  سارعت بدورها الى الرد، وذلك على لسان نائب رئيسها أرمين بنيامينوف الذي أشار الى أنه “بحسب فهمنا، فإن قوس القزح رمز للفرح، حين تسطع الشمس بعد المطر… إنه مزاج جيد ولطيف نقدمه للناس”.

في الواقع، لا يبدو أن اقتراح لاخوفا سيظل مادة مثيرة للجدل لوقت طويل… الرئيس الروسي، وبطريقته المعهودة في امتصاص الصدمات، رد على ممثلة «اتحاد نساء روسيا» بهدوء وحسم: «إذا كانت هناك شكوك حول انتهاك القيم غير التقليدية فيجب أن تشارك الرقابة العامة في ذلك… ومع ذلك فإن الرقابة يجب أن تكون غير عدوانية».

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
online free course