أيْنعَت رؤوسهم.. ألَمْ يَحُن قطافها؟

قبل سنواتٍ قليلة، أعدَّ باحثون نفسيُّون في الولايات المتَّحدة وكندا وهولندا دراسةً استقصائيَّة، عن السعادة ومتطلِّبات استجلابها. فتبيَّن لهم، أنّ شراء الوقت بدلاً من السلع الماديَّة، يحقّق للإنسان المزيد من مشاعر السعادة، بنسبةٍ تصل إلى 30 بالمئة. وأنّ الضغط الناجم عن "ندرة الوقت"، يقلِّل من إحساس الإنسان بالاطمئنان والراحة وتالياً.. بالسعادة. وأنّ هذه الندرة تساهم، كذلك، في إصابته بالقلق والأرق وتالياً.. بالتعاسة.

تؤكِّد البروفسورة إليزابيث دون، أحدُ المشرفين على الدراسة في جامعة بريتيش كولومبيا في كندا، أنّ الوقت هو السلعة الأكثر أهميَّة في “سوق الحياة”. فهو، كما تقول، السبب المباشر لتحصيل الفرد مستوياتٍ أعلى من الرضى عن النفس والعيش، بينما المال ليس سوى وسيلةٍ لشرائه. إذن، كي تصبح سعيداً إشترِ الوقت!

لم تكذِّب السلطة في لبنان خبراً. ها هي تبحث، لاهثةً، عن سعادتها الضائعة. وسعادتُها تعني، طبعاً، تعاستنا. أي، هي تبحث عن تعاستنا، بأيّ ثمن. فسعادتنا وسعادتها، خطّان متوازيان لا يلتقيان أبداً، حتى بعَوْنٍ من الله. وعليه، أطلق حُكَّام الجمهوريَّة اللبنانيَّة الصفَّارة، ليبدأ الشوط في الوقت الضائع. أو بشكلٍ أدقّ، في الوقت الذي أضاعوه، هم. وصاروا يبحثون كيف يشترون الوقت المتبقِّي من المباراة، بعد تمديدها. فأهلاً وسهلاً بالتمديد في بلاد التمديد، مع أرباب التمديد والأوقات الضائعة والفُرص المهدورة والفراغات المتوالدة العابرة لمؤسّسات النظام والدولة والإدارات.. وكلّ شيء. بوشِر اللعب على ملاعبنا، وانطلقت معه الاستعراضات السلطويَّة البهلوانيَّة. ماذا يعني ذلك؟

يُحتَسَب وقتٌ في لعبة كرة القدم نسمِّيه “ضائعاً”، يكون اللاعبون قد أهدروه أثناء وقت اللعب الأصلي. ويحدث هذا لأكثر من سبب. منها، إصابة أحد اللاعبين (مع كلّ المشهد التمثيلي الذي يرافقها)، أو خروج الكرة إلى خارج الملعب، أو تعمُّد بعض اللاعبين المشاغبين إضاعةَ الوقت.. وهكذا يمضي الوقت الضائع. أمّا الهدف من تمديد الدقائق الضائعة، فهو التعويض عمّا خسره لاعبو الفريقين في المباراة من وقتٍ ثمين، لم يدركوا أهميَّته في اللحظة المناسبة، وبأنّهم أضاعوه للأبد. وتزداد أهميَّة الوقت الضائع بالنسبة للفريق الخاسر. إذْ يُمسي ذلك الوقت له، حاسماً ومصيريَّاً. لذا، نرى لاعبي هذا الفريق يركضون، يَمْنة ويَسْرة، وبالطول والعرض، ويزحفون أحياناً على الأرض. يسدِّدون الكُرات “خبط عشواء من تُصِب”، ويفشلون، غالباً، في تحقيق أهداف. وكما في عالم الرياضة، كذلك في عوالم الأمن والاقتصاد والسياسة.. وكلّ مجالٍ حيوي. لكنّ خطورة تضييع الوقت تتفاقم، متى كان “الضائع” مصيرُ ناسٍ وشعب. وهذا ما يحصل عندنا في لبنان. فماذا يحصل بالضبط؟

لنتّفق بدايةً، على أنّ السلطات المتعاقبة على حُكم لبنان، لم تكن يوماً، إلاّ “الفريق الخاسر” في كلّ مباراةٍ خاضتها وتخوضها (وستخوضها؟). ونتحمّل نحن، كشعبٍ عنيد، المسؤوليَّة الأكبر في مواظبة هذه السلطات على إنجاز الخسارات المدوِّية. فنحن اللبنانيّين، وبإرادتنا وكامل قوانا العقليَّة، قد اصطفينا هذا الفريق الحاكم لاعباً أوحد باسمنا، على كلّ الملاعب. وجعلنا “نادي السلطة” مجالاً مفتوحاً للمبتدئين، ممّن اختزلوا لعبة الحكم في التفنُّن في إتقان الكذب والتفاهة والمكر والحقد والعنجهيَّة. فهؤلاء تعلَّموا، كيف يكونون “زعماء” على شاكلة المرياع المخصي الذي يضبط بجرسه الطنّان الرنّان سيْر القطيع. وهم تدرّبوا، كيف يكونون أقزاماً يروِّعون “الكبار” بمجرَّد أن يشمُّوا “رائحة إبطهم”، متى قفزوا قفْزةً صغيرة في الهواء (مَثَل يُضرَب للإشارة إلى المقموع الذي شمَّ رائحة التمرُّد فَسَكِرَ وترنَّح). يا لفرحتنا! ومَن قال إنّ زمن الأفراح ولّى وانتهى؟

سيحقِّقون، قريباً، النصر الاقتصادي، تتويجاً لجهادهم الزراعي والصناعي. كلُّ ذلك، بفضل طبقةٍ سياسيَّة زُرعت شتولها، منذ مئة عام، في أرضنا. فضربت جذورها عميقاً، ولامست المياه الجوفيَّة المُعتَبَرة “كنز لبنان السائل”

يعتبر حُكَّامنا أنّ لبنان الذي خرَّبوه، إنّما هو عصيُّ الدمْع شِيمَتُه الصبر. وأنّه على كلِّ فرحٍ قدير. كيف لا، وأهله صمدوا أمام شتّى الحروب وآلاتها الجهنّميَّة، وحقّقوا النصريْن، البشري والإلهي. وسيحقِّقون، قريباً، النصر الاقتصادي، تتويجاً لجهادهم الزراعي والصناعي. كلُّ ذلك، بفضل طبقةٍ سياسيَّة زُرعت شتولها، منذ مئة عام، في أرضنا. فضربت جذورها عميقاً، ولامست المياه الجوفيَّة المُعتَبَرة “كنز لبنان السائل”. وطبقةُ سياسيِّينا، هي الأخرى، “كنز لبنان الصلْب” الذي لا يفنى. طبقةٌ باتت طبقات، مكوَّنة من طينةٍ عجيبة، نُفِخَت فيها النار فارتسم أعضاؤها بشراً، ليسوا كباقي البشر. فلْنقُلْ يا صاحِ، إنّهم خلطةٌ مصنوعة من كَمْشة: نرجسيَّة بلهاء وفوقيَّة جوفاء وشعبويَّة حمقاء، أضيفَ إليها قليلٌ من فاشيَّة رعناء، وكثيرٌ من عنصريَّة خرقاء.

بالمختصر، نتمتَّع، نحن اللبنانيّين، بوجود طبقة سياسيَّة في حياتنا، لم يُعرَف، حتى اللحظة، إلى أيّ جنسٍ بشري تنتمي! ولم تعرف، هي، حتى اللحظة، أنّه لا يوجد شيءٌ، في قوانين الحياة والشعوب والبلدان والحُكم والسياسة..، اسمُه “وقتٌ ضائع”. وبعد؟

أهمّ ما يميّز هذه الطبقة، هو كيفيَّة تدبُّرها في العمل السياسي. فتعتمد نقطة ارتكازها، على ثلاث دعامات أساسيَّة: الأولى، بيْعُ الوفاء لمَن سلَّفنا موقفاً ودعمنا تفهُّماً وغطَّانا تفاهماً؛ الثانية، شراءُ رضى الحليف وعداوة الخصم بدواء العشق المحجوب، على إيقاع الأغنية السوريَّة “رشرش حبَّك يا جميل.. وداويلي قلبي العليل”. الثالثة، وضْعُ بعض الأشخاص من “الأكفّاء ومنزوعي القرار” في الواجهة، كمُثبِّطاتٍ بشريَّة (مثلamortisseurs  السيارة)، ليمتصُّوا صدمات الفشل (هل تتخيَّلون ماذا كان سيحدث في الشارع، مثلاً، لو كان سعد الحريري وجبران باسيل ووليد جنبلاط وسليمان فرنجيّة… موجودين شخصيَّاً في الحكومة؟).

كيف يناور فريق الحُكم للاستمرار في اغتصاب السلطة؟

مُستبِقين الخراب الكبير، يبذل أعضاء “نادي الـ 1%”، كما بات يُسمّى، نشاطاً استثنائيّاً لشراء الوقت. بالطبع، ليس لجلْب الاطمئنان للّبنانيّين وزيادة إحساسهم بالسعادة (عملاً بنتائج الدراسة الآنفة الذكر)، بل لغاياتٍ أخرى. ويوقن المراقِبون، أنّ ما يُرتَكَب بحقّ شعب “لبنان القوي”، منذ سنوات، يرقى إلى مستوى “جريمةٍ ضدّ الإنسانيَّة”، ومذبحةٍ بحقِّ علم السياسة وعلمائها ومنظِّريها. فلا سياسة في بلدنا ولا مَن يسوس. بل جلّ ما يُنتَج، هرطقة سياسيَّة فتحت بازار الثرثرة لعمليّات بيعٍ وشراء، انضوى فيها “الوقت”، مؤخَّراً، سلعةً عزُّ شراؤها. وعندما تندرج عمليّات البيع والشراء ضمن إطار مُسيَّس، فتصحّ تسميتها، حينذاك، بـ”الصفقات”.

وعليه، كلّ نشاط تسمعون به أو تشاهدونه أو تشهدون عليه يا أصدقاء، ليس إلاّ مشروع صفقة تخيّطه السلطة. قد يصل المشروع إلى خواتيمه، أو لا يصل. بكلامٍ آخر، كلُّ الحوارات، والجلسات الحكوميَّة والبرلمانيَّة، واجتماعات اللجان، والتصريحات، والخطابات، والمصارحات، والتهديدات، والشتائم، والإعتداءات على المعارضين في الضوء والعتمة، والحملات الإعلاميَّة وغير الإعلاميَّة، والتغريدات، وإعلانات حسن النوايا، والبيانات العاطفيَّة، والجولات الشعبويَّة بين الناس المعوزين، والمؤتمرات الصحفيَّة وغير الصحفيَّة… إلخ. جميعها عبارة عن عمليّات مُشاحَنة، ليس إلاّ. وتظلّ هذه العمليّات سرِّيَّة، طالما لم تتحدَّد وُجهتها، وما إذا كانت ستؤول إلى النجاح أو الفشل.

ففي حالة النجاح، يخرج طرفا الصفقة ليزفَّا “التفاهم” أو الاتفاق” أو “التسوية” لجمهوريْهما ولنا. أمّا في حالة الفشل، فكلّ طرفٍ يصرخ بالطرف الثاني وبنا “يا ويلكم من بعدي”! في الأثناء، أسئلةٌ عديدة تُطرَح على حكّامنا في الوقت الضائع: على أيّ حلٍّ أو اتفاقٍ أو تسويةٍ أو صفقةٍ، تتفاوضون؟ وعَلَامَ تراهنون يا سادة؟ وعَلَامَ تعلِّقون رهاناتكم؟ وبماذا تتأمّلون بعد؟ وماذا تبتغون تحقيقه، في الوقت الذي تحاولون شراءه؟

هم يشترون وقتاً لم يَعُد لهم. هم يمرِّرون أيّاماً لم تَعُد تتّسع لهم. فلقد أيْنَع وقتُ أفولهم، وحان قطافُهم. بقي على الشعب أن يختار كيفيَّة هذا القطاف

ولأنّنا لم نعْتَد على تلقّي أجوبة من جانب سلطتنا المارقة، فسنحاول استخلاص بعض الدوافع:

أوّلاً، ينتظر كلُّ ركنٍ من أركان السلطة، الآخرين. أي، أن يبادر أحدهم بخطوةٍ ما، تمدِّد الأزمة والوقت الضائع معها. بمعنى، ينتظر أحدهم “الدعسات الناقصة” للآخر، لعلّها تزيد، باعتقاده، من حظوظ عودته إلى الصورة، مع سؤالٍ شامِت للناس: “أرأيتم؟ قلتُ لكم لا بديل عنّي”.

ثانياً، استنزاف الكلّ للكلّ عبر لعبة عضّ الأصابع، بانتظار مَن سيصرخ أوّلاً. فالكلّ يكره الكلّ، ويعتبر أنّ له حقوقاً مهدورة في حصْر الإرث. لذا، يجب ألاّ يبقى إلاّ الأقوى في العهد الأقوى. وقوّة على قوّة ستمكِّن القوي، ربّما، من احتلال البيت الأبيض والكرملين!

ثالثاً، إتاحة الفرصة أمام عشّاق “كُرْه” الركن الأقوى، أي حزب الله. يريدون تحميله أوزار كلّ الأزمات (حتى تلك المندلعة قبل تأسيسه). فهكذا، باعتقادهم، يمكن إزاحة الأنظار عن جرائم القوى الأخرى. هو التكتيك اللبناني المعروف بـ”تغيير الشنكاش”. والمفارقة، أنّ هذا التكتيك يلقى نجاحاً باهراً، خاصّةً أنّ هذا الحزب (الذي هو “على كلِّ شيء قدير” بالنسبة لجمهوره)، مُنكَبٌّ، هذه الأيام، على فتْح الجبهات المختلفة ضدّه. وهو، للإشارة، يتفوّق في هذه المهمّة، لأنّ “جسمه لكلِّ ثوبٍ لبّيس”.

رابعاً، تعبئة الوقت بخطابات “الثقافة المتراسيَّة” لإدارة الهزائم. خطابات قادرة أن تقول كلّ شيء ولا شيء. وعادةً، هذا النوع من الخطابات، صعبٌ جدّاً على صاحبه تسويقه، لأنّه مكروه جماهيرياً. فكيف إذا لم يكن لدى الخطيب، إلاّ وعود بالعاصفة؟

خامساً، نهْب ما يمكن نهْبه من موجودات، وتمويه ما يمكن تمويهه من فضائح، قبل الإنهيار الكامل والإنفجار الشامل. فحكّامنا محتاجون للوقت، كي يطمسوا آثار الجريمة. تماماً، كحاجة القاتل للوقت، كي يخفي جثّة الضحيّة!

سادساً، تشجيع موجة هجرة شبابيَّة تخفّف من عدد الأفواه الجائعة، وتقلِّل من أعداد المتظاهرين والمنتفضين العائدين إلى الساحات. فالأرقام تخيف حكّامنا وتُربكهم. كما في حسابات الشارع، كذلك في حسابات الخسائر المُقدَّمة إلى صندوق النقد الدولي.

سابعاً، تهيئة الأجواء لموجة اغتيالات (شبيهة بموجة 2005)، لعلّها تُلهي الشارع قليلاً، فتُريح السلطة كثيراً. خصوصاً، إذا طالت التصفيات رموزاً ثوريَّة، وبضعة ناشطين مُتعِبين. ولا بأس، بالمناسبة، من تجهيز أكاليل الزهور لبعض الحلفاء والخصوم.

ثامناً، التلويح، بين وقتٍ وآخر، بالفتنة. فهذا أيضاً، يُلهي الشوارع الطائفيَّة قليلاً، ولا سيّما منهم غرائزيِّي الطوائف الذين ربَّتهم السلطة وزعماؤها، بريف العين. لكنّ المطلوب ألا يُغرَز السيف في البطون، بل أن يبقى مسلطاً. أي، أن يبقى منسوب التهديد بالفتنة مضبوطاً، كي لا تنفلت الأمور من عُقالها، قبل الأوان.

تاسعاً، تعميق حالة الإحباط، على كلّ المستويات، وإفهام مَن لم يفهم بعد من الناس، أنّ كلّ نشاطٍ “تمرُّدي” على السلطة، هو من دون أمل أو أفق. ويجب ألاّ ننسى أبداً، أنّ حُكّامنا يتوقون إلى الانتقام من الذين تجرّؤوا عليهم في 17 أكتوبر، وإلى التمتُّع بمشاهدة اللبنانيّين يحصدون ما زرعوه من خنوعٍ لهم، طوال عقود (شعبنا منذور منذ الأزل للجهاد الزراعي!).

عاشراً، المراهنة على أن يحنَّ فؤاد “المجتمع الدولي”، بعد طول تمنُّع، فيرسل لهم فُتات العون. وإلى جانب هذا الانتظار، يندرج انتظارٌ آخر يراهن على “تغيُّرٍ ما” في موازين القوى الإقليميَّة والدوليَّة، ولا سيّما بعد الانتخابات الرئاسيَّة الأميركيَّة.

كلمة أخيرة. يقول الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا: “لا يمكن استباق المستقبل إلاّ في صيغة الخطر المطلق”. لا يُقنِع هذا المنطقُ زعماءنا. والأكيد أنّهم لن يتركوا السلطة، إلاّ والبلد أرض محروقة على الطريقة الستالينيَّة. لن يتركوها، إلاّ بعد تبديدهم ما تبقّى لنا من أوكسيجين للتنفّس. لن يتركوها، إلاّ بعد أن يشتروا كلّ الوقت المتبقِّي في أيّامنا، ومن ثمّ إضاعته. هم يشترون وقتاً لم يَعُد لهم. هم يمرِّرون أيّاماً لم تَعُد تتّسع لهم. فلقد أيْنَع وقتُ أفولهم، وحان قطافُهم. بقي على الشعب أن يختار كيفيَّة هذا القطاف. باستقالتهم؟ بإقالتهم؟ بالإنقلاب عليهم؟ باقتلاعهم من الجذور؟ بتركهم يموتون موتاً رحيماً؟ أو جعلهم يموتون موتاً لا يرحم؟

إقتضى ألاّ يُترَك لهم تَرَفُ اختيار لحظة القطاف وشكلها.

وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download