كتابان مفخخان من الموساد.. يصرعان ضابطين مصريين (9)

في الحلقة السابقة من كتاب "انهض واقتل اولاً، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الاسرائيلية"، يعرض الكاتب رونين بيرغمان كيف إنتقلت إسرائيل من خطة إرتكاب المجازر ضد المدنيين رداً على العمليات الفدائية إلى شن حرب استخباراتية ضد المخابرات المصرية، فقررت إستهداف الضابطين المصريين مصطفى حافظ في قطاع غزة ومصطفى صلاح في الضفة الغربية، وذلك بعد ان وجدت ان ملاحقة وقتل الفدائيين الذين ينفذون عمليات ضد المستوطنين لم توقف حرب الفدائيين المدعومين من مصر.

يقول رونين بيرغمان انه في منتصف خمسينيات القرن الماضي كان الضابط المصري مصطفى حافظ (مسؤول المخابرات المصرية في غزة) يحقق انتصارات كبيرة على “الاستخبارات الاسرائيلية” من خلال حرب الفدائيين، وراح يتردد اسم حافظ في كل التقارير الاستخباراتية الإسرائيلية عن الهجمات الفدائية، ولكن بحسب احد ما يقول احد القادة الميدانيين في “الاستخبارات الاسرائيلية” ياكوف نمرودي “كنا نعرف ان حافظ شاب في الثلاثين من العمر بهي الطلعة وصاحب كاريزما قوية وكان الاسرى لدينا يتكلمون عنه بإعجاب شديد، وكنا نعتبر حافظ من افضل العقول الاستخباراتية المصرية”. ويضيف نمرودي، الذي كان نظير حافظ على الجانب “الاسرائيلي”، ان حافظ “تمكن من القبض على العديد من عملائنا وتصفيتهم او انه حولهم الى عملاء مزدوجين عبر المعاملة الطيبة التي كانوا يعاملهم بها. وفي حرب العقول هذه كان النصر فقط للافضل”. ويضيف بيرغمان، نقلا عن نمرودي “كان حافظ رأس الافعى الذي كان علينا ان نقطعه”.

كانت هناك ثلاثة اسباب تحول دون قتل حافظ، بحسب ما ينقل بيرغمان عن ابراهام دار، الذي كان حينها ضابطا برتبة رائد في جهاز “امان” الاستخباراتي والذي كلف بجمع المعلومات عن حافظ. “اولاً، صعوبة جمع المعلومات الكافية عن حافظ وتحركاته ومكان اقامته، ثانياً، صعوبة الوصول اليه وقتله، ثالثاً، فان حافظ كان ضابطا بارزا في جيش دولة ذات سيادة ومن شأن قتله ان يعتبر تجاوزا للخطوط الحمر في العلاقة مع مصر وقد يؤدي الى تدهور الامور الى المجهول”.

ويقول بيرغمان ان كل محاولات الامم المتحدة لوقف حرب الفدائيين عبر التوسط بين “اسرائيل” ومصر وصلت الى حائط مسدود، وواصل الفدائيون بدعم من حافظ هجماتهم طوال عام 1955 الى ربيع العام 1956. وفي 29 نيسان/ابريل من ذلك العام، تمكن الفدائيون من قتل الملازم الشاب في الجيش “الاسرائيلي” روي روتبيرغ الذي كانت مهمته حراسة كبيوتز ناحال عوز عند الحدود الجنوبية، ويضيف بيرغمان ان الفدائيين لم يكتفوا بقتل روتبيرغ بل اقتلعوا عينيه وسحبوا جثته الى خط الحدود كي يبدو ان قتله تم بعد ان اجتاز تلك الحدود المرسومة من الامم المتحدة.

دايان أمام حفرة قبر روتبيرغ: “ملايين اليهود الذين همشوا لانه لم يكن لديهم وطن، هؤلاء ينظرون الينا من تحت التراب عبر التاريخ العميق ويأمروننا ان نستوطن ونبني وطنا لشعبنا”

نزل مقتل روتبيرغ على رئيس اركان الجيش موشيه دايان نزول الصاعقة، اذ انه كان قد التقى به قبل يوم واحد من مقتله خلال جولة له على المستوطنات الجنوبية، فوقف دايان في اليوم التالي امام حفرة قبر روتبيرغ وقال ما يمكن ان يلخص التوجه “الاسرائيلي” للتعامل مع الفلسطينيين في الاعوام المقبلة. قال دايان “دعونا اليوم لا نلوم القتلة، فمن نحن لنناقش اسباب كراهيتهم لنا؟ لثماني سنوات هم يعيشون في مخيمات للنازحين في قطاع غزة ينظرون باعينهم الى الاراضي والقرى التي ولدوا ونشأوا فيها هم واباؤهم وهي ارض اجدادنا. نحن جيل المستوطنين، من دون الخوذ الحديدية وهدير المدافع لن نستطيع ان نزرع شجرة او نبني بيتا على هذه الارض، ولن يستطيع اولادنا العيش من دون ان نحفر ملجأ ومن دون اسلاك شائكة وبنادق رشاشة لن نستطيع ان نعبد طريق او ان نحفر بئر ماء. ان ملايين اليهود الذين همشوا لانه لم يكن لديهم وطن، هؤلاء ينظرون الينا من تحت التراب عبر التاريخ العميق ويأمروننا ان نستوطن ونبني وطنا لشعبنا”.

وفيما كان دايان يلقي كلمته هذه، كان يقف الى جانب القبر ناتان روتبيرغ وهو قائد وحدة “شايطيت 13” المتخصصة بتصنيع العبوات الناسفة والمتفجرات، وهو ابن عم الضابط القتيل. بعد الانتهاء من مراسم الدفن، اقترب ناتان من عمه شمارياهو ووعده بان ينتقم لولده، وكان هذا الامر محط تأييد من دايان نفسه الذي تمكن من اقناع رئيس الحكومة ديفيد بن غوريون ليس فقط بشن عمليات انتقامية ضد القرى الفلسطينية بل ايضا باصدار الامر بعملية اغتيال مزدوجة تطال الضابطين المصريين حافظ وصلاح. وكان ذلك يعني “تصعيدا غير مسبوق”، بحسب رونين بيرغمان، واضاف ان ابراهام دار هو من كتب الامر العملياتي لهذه المهمة تحت اسم “عملية اونوخ”، وقد كان هذا اول امر بالاغتيال المتعمد يكتب ويباشر بتنفيذه في تاريخ “دولة اسرائيل”.

وينقل بيرغمان عن ابراهام دار قوله “كان يتضمن الامر وضع عبوات ناسفة للضابطين المذكورين وكان واضحا لدينا ان قتل حافظ يتطلب ان يقدم له العبوة شخص يثق به”، فوقعت اعين المخبرين الاسرائيليين على محمد الطلالقة، وهو شاب بدوي يعيش في قطاع غزة ويعمل كعميل مزدوج لدى حافظ ووحدة “شايطيت 13” من دون معرفة حافظ بان عميله يعمل لدى الاسرائيليين ايضا، فقرر مشغلو الطلالقة ان يسلموه رزمة ما ليسلمها لحافظ شخصيا، ولكن بقي السؤال ماذا يجب ان تكون اهمية هذه الرزمة حتى يتسلمها حافظ شخصيا وليس احد مساعديه؟ تقرر ان تكون هذه الرزمة عبارة عن كتاب يتضمن كل حلول الشيفرة والمورس التي يستخدمها الاسرائيليون.

عندما فضّ حافظ غلاف الرزمة، وقعت منه ورقة على الارض وما ان انحنى ليلتقطها حتى انفجرت الرزمة بين يديه متسببة له بجروح قاتلة، فصرخ وهو يهوي ارضا “قتلتوني يا كلاب”

ينقل بيرغمان عن ناتان روتبيرغ قوله للمخابرات “الاسرائيلية” انه اذا تم تأمين تأمين كتاب سميك الى حد ما، فانه بمقدوره زرع عبوة فيه بزنة 300 غرام من المتفجرات، وهي كمية اكثر من كافية لقتله اذا انفجرت بين يديه. وقد نجحت العملية نجاحا باهرا، ففي 11 تموز/يوليو 1956، عبر الطلالقة الحدود وتوجه مباشرة الى مقر قيادة الاستخبارات العسكرية المصرية في غزة، وقدم الرزمة بحماسة كبيرة لحافظ. وعندما فضّ حافظ غلاف الرزمة، وقعت منه ورقة على الارض وما ان انحنى ليلتقطها حتى انفجرت الرزمة بين يديه متسببة له بجروح قاتلة، فصرخ وهو يهوي ارضا “قتلتوني يا كلاب”.

يقول بيرغمان انه في اليوم التالي للعملية ذهب ناتان روتبيرغ، وهو بكامل لباسه العسكري الى منزل عمله شمارياهو وقال له “لقد انهيت لك حسابك مع مصطفى حافظ”، ويضيف نقلا عن روتبيرغ “سقطت دمعة من عين عمي وشكرني ليلتزم بعدها الصمت”.

ويضيف الكاتب ان قتل حافظ شكل احراجا كبيرا للمصريين لما تضمنه من خلل استخباراتي فكتبت صحيفة “الاهرام” في اليوم التالي لوفاة حافظ خبرا صغيرا يقول “الكولونيل مصطفى حافظ الذي يعمل في قطاع غزة قتل بانفجار لغم ارضي بسيارته، لقد كان احد ابطال الحرب في فلسطين التي حارب من اجل تحريرها، وقد سجل التاريخ اعماله البطولية وكان اسمه يثير الذعر والخوف في قلوب الاسرائيليين”.

في اليوم نفسه الذي قتل فيه حافظ، وفي وقت متقارب استلم مسؤول المخابرات المصرية في الضفة مصطفى صلاح بالبريد نسخة من كتاب “اوختنج بانزر”، لمؤلفه هاينس غودريان احد ابطال حرب الدبابات الالمان، وقد اختار ابراهام دار هذا الكتاب لمعرفته انه سيثير شهية مصطفى لمعرفته بالاهمية الاستراتيجية للكتاب. ويشرح كيف تم ارسال الكتاب الى مصطفى من دون ان يثير شكوكه بشأن مصدره، فيقول ان اثنين من عملائه دخلا الى القدس الشرقية خلسة (كانت لا تزال تحت الحكم الاردني) وارسلا الكتاب بالبريد مع الختم البريدي الاردني عليه، ولم يكن صلاح يعلم بعد باغتيال حافظ، ففتح الكتاب الذي انفجر بوجهه على الفور وادى الى اصابته اصابات بالغة تسببت بوفاته في المستشفى لاحقا. سارع موشيه دايان إلى الترحيب بنتائج عمليتي القتل واقام لهذه المناسبة حفلاً في حديقة منزله للاحتفال بقتل الضابطين المصريين حافظ وصلاح.

(*) في الحلقة المقبلة..  التآمر لشن العدوان على مصر عام 1956.     

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course