إلياس الفخفاخ ينتهي.. قيس سعيّد يبدأ
TUNIS, TUNISIA - SEPTEMBER 15 : Presidential candidate Kais Saied kisses Tunisian flag as he wins the presidential election according to unofficial results in Tunis on September 15, 2019. (Photo by Nacer Talel/Anadolu Agency via Getty Images)

يجد رئيس تونس قيس سعيّد نفسه أسير نموذجين رئاسيين سابقين لا يطيق أن يكون على صورتهما هما المنصف المرزوقي والباجي قايد السبسي. لذلك، يجد نفسه يبحث في كومة الأزمة السياسية عن إبرة صلاحيات يمنحه إياها الدستور لإيجاد مخرج لا يبدو سهلاً حتى الآن.

في الانتخابات الرئاسيّة التونسيّة الأخيرة (15 أيلول/ سبتمبر 2019) التي فاز بها رئيس الجمهوريّة الحالي قيس سعيّد بنسبة 72.71 في المئة، لم يتمكّن فيها رئيس الحكومة المستقيل إلياس الفخفاخ من المرور إلى الدور الثاني، بعد أنْ حصد نسبة قدّرها أقوياء النظر بـ 0.34 في المئة فقط، هذه النتيجة التي أهّلتهُ وبجدارة قلّ نظيرها، إلى المرور إلى ما تحت المجهر السياسي في تونس.  لكن رغم ذلك أنقذهُ رئيس الجمهوريّة من المخبر وأعادهُ إلى العلن السياسي، حين كلّفه في 20 كانون الثاني/ يناير 2019 برئاسة الحكومة، بعد إخفاق حركة النهضة التي حصدت 54 مقعداً (الأغلبية من أصل 217 مقعداً هي إجمالي عدد المقاعد في البرلمان التونسي) في الانتخابات التشريعيّة المنعقدة بتاريخ 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، في جلب ثقة البرلمان لمقترحها القاضي بتسمية الحبيب الجملي رئيساً للحكومة.
بدا أنّ رهان قيس سعيّد على سبّاحٍ فاشل سبقَ لهُ الغرق في مسبحٍ نصف أولمبي، غريباً وغير مبرّرٍ ويعبّر عن هوى لم يستطع المتابعون للشأن التونسي عن كثب فهمه تماماً، لا سيما أنّ الفخفاخ لم يبلِ حسناً أثناء توليّه وزارة الماليّة بعد حقيبة السياحة في حكومة حمّاد الجبالي في الفترة القصيرة الممتدة ما بين عاميّ 2012 إلى 2014، ثم احتفاظه بالمنصب في حكومة علي العريّض التي لم تعمّر إلا عاماً واحداً فقط.
وقد أحسن الفخاخ استغلال تسميته رئيساً للحكومة، فأدار ثقة الرئيس قيس سعيّد بهِ على نحوٍ استغلاليّ مكشوف للغاية؛ إذّ كوّن حكومتهُ  في مجملها من داعميّ رئيس الجمهورية، في محاولة منهُ لسدّ إعراض قيس سعيّد عن تأسيس حزبٍ سياسي يضمن لهُ صلاحياتٍ أوسع في ما لو حاز على الأغلبيّة البرلمانيّة في بلادٍ يتمتّع فيها البرلمان بقوّة سياسيّة كبيرة من ناحية؛ واستدرار ثقة الرئيس بخياره في وضع ثقته فيه بواسطة خلق مناخٍ سياسي مريح للرئاسة داخل الحكومة من ناحية أخرى.

5 أشهر بين التهاني والتعازي

وحتى يكتمل المشهد ويختتمُ المُقال أو المُستقيل من منصبهِ حفلة “التذاكي” هذه، قامَ الفخفاخ بإقالة وزراء حركة النهضة من حكومة بحكم المستقيلة بموجب الدستور، بعد أنّ جمعت النهضة وحزب قلب تونس الذي يرأسه نبيل القروي الذي كان عدوّاً للغنوشي في السابق، عريضةً فيها 105 توقيعاً فسيفسائياً مكوّناً إلى جانب النهضة (54 مقعداً) وقلب تونس ( 38 مقعداً): ائتلاف الكرامة (19 مقعداً)، وكتلة المستقبل (مجموعة حزاب لديها 9 مقاعد) ونوّاب مستقلين، حسب التصريح الذي أدلى به رئيس كتلة قلب تونس أسامة الخليفي لوسائل الإعلام في البرلمان التونسي.

السبب الأساس لسحب الثقة هو شبهة تضارب مصالح والتربّح من المنصب الحكومي بغية الحصول على مكاسب مشبوهة لشركات يملك رئيس الحكومة أسهماً كثيرة فيها

عبّر سحب الثقة من رئيس حكومة “ناضل” قيس سعيد في الدفاع عنه وعن وزارته والتمسّك بهما إلى آخر لحظة، عن رغبةً رئاسية في تحقيق شيء من الاستقرار السياسي، واتخاذه تالياً، فرصةً لخلق معادل موضوعي لنفوذ الغنوشي وسلطة الأغلبيّة البرلمانيّة على مؤسسة الرئاسة. أما السبب الأساس لسحب الثقة فهو شبهة تضارب مصالح والتربّح من المنصب الحكومي بغية الحصول على مكاسب مشبوهة لشركات يملك رئيس الحكومة أسهماً كثيرة فيها، فقد قال رئيس هيئة مكافحة الفساد شوقي الطبيب بأنّ المكاسب المقدّرة من هذا التربّح تصل إلى 44 مليون دينار تونسي، أيّ حوالي 15.6 مليون دولار أميركي. وهو المبلغ الضخم الذي يُعتقد بأنّ الفخاخ قد حصّله – حسب هيئة مكافحة الفساد – منذ أقلّ من خمسة أشهر بقليل، أيّ منذ لحظة أدائه اليمين الدستوريّة، وتلقيه التهاني بالتعيين في 27 شباط/ فبراير2020 إلى غاية قبوله “التعازي” بالاستقالة في 15 تموز/ يوليو 2020.
تأسيس حزب او تفكيك آخر   
رغم أنّ إلياس الفخفاخ رجل أعمال ناجح، امتلكَ إلى جانب الجنسيّة الفرنسيّة؛ حظاً سياسياً وفيراً، فهو كلّما أُزيح من منصبٍ سياسي نالَ آخر، إلا أنّه لا يدرك بأنّ السرّ الوحيد، ولعلهُ اليتيم الذي يساهمُ في إنجاح زواج المال بالسياسة، هو تسخير هذا المال في إحدى الأمرّين التاليين: إمّا أنّ تؤسس حزباً يأتمر بأمرك وحدك، ويقوم على الولاء بهدف المال وليس الانتماء على خلفية الاشتراك السياسي والاتفاق الأيديولوجي، وإمّا أن تفكّك حزباً آخر من شأنهِ أن يعترض وليدك الحزبي أو يقف كعقبة كأداء تعيق سبيلك المبلّط بالحظوظ الحسنة في قابل الأيام السياسيّة في بلادك. لكنْ أن تحوز على تمسّك الرئيس بك وتكتفي به، وهو ذاتهُ في حالة حربٍ باردة مع حزبيّ الأغلبية البرلمانيّة (حركة النهضة وقلب تونس)، في بلادٍ نظامها شبه برلماني، يناضل رئيسها المتخصّص في القانون الدستوري من أجل منح صلاحيات أكبر لرئيس الجمهوريّة، بحيث يتمّ الانتقال السلس إلى النظام شبه الرئاسي كامل الأحقيّة في المسمّى، فذاك أمرٌ شاقّ على شخصٍ بات متخصّصاً في إهدار الفرص الممنوحة، بلّ إنّه لم يسجل أيّ انتصارٍ سياسي سوى نجاحه السيبراني بفضل تعطّل التقانة في انفلات اسمه في صيغته اللاتينيّة من الفلترة الأخلاقيّة الآليّة لمواقع الصحف الناطقة باللغة الإنجليزيّة!

أتصوّر أن الانتهاء سريعاً من شبحيّ المرزوقي والسبسي قد اقترب من قيس سعيّد في حالة الخروج من أزمة البرلمان بأقلّ الأضرار المتوقعة، لاسيما أنّه أمام خيار مستقبليّ حرّره من المراهنة على إلياس الفخفاخ

قيس سعيّد: أنا الرئيس!
في كل مناكفاته الأخيرة لحركة النهضة؛ يريد الرئيس التونسي قيس سعيّد إثبات أنّه ليس المنصف المرزوقي ولن يكونهُ في يومٍ من الأيام، ليس لرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي فقط، وإنّما لكل الشعب التونسي ودول الجوار.. لكن فكرة تحليق قيس سعيّد عالياً فوق قوّة البرلمان التونسي في تقليص صلاحيات الرئيس أو تشذيبها، عدا عما يخوّله الدستور للرئيس في حالة حلّ البرلمان (رغم أنّ الحل مشروط بمرور أكثر من ستة أشهر من نيل الحكومة للثقة طبقاً لنص المادة 77 من الدستور التونسي)، فضلاً عن الفصل الـ 80 من الدستور التونسي، الذي يتيح لرئيس الدولة اتخاذ تدابير استثنائيّة في حالات المسّ بسلامة مؤسسات الدولة، يجعل أستاذ القانون الدستوري، يُفكر ملياً في إمكانية إقامة نظام رئاسي جامد ولو قليلاً، مستذكراً ما حدث للرئيس السابق الباجي قايد السبسي على خلفية الجدل الذي أضعفهُ حول دور نجله في حركة نداء تونس، الأمر الذي أفقد الرئيس الراحل كثيراً من قوّته السياسيّة وعزله في أواخر أيام حكمه رمزياً عن استغلال الهوامش السياسيّة الممنوحة له.
أتصوّر أن الانتهاء سريعاً من شبحيّ المرزوقي والسبسي قد اقترب من قيس سعيّد في حالة الخروج من أزمة البرلمان بأقلّ الأضرار المتوقعة، لاسيما أنّه أمام خيار مستقبليّ حرّره من المراهنة على إلياس الفخفاخ.. ممّا يعني أنّ هذا الاقتراب بطعم الحسم، ومن شأنّه أن يختطّ للرئيس التونسي مساراً جديداً يبتعد عن مظنّة عيشه في إحدى الضريحين السياسيين: المرزوقي أو السبسي.

ضيف حمزة ضيف

كاتب وصحافي جزائري

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course