ترف الخطأ والحروب.. Made in USA

بعد حادثة إقتحام مبنى الكابيتول، لا يمكن أن يستمر النقاش عن مصير الدولة العظمى من زاوية الصراع بين اليمين واليسار، متمثلاً بالحزبين الجمهوري والديموقراطي. ولا يمكن التكهن بمستقبل صناعة القرار في واشنطن من دون وقفة تأمل إستراتيجية عند مآلات هذا الحدث.

تستجلب الوقفة عند الحدث الأميركي أسئلة من نوع:

– ما مصير الرئيس دونالد ترمب؟

– ما مصير الترمبية؟

– ما هو تأثير الحدث على مستقبل الحزب الجمهوري؟

– أي تأثير على مراكز القوى في المؤسسات الحكومية؟

– هل من تأثير مباشر على السياسة الخارجية الأميركية؟

لنتفق أولاً أن أميركا دولة صنعها البشر، وأن هذه الدولة أخطاؤها من صنع البشر كذلك. لأجل ذلك، سعى الأباء المؤسسون للولايات المتحدة الى بناء منظومة دستورية مركبة ومعقدة جداً. بمعنى آخر، تستطيع الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض أخذ القرارات لكن صناعة القرار شيء وأخذه شيء آخر. لا مفر من المنظومة المتشابكة والتي يصطلح على تسميتها بـ”الاستبلشمنت”.

مثلاً، إلغاء الاتفاق النووي الإيراني في العام 2018، من قبل الرئيس ترمب ممكن، غير أن إبرامه من قبل الرئيس باراك أوباما في العام 2015 قصة مختلفة تماماً. من عند هذه النقطة، مارس ترمب الرئيس سلطاته الدستورية تحت تلك المظلة مستغلاً الهامش المتاح له. بقرار خروجه من الإتفاق، لم يكن ترامب يغرد خارج إطار التوجيه الاستراتيجي، بل خارج الإطار الإعلامي المحدد له. ما ذهب اليه من قرارات سبقتها تغريدات صاخبة من طرفه لا تسير في عكس إتجاه “الاستبلشمنت”.

هو الحزب الذي ينتمي اليه معظم من إخترقوا قبة البرلمان وسرقوا بعضا من مفروشاته. صورة بألف عنوان. أكبر عناوينها مصير الحزب الجمهوري أمام طوفان المتمردين على مؤسسة حزبية عريقة

قد نتفق أو نختلف حول ما إذا كانت الترمبية بمضمونها العميق قد بدأت مع دخول ترمب إلى البيت الأبيض قبل أربع سنوات، لكن مع خروجه منه، بات متيقناً أن اللعبة تحتاج إلى شروط حتى تنتهي أو تستمر. الترمبية هي نتاج مجتمع وسياسات وتراكم تاريخي سياسي وإقتصادي وأخلاقي. الترمبية ستترك حتماً تداعيات ونتائج، تتجاوز جلب أقصى اليمين الى مجرد عنوان ترمب في منصات التواصل الاجتماعي (تويتر وفايسبوك نموذجاً).

وبين لابس القرون العاري الصدر وبين الجالس بأريحية تاركاً جزمتيه ترتاحان على مكتب رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، ستقترن صورة الترمبية بالفوضى والكذب وكسر القانون والتقاليد. الباقون من الحشد الشعبي الترمبي سيتوجب عليهم تقديم عوائدهم الضريبية في وقتها كما في كل عام أو مواجهة المسألة القانونية. يمكن وصف الترمبية اليوم بأنها حالة لطالما كانت كامنة وستبقى موجودة في الحزب الجمهوري ولو بمسميات مختلفة.

هذا الحزب الذي يفتخر أعضاؤه بأنه صنيعة الأباء المؤسسين لأميركا والذي شكل رأس حربة بوجه الشيوعية ويزعم أنه هو من تمكن من الإنتصار عليها. الحزب ذاته الذي تربع على عرش النظام الدولي الجديد بعد سقوط الإتحاد السوفياتي في العام 1991. الحزب الذي بالغ في إدعاء الحفاظ على الأخلاق المسيحية. علينا ألا ننسى أن ترامب عزف طوال أربع سنوات على وتر استمالة الإنجيليين، لا سيما بتعيينه  باولا وايت “مستشارة روحية” له. ترامب “على علاقة شخصية مع الرب يسوع”، قالت وايت بعد تسلمها مهامها في “الأرض المقدسة”، أي البيت الأبيض!

هو الحزب الذي ينتمي اليه معظم من إخترقوا قبة البرلمان وسرقوا بعضا من مفروشاته. صورة بألف عنوان. أكبر عناوينها مصير الحزب الجمهوري أمام طوفان المتمردين على مؤسسة حزبية عريقة. هذا لا يعني أن الحزب الجمهوري سيخرج من “الاستبلشمنت”. هو لا يستطيع حتى لو قررت الحشود مجتمعة ذلك. دعوات الانفصال الى اليوم هي دعوات لا تملك قدرة التغيير. مراكز القوى في مؤسسات الدولة العميقة متماسكة وليست ممسوكة كما يحلو للبعض الإعتقاد. لا مؤامرات ولا أحزاب سرية تمسك بالقرار الأميركي. حتى اللوبي الصهيوني قوته بأنه الأكثر تأثيراً لا قدرة.

أميركا تمتلك ترف الخطأ. نظرة تستحق التأمل والتدقيق، ولو أن حدث السادس من كانون الثاني/ يناير سيحتاج من الجمهوريين إلى جهد مضاعف لإستعادة وحدة حزبهم. قد يقتضي الأمر خلق عدو والعدو لن يكون أميركياً.. لننتظر ونرَ

المقصود هو أن السياسة الخارجية الأميركية ستكمل مسار انسحابها من البر الى البحر، كما قرر ذلك “الاستبلشمنت”، وأعلنه بلسان باراك أوباما الرئيس سابقا. بذلك تطوي الولايات المتحدة حقبة. هبطت قوات العم سام على الأرض (البر) بعددها وعديدها من أجل حماية الديموقراطية الجفرسونية من الإرهاب الإسلامي، العدو الأول للأمة الأميركية بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر. منذ أن قررت واشنطن النزول العسكري إلى البر في أفغانستان والعراق (2001 – 2003) أصبحت في موقع الدفاع وليس الهجوم. منذ تلك اللحظة، تدحرجت القوة الصلبة الأميركية من قوة فعل الى قوة ردة فعل. فقد جهدت إدارات البيت الأبيض المتعاقبة في البحث عن سياسة مستدامة وسط الفراغ الذي لفّ منطقة الشرق الأوسط. أضف إلى ذلك الإستنزاف الإستراتيجي الذي وقعت فيه واشنطن مجتمعة (الحزبان الجمهوري والديموقراطي) جراء عوامل عديدة أبرزها الصعود الاقتصادي الصيني.

هذا التغيير في الميزان الإستراتيجي قابله تحول كبير في سياسة الدول المنافسة. مما دفع واشنطن للإعتماد على حلفائها الإقليميين في حماية مصالحهم ومصالحها، متكئة أكثر على سياسة العقوبات الاقتصادية لأجل التفاوض لا الحرب. وستكون الكلمة الفصل دائماً للدولة العميقة، في سياق التوجهات الإستراتيجية.

قبل حوالي السنة، وتحديداً قبل تحول فيروس كورونا إلى جائحة تلف القارات الخمس، إلتقيت بصديق مثقف مطلع جيداً على الشؤون الأميركية. في هذا الحوار، ردّد الخبير الذي أقام لسنوات في الولايات المتحدة، الجملة الآتية: “أميركا تمتلك ترف الخطأ”، وذلك في معرض وصفه للولايات المتحدة الأميركية.

بعد أحداث كانون الثاني/ يناير الأسود، تبرز تلك الجملة مرة أخرى كشاهد عيان على أن السياسة الأميركية لها حسابات لا تتعلق بالربح والخسارة، بل هي أقرب إلى ميزان حر لا يخضع لقوانين الكون من قوى الجاذبية وغيرها. فلنتخيل سوية لو حصل إقتحام من قبل مناصرين للرئيس فلاديمير بوتين لمبنى البرلمان الروسي. لكان إرتفع معها سعر برميل النفط مع هبوط حاد لسعر صرف العملة المحلية. وكيف لو حصل ذلك في الصين أو إيران أو فنزويلا أو كوريا الشمالية؟

في عالم السياسة، يبدو أن من يملك ترف الخطأ هي دولة مثل الولايات المتحدة. لا ينفي الصراع بين الترمبية والمؤسسة (الاستبلشمنت) ترف إرتكاب الأخطاء الذي يبدو أن المؤسسة ذاتها تدركه وتهضمه. لنراجع بعض الأخطاء الأميركية في الماضي القريب. حرب السويس في العام 1956. كان الخطاب المؤدي إلى الحرب يتحدث عن التكلفة المدفوعة من مصر الى بريطانيا وفرنسا والتي كانت تقدر قيمتها بثلاثين مليون جنيه. أي ما يعادل 100 مليون دولار بقيمة اليوم. قيمة أسقطت الدولة الإنجليزية والفرنسية عن عرش الإمبراطورية آنذاك. حرب النجوم في عهد الرئيس الأميركي رونالد ريغان. حرب بكلفة مائة مليار دولار بقيمة اليوم أسقطت الإمبراطورية السوفياتية التي أرعبت العالم الغربي مجتمعاً! حروب مستمرة في أفغانستان بتكلفة مائة مليار ولم تنته.. وفي العراق بتكلفة مائة مليار ولا تزال مشتعلة ولم تسقط واشنطن. أميركا تمتلك ترف الخطأ. نظرة تستحق التأمل والتدقيق، ولو أن حدث السادس من كانون الثاني/ يناير سيحتاج من الجمهوريين إلى جهد مضاعف لإستعادة وحدة حزبهم. قد يقتضي الأمر خلق عدو والعدو لن يكون أميركياً.. لننتظر ونرَ.

طارق زيدان

كاتب سعودي

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course