الكاظمي في واشنطن: الإنسحاب الأميركي مقابل أية إغراءات؟

النتائج العلنية لزيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى الولايات المتحدة، باتت معروفة. ما يحتاج إلى تدقيق وتحليل هو ما يمكن أن تكون قد أفضت إليه الزيارة من "إلتزامات سرية" تتكشف مع مرور الزمن.

لكل من الولايات المتحدة وإيران “تجربة إستخباراتية عميقة وجيدة” مع مصطفى الكاظمي عندما كان مديراً للمخابرات على مدى سنوات. لديهما الكثير من الشواهد على ذلك. وخلافاً لكل ما أشيع سابقاً، لم تشك إيران ولو للحظة واحدة أن الكاظمي متورط في عملية اغتيال الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، لا بل بالعكس. عبّرت إيران عن إستيائها الشديد من هذه الإتهامات التي أطلقها حلفاء لها في بغداد. هذا الموقف سمعه الكاظمي في طهران من جهات إيرانية وازنة، ولذلك تعهد بتسريع التحقيق وتسليم النتائج للإيرانيين، على حد تعبير مصادر قريبة من الإيرانيين والكاظمي.

عندما أصبح الكاظمي رئيساً للوزراء، كان متيقناً أنه بعلاقاته “المميزة” مع كل من واشنطن وطهران “سيكون أفضل شخصية مهمتها تهدئة الوضع بين إيران والولايات المتحدة في الساحة العراقية”، على حد تعبير أحد الصحافيين المقربين منه. مهمة لن تكون سهلة بطبيعة الحال. قبل أن يتوجه الكاظمي إلى الرياض في أول زيارة رسمية خارجية ألغيت بسبب مرض الملك السعودي، حلّ وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف ضيفاً على بغداد. قبل أن يتوجه الكاظمي إلى واشنطن، حل قائد قوة القدس اللواء اسماعيل قاآني ضيفاً على المنطقة الخضراء. حتماً لم يكن ممكناً لزيارة واشنطن أن تتم إلا بعد زيارة طهران. مع عودة الكاظمي من واشنطن غداً (السبت)، ستتجدد الإتصالات بينه وبين طهران، فالرجل يريد الحفاظ على “الستاتيكو” العراقي، أقله حتى ينجلي مشهد الإنتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، ومن بعده مشهد الإنتخابات الرئاسية الإيرانية في أيار/مايو المقبل.

تطرح هذه السردية مسألة التوقيت في زيارة الكاظمي إلى الولايات المتحدة وإجتماعه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس (الخميس) في البيت الأبيض.

هنا يكمن جوهر الزيارة. توقيت يريد الإيرانيون إستخدامه للضغط على الأميركيين لإنتزاع إلتزام بإنسحابهم من العراق قبل نهاية العام الحالي، أي قبل موعد الإنتخابات الأميركية. بالمقابل، لا يريد الأميركيون أن يقدموا أية إشارة تنازل للإيرانيين. لذلك، لم يحددوا موعداً نهائياً ولا حجماً للقوات التي ستنسحب، وهذا الأمر عبر عنه ترامب عندما قال إنه يريد الإنسحاب بأسرع وقت، وتوقع أن ينجز ذلك في غضون ثلاث سنوات (ربط وجود القوات الأميركية فقط بمحاربة تنظيم داعش). من الواضح أن طهران وواشنطن ستحاولان الدفع بإتجاه صيغة ثالثة، وهذه هي وظيفة “الحوار الإستراتيجي” الذي إنطلقت مرحلته الأولى بين بغداد وواشنطن في حزيران/يونيو المنصرم.

يفترض أن يناقش الحوار الإستراتيجي ضمان مصالح الولايات المتحدة في العراق، وهذا الأمر يعني أن المصالح الإقتصادية ستتقدم على ما عداها. مشاريع كثيرة يعوّل الأميركيون عليها في قطاعات النفط والكهرباء وهذا الأمر دلّت عليه الاتفاقات التي جرى التوقيع عليها في مجال الطاقة والكهرباء بقيمة 8 مليارات دولار.

ثمة عوامل أخرى ساهمت بجعل لقاء ترامب والكاظمي حمال أوجه كثيرة.

أولاً، العراق واقع عملياً بين المطرقة والسندان. الكاظمي يمارس وسطية في الموقع الإقليمي للعراق، تجعله يحتسب كل خطوة يقوم بها ويضعها في ميزان مصالح الفيلين الكبيرين المقيمين في البيت العراقي الواحد. هذا يسري على ما قدمه من إلتزامات (غير معلنة) للقيادة الإيرانية، وتحديداً للسيد علي الخامنئي قبل أن يتوجه إلى واشنطن، وفي الوقت نفسه، ما قدمه من إلتزامات (غير معلنة) للإدارة الأميركية وتحديداً إلى ترامب، وهذه الإلتزامات السرية مألوفة في العلاقات بين الدول، ولكنها تصبح طبيعية مع شخصية مثل مصطفى الكاظمي.

ثانياً، حرص الكاظمي على إستقبال قائد قوة القدس اللواء اسماعيل قاآني في بغداد قبل يومين من توجهه إلى واشنطن، أي أن “إلتزامات” الرحلة الأميركية يفترض أن تكون قد حظيت بموافقة إيرانية ما. على الرغم من أن الكاظمي صرّح أنه ليس “ساعي بريد”، إلا أن كثيرين انتظروا زيارته إلى واشنطن لمحاولة فهم طبيعة الرسالة التي وجهها قاآني (طهران) إلى واشنطن عبر رئيس الوزراء العراقي أو الرسالة الأميركية للإيرانيين بعد إنتهاء الزيارة (مقايضة الإنسحاب الأميركي الحتمي بمجموعة من الإلتزامات العراقية).

إحتمال إندلاع دخان من غزة يكون شبيهاً بدخان إنفجار مرفأ بيروت تكون وظيفته تغطية المشهد التطبيعي الجديد الذي لا يجوز التقليل من أهميته ونتائجه، خاصة وأنه يضع إسرائيل في الخليج على حدود إيران بحراً، مثلما وضع المشهد السوري إيران عند حدود إسرائيل براً

ثالثاً، جاء اللقاء الأميركي ـ العراقي، غداة الحديث عن مباحثات إيرانية اميركية غير مباشرة على الاراضي العُمانية في الأسابيع الأخيرة، الأمر الذي أوحى بمسار تهدئة في ساحات المنطقة، برغم أن مجريات الساحة الفلسطينية وتحديداً في غزة تشي بتصعيد يخشى أن يتدحرج ربطاً بتطورات عديدة، أبرزها إتفاق السلام الإماراتي ـ الإسرائيلي، اي إحتمال إندلاع دخان من غزة يكون شبيهاً بدخان إنفجار مرفأ بيروت تكون وظيفته تغطية المشهد التطبيعي الجديد الذي لا يجوز التقليل من أهميته ونتائجه، خاصة وأنه يضع إسرائيل في الخليج على حدود إيران بحراً، مثلما وضع المشهد السوري إيران عند حدود إسرائيل براً.

رابعاً، جاءت زيارة الكاظمي بعد تغاضي الأميركيين عن التدخلات التركية في العراق، وتركها ورقة ضغط بوجه الطرف الإيراني تحديدا لدفعه نحو مسار تكون فيه أميركا أقدر على تطويعه مستقبلاً، وهذه النقطة أثارها الكاظمي مطالباً واشنطن بالتدخل لدى أنقرة من أجل إحترام سيادة العراق وحدوده.

خامساً، تزامنت الزيارة مع اتساع الاغتيالات ضد ناشطين سياسيين ومدنيين في العديد من مدن العراق ولا سيما البصرة، على الرغم من إقالة قائد شرطة البصرة منذ أقل من أسبوع، الأمر الذي عمّق الضغط الداخلي والأميركي بوجه رئيس الوزراء العراقي، الذي بات يحتاج إلى تثبيت سلطة وهيبة حكومته في الداخل عبر توفير روافد من الدعم والضمانات الخارجية من كل من واشنطن وطهران!

سادساً، لا يجوز التقليل من حجم الحضور الإسرائيلي على خط زيارة الكاظمي إلى واشنطن. فقد تزامنت الزيارة مع مناخ تحريضي عبرت عنه بعض وسائل الإعلام الأميركية والإسرائيلية التي حثت رئيس وزراء العراق على حل الفصائل المسلحة (الحشد الشعبي) وحصر السلاح بيد الدولة العراقية. كذلك كان لافتاً للإنتباه أن نائباً عراقياً سابقاً دعا إلى توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل على غرار الإمارات على اعتبار أن “العراق بحاجة إلى الخروج من معسكر الحروب والتطرف والأوهام، وهو بحاجة لبناء علاقات مستقرة مع كل دول العالم… هذا العراق بحاجة إلى بناء علاقة سلام مع اسرائيل”. زدْ على ذلك العلاقات المعلنة بين تل أبيب وبعض الوجوه السياسية الكردية العراقية.

سابعاً، عكست الزيارة قدرةً أميركية على محاولة لي ذراع الجانب العراقي، إن صحّ التعبير، ذلك أن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إعتبر أن سيادة العراق مبنية على الدعم الأميركي، وأن اللقاء (بين الكاظمي وترامب) لا يجب أن يركز على انسحاب القوات الأميركية من العراق، إلا أن ترامب أكد  في مؤتمر صحفي مشترك مع الكاظمي في البيت الأبيض عزم بلاده على خفض قواتها في العراق، معتبراً أن إرسال القوات إلى هناك كان خطأ كبيراً، في رسالة بدت موجهة إلى الداخل الأميركي، مشدداً على أن القوات الأميركية موجودة في العراق للمساعدة في حال أقدمت إيران على أي شيء، ومركزا على مشاركة شركات أميركية في العديد من مشاريع التنقيب عن النفط بالعراق، وهي إشارة انتخابية بإمتياز أيضاً.

ثامناً، عكست مواقف وزير الخارجية العراقي في واشنطن دقة وحراجة موقف بغداد. صرّح فؤاد حسين أن بغداد تتعامل مع إيران ودول الجوار، وفق مبدأ المصالح المُشتركة، شرط أن لا يتدخلوا في الشؤون الداخلية، لكنه أشار إلى أن الولايات المتحدة حليف قوي للعراق، وأكد عزم بلاده على توقيع عدة اتفاقيات جديدة مع الجانب الأميركي (أبرزها دعم واشنطن مشروع الربط الكهربائي للعراق مع دول الخليج)، وهذا الموقف قوبل بردود فعل سلبية في بغداد، على اعتبار أن هذا سيكلف العراق مليارات الدولارات برغم انه يعاني من ازمة مالية خانقة، وعلى اعتبار أن زيارة الكاظمي كان من المفترض أن تؤمن مساعدات مالية لا أن تفرض مزيدا من الديون على بلاده!

تاسعاً، كان لافتاً للإنتباه صدور بيان بإسم “فصائل المقاومة العراقية”، قبيل عودة الكاظمي من واشنطن، حذرت فيه من “الإنتقال من مرحلة العمل المقاوم التدريجي السابق ومنح فرصة للحوار السياسي إلى مرحلة التصعيد وإستهداف كل المصالح الأميركية وزلزلة الأرض تحت قواتهم المحتلة”. ومن المنتظر أن يضع الكاظمي جميع الفصائل العراقين، ومنها فصائل الحشد الشعبي في أجواء الإلتزامات التي حصل عليها في ما يخص النقطة الجوهرية وهي جدولة الإنسحاب الأميركي.

ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free