لبنان لا يعزل نفسه.. قياداته تعزله عن العالم
Smoke rises from the chimney's of Lebanon's electricity power plant in the town of Zouk Mosbeh north of Beirut on July 5, 2012. Lebanon has long suffered from electricity outages because of shortages at its power plants whose maximum capacity is less than 1,500 megawatts but the country’s actual need exceeds 2,300 megawatts. AFP PHOTO/JOSEPH EID (Photo credit should read JOSEPH EID/AFP/GettyImages)

لم تهدأ حركة القادة والموفدين والبوارج والأساطيل الجوية منذ كارثة الرابع من آب/أغسطس 2020. وفي إنتظار أن يُكلَّف رئيسُ حكومة وتُولد وزارة لبنانية جديدة تتبنى الإصلاحات، يصبح السؤال كيف نتضامن مع أنفسنا كلبنانيين حتى نستثمر تضامن العالم معنا؟

يعود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلينا غداً (الإثنين)، لمناسبة مئوية لبنان الكبير. برنامج الضيف الفرنسي حافل. الحكاية ليست هنا وتتجاوز كل حديث عن بداية فك العزلة الدولية عن لبنان. لا فرنسا ولا اي بلد غربي  او عربي قرر عزل لبنان أو خنقه. لبنان قرر أن يخنق نفسه وأن يعزل نفسه عن المجتمع الدولي.

على مدى عقدين من الزمن، نظمت فرنسا اربعة مؤتمرات لمساعدة لبنان، مقابل وقف الهدر ومكافحة الفساد واصلاح بعض القطاعات الحيوية. مطالبها في الأصل مطالب شعبية لبنانية. ثمة مفارقة أن لبنان لم ينفذ طوال عقدين من الزمن اياً من الوعود التي التزم بها في المؤتمرات الثلاثة الاولى. في المؤتمر الرابع (سيدر ـ 2018)، اشترط المشاركون ان يبدأ لبنان بتنفيذ تعهداته قبل صرف فلس واحد من أصل 11 مليار دولار التزم بها “اصدقاء لبنان” لتمويل مشاريع يشرفون على تنفيذها بأنفسهم لانهم لا يثقون بدولتنا. برغم ذلك، لم يبدأ حكام لبنان باصلاح ما يطلبه اللبنانيون ويتبناه أصدقاء لبنان في العالم.

المجتمع الدولي مهتم بلبنان. ارسلت فرنسا الدبلوماسي العريق بيار دوكان (المسؤول عن ملف سيدر) مرات عديدة الى لبنان لحث المسؤولين اللبنانيين على تنفيذ ما التزمت به حكومة هذا العهد في مؤتمر سيدر في نيسان/ابريل 2018. كل مسؤول لبناني زار باريس سمع كلاماً فرنساً واضحاً. لا قروض من دون إصلاحات. كل الدول المهتمة بأمر لبنان مثل فرنسا والولايات المتحدة والسعودية والامارات وقطر والاتحاد الاوروبي وغيرها، طلبت من سفرائها، الإلحاح المستمر على أهمية تنفيذ السلة الإصلاحية.

المجتمع الدولي لا يريد للبنان ان ينهار. ليس من مصلحة ايّ من هذه الدول ان تتفرج على لبنان وهو ينهار، ولهذه الأسباب، عقد مؤتمر سيدر في العام 2018 وزارت بيروت وفود دولية عديدة أبرزها الرئيس الفرنسي. لهذه الاسباب ايضا يُلح صندوق النقد الدولي على الإصلاحات ويرفض حتى المساعدة في إعمار ما دمره إنفجار المرفأ قبل أن تشرع السلطات اللبنانية بتنفيذ تلك الإصلاحات.

وُجِدَ صندوق النقد لأجل مساعدة الدول الأعضاء التي تواجه أزمات مالية ونقدية، وهو بالفعل ساعد دولاً متقدمة كبريطانيا ودولاً نامية ودولاً متوسطة الدخل، ولطالما قدم قروضاً مشروطة باصلاحات مالية ونقدية، لمعظم الدول العربية والاسلامية. وكان خبراء الصندوق يشددون، في تقاريرهم السنوية عن لبنان، على أهمية وقف الهدر والفساد المالي وتعويم الليرة وخفض سعر الفائدة. ولم يترددوا في السنوات الأربع الأخيرة في إنتقاد الهندسات المالية التي قام بها البنك المركزي اللبناني.

للتذكير والتكرار، فان عناوين الاصلاحات المطلوبة باتت واضحة: تعويم الليرة، سعر فائدة قريب من السعر العالمي، اصلاح الكهرباء، ضبط الواردات والجمارك، قضاء مستقل، ودائرة مناقصات عامة تعمل بفعالية وشفافية. هذه المطالب لبنانية بحتة، وهي بالتحديد مطالب جمهور إنتفاضة 17 تشرين الاول/أكتوبر.

أما القضايا الخلافية من نوع ترسيم الحدود البحرية والبرية والإستراتيجية الدفاعية (سلاح حزب الله ضمناً)، فقد تكون مطالب بعض اللبنانيين، لكنها حتماً ليست ولن تكون ابداً من اختصاص او مسؤولية صندوق النقد او البنك الدوليين.

اذا كان هناك فساد، حان الوقت لأن يشبع الفاسدون وأن يتركوا الامور تسير حسب القوانين المرعية الاجراء. وإن كانوا براء من الفساد، حان الوقت لان يغيروا قوانين لعبتهم التي لم تأت إلا بمردود سلبي للبنان

ولما كنت قد عملت في البنك الدولي حوالي عقدين من الزمن، فقد أصبحت متيقناً ان هذه المؤسسة المالية الدولية التي تمول مشاريع انمائية في لبنان منذ خمسينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا، قد سعت لاقناع وزارة الطاقة بالتوصل إلى اتفاق على خطة/مشروع لتوفير الطاقة الكهربائية التي يحتاج إليها لبنان، حاليًا ومستقبليًا. ولو تم مثل هذا الإتفاق، لاعلن كل من البنك الدولي وحكومة لبنان عن مساهمة كل منهما بتمويل جزء من المشروع، وبعدها يطرق البنك الدولي أبواب مؤسسات التمويل الاقليمية والدولية، للمساهمة في سد ما تبقى من أكلاف هذا المشروع الحيوي.

ان خبرتي في البنك الدولي تدل على ان هذه الدول والمؤسسات تشارك في التمويل وتتولى الاشراف على التنفيذ بالتنسيق مع البنك الدولي. الجهات الممولة تشترط عادة اشتراك البنك في المشروع قبل المساهمة في تمويله. شرطان أساسيان للبنك والدول والمؤسسات هما: الشفافية واجراء مناقصات شفافة لكل مشتريات المشروع. ان كل المؤسسات المعنية بتمويل مشاريع انمائية كالبنك الدولي وصناديق التنمية العربية والاوروبية ترفض التعاقد وفق نظام الصفقات بالتراضي المعتمد لبنانياً منذ تسعينيات القرن المنصرم.

طبعاً، لم يتجاوب لبنان الحالي مع عرض البنك الدولي وما زال يصر منذ ثلاثة عقود على تمويل قطاع الكهرباء من ميزانيته وبالتراضي. ما زال المسؤولون اللبنانيون يتصرفون وكأن لبنان بلد غني لا يحتاج الى مساعدات فنية ومالية من المؤسسات الدولية والاقليمية. في الواقع، ليست هناك جهة ممولة يمكن ان تسلف لبنان لبناء معمل كهرباء واحد، او حتى ان تتعاطى مع لبنان مباشرة، مع العلم ان سعر الفائدة لقروض مؤسسات التنمية الدولية هو اقل من نصف سعر الفائدة التي تفرضها المصارف التجارية اللبنانية. زدْ على ذلك أن المؤسسات الدولية تتساهل في التسديد على مدى عشرين سنة مع خمس سنوات سماح. فلماذا يرفض لبنان عروض مؤسسات التنمية الدولية؟ هل الجواب في استمرار منظومة النهب والهدر والفساد؟

يصح الكلام ذاته على قطاعات الاتصالات والمواصلات والاشغال وجمع النفايات وغيرها من القطاعات الحيوية. كان خبراء البيئة في البنك الدولي يشيرون، مثلا، الى ان “اغلى طن نفايات في العالم هو في لبنان”. وكان آخرون يرددون ان لبنان لا يؤمن بالمناقصات وكل ورشاته تُلزم بالتراضي.

هناك هدر وفساد في كل شيء تقوم به الدولة اللبنانية، وآن الأوان لكي ينتهي هذا “المسلسل”. لنبدأ بالكهرباء، اذا كان هناك فساد، حان الوقت لأن يشبع الفاسدون وأن يتركوا الامور تسير حسب القوانين المرعية الاجراء. وإن كانوا براء من الفساد، حان الوقت لان يغيروا قوانين لعبتهم التي لم تأت إلا بمردود سلبي للبنان.

من حق لبنان أن يستفيد من المناخ الدولي التضامني غداة كارثة مرفأ بيروت. المؤتمر الدولي لمساعدة بيروت والشعب اللبناني، الذي نظمته فرنسا جمع مئات ملايين الدولارات لإزالة آثار الانفجار الكبير، لكنه شدد على ان المال سيصرف مباشرة على المتضررين واعادة اعمار بيروت، ولن يمر بالمؤسسات الرسمية اللبنانية. هذه صفعة قوية لكل اركان الدولة السابقين والحاليين. هل تستمر الدولة بالتصرف كالنعامة، وعلى قاعدة “شو همو المرنخ من الشتي”، ام رأفة باللبنانيين ستغيّر مسارها وتعمل لمصلحة اللبنانيين “كلن”؟

عبد الله بو حبيب

سفير لبنان الأسبق في واشنطن

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
online free course