فيروز ليست لبنان
La chanteuse libanaise Fairuz et Mireille Mathieu lors d'un diner chez Maxim's à Paris le 19 mai 1975, en France. (Photo by François LOCHON/Gamma-Rapho via Getty Images)

لن يعيد إيمانويل ماكرون تذكيرنا بفيروز مثلاً. ولن تبهرنا رغبة رئيس فرنسا بفنجان قهوة معها. ومن، يعني رئيس فرنسا؟ هذه فيروز.

هذه فيروز. لا نعلم متى رفعناها في عيوننا إلى حيث هي الآن، في عليائها. لكننا فعلنا هذا منذ عقود. إتفقنا أنها أعلى مقاماً منا جميعاً. أنها الوحيدة التي أحببناها جميعاً. إستمعنا إليها على طرفي إنقساماتنا وفسرنا لبنانها كلّ منا على طريقته، يساراً ويميناً وطوائف لكننا إتفقنا جميعاً أنها لبناننا.

أحببناها كثيراً، ربما أكثر من أي فكرة لبنانية أخرى. ربما لأن ليس لدينا فكرة لبنانية أخرى. حمّلناها ثقلاً هائلاً. حمّلناها أوهامنا المرجوّة، للإستمرار في الأمل بأن للبنان ميزة تجعله أبعد من البلد الذي بين أيدينا، دمية مسكينة رديئة الصنع، كلما حاولنا إعادة تركيبها إزداد تفككها، وإذ يصل إلى عيده المئة، فبشق النفس، بتهديد في وجوده نفسه. حمّلناها ذنبَ حبنا له، إذ أنها غنّته كثيراً وأحبته كثيراً.

وفيروز كانت وما زالت ملاذنا إلى الوهم. هي روح البلد الذي لا روح فيه. هي أفيوننا كشعب إنكسرت صورته في مرآة نفسه وفي كل المرايا، ولم يعد في مخياله إلا صورتها الأيقونية، لوحُ الجمال الصافي يحمله عالياً بينما يمضي في مستنقع يومياته، وانتصاره الوحيد، سر بقائه، هو ألا تتلوث فيروز بالمياه الآسنة التي يغرق فيها شعبها.

قدّسناها لأنانية فينا، لضعف لا نحتمله. جعلناها كما الأحلام وقصص الأطفال. صارت إمرأة مُتخيّلة وصار صوتها هواءنا وماءنا. ما ينبغي أن يكون ترفاً وذائقة صار حاجة أساسية. هذا ثقيل عليها وعلى صوتها. هذا حب بلا قعر ولا سقف. هذا حب ملعون، فيه من التراجيديا ما لا تسعى إليها إنسانة. لو أنها في بلد عادي، كان صوتها يكفيها كي تكون خالدة، من دون ثقل الغربة والحرب والإحباط وهموم البلد الصغير برمتها. فنانة عظيمة، وليست إلهة للتسامح تغفر لكل محبيها الذين إجتمعوا على عبادتها وتحاربوا على كل تفصيل آخر، من نشاط الذبح على هوية، إلى نقاش الهوية ذاتها، هوية بلدهم ووجهه وحاضره ومستقبله. فيروز التي حافظت ما استطاعت على حميمية حياتها الشخصية، هي نفسها اللبنانية الوحيدة التي لها سيرة عامة وطنية، فوق السياسة وفوق الثقافة وفوق الفن. فيروز الوحيدة التي كأنها من الأساسيات التي يجب أن تذكر في كتب الجغرافيا والتاريخ الابتدائية، كجبال لبنان، كبحره وسهله، كتأسيس لبنان نفسه قبل مئة عام.

فيروز التي حافظت ما استطاعت على حميمية حياتها الشخصية، هي نفسها اللبنانية الوحيدة التي لها سيرة عامة وطنية، فوق السياسة وفوق الثقافة وفوق الفن

لكن فيروز ليست لبنان. هي نموذجنا الكاذب عنه، صورتنا الموهومة عما نحلم به. هي حنينا الذي نخبئ خلفه كل شيء، هي تفاؤلنا الساذج بأن كل شيء على ما يرام بينما لا شيء على ما يرام. هي سحر مؤقت نفيق منه دائماً لنعود، كما المدمنين إليه. لأننا حين نفتح أعيننا لا نرى ولو وعداً يتيماً في الأفق. هي فرحنا المؤقت، وهي حزننا الذي يجيد التعبير عنا، حين يهدّئ من روع بيروت إذ ينسحق وجهُها بالإنفجار. هي الأم التي تحضن جرح أبنائها، لكنها تعجز عن صد الأذى.

في مئة عام من عمره، قد تكون فيروز أحلى ما أنتجه لبنان، لكنها ليست لبنان الذي يظن الرئيس الفرنسي أنه جلس معه وشرب القهوة. لبنان في مكان آخر، هناك عند المرفأ، يمضي إلى نهايته وهو يصر أنه في مرحلة التأسيس. لبنان الحقيقي، بطوائفه وزعمائه وفساد أخلاقه وقوانينه. لبنان في موته البطيء. لبنان في نشيده الوطني الذي لشدّة الجفاء بيننا وبينه، نعجز جميعنا عن ترداد كلماته، بينما نحفظ مئات أغاني فيروز ونختار منها ما يقوله الفرنسي للسيدة، أو تقوله له.

فيروز ليست لبنان. هي وهو نقيضان. لبنان منهكٌ تماماً. بعد قرن على ولادته، يبدو أن لا شفاء له. بلد فاشل كفكرة وتجربة وحاضر ومستقبل. بلد يخاف أبناؤه منه ويستحون به، ويخجل منهم وليس في تاريخه ما يدعوه إلى الفخر. هي، في المقابل، سيدة تجلس في صمتها، وتتصاعد على مهلها، وقد صارت من صارت، وقد قامت بواجبها كما ينبغي منها، من دون إدعاء. وقد تركت لنا أغلى ما عندها، وقد باتت أغلى ما عندنا وآخر ما عندنا.

فيروز ليست لبنان، ولبنان ليس فيروز.

هذه مقارنة ظالمة بحق الإثنين معاً. لكننا سنعجز دائماً عن تفريقهما. وسنظل نحبهما معاً الحب نفسه، هي كما هي، وهو كما هو.

جهاد بزي

صحافي وكاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course