لِمَ هذه المقدّمة.. ولِمَ فيروز بالذات؟
بالمصادفة، استمعتُ اليوم لأغنية “ديروا المَيّ” من مسرحية “جسر القمر“. على مدى سنوات وسنوات، كنتُ قد استمعتُ إلى هذه الأغنية… لكنْ، لم يخطر في بالي إلّا أن أربطها- مؤخراً- بما كتبه يوماً، والدي منصور سلطان الأطرش، قائلاً:
“نحن ندعو دوماً إلى تعزيز الوحدة الوطنية. وهي ليست كما يريدها بعضنا مجرّد تعاضد الأديان والمذاهب والطوائف، لأنّ هذا ليس موضوع الدعوة. إنما موضوعها هو الموقف الصحيح الذي يَجمع كل الناس في مواجهة الأزمة الخطيرة… إنّ الوحدة الوطنية قضية حيوية؛ ولا تعوزنا الأمثلة البليغة منذ ميسلون والثورة السورية الكبرى وإضرابات المدن السورية أيام الاحتلال الفرنسي”.
تشدو فيروز في مسرحية “جسر القمر“:
“وكل ضيعة بينها وبين الدِني، جسر القمر/ وطالما فيها قلب بيشدّ قلب، مهما تعرّض للخطر، ما بينهزم، جسر القمر/”
“جسر المحبة، الصداقة، الإيدين ال بَدّا تتلاقى…”
“ما زال في جسورة، بها الأرض مجرورة/ بَدّن يضلّوا الناس يجوا لعند الناس، وتزورنا الدِني ونزورا”.
فحين يكون مفهوم “الوطن” واضحاً في أذهان الناس، لن يتردّدوا في الدفاع عنه ضدّ أيّ غزو يتزيّا بمئة لَبوس ولَبوس، داخلي وخارجي… وإلّا فكيف سيكون الوطن عزيزاً مَحميّاً من أبنائه؟
يُصنَع هذا المفهوم طوال حياة المجتمع وعبرَ كفاح قواه الحيّة. إنّ مناشدة الناس لوعي الأخطار المحدقة بالوطن ومواجهتها بموقف وطني موحّد لا تُجدي نفعاً في حال كانت السياسة قد قطّعت روابط المواطنين الوطنية مع قضاياهم الأساسية. “لذلك، فالجاهزية الوطنية يجب أن تسبق كل دعوة إلى موقف وطني موحّد“.
***
تقوم “الويلات” المتحدة وحلفاؤها بالعدوان على منطقتنا من خارج المقرّرات والمواثيق الأممية. وفي كل الأحوال يستدعي منّا ذلك استعداداً استثنائياً واتخاذ التدابير التي تجعل صمودنا يتحقّق أولاً في نفوسنا وثانياً على أرضنا.
إنّ نمو الشعور الوطني هو عمل إرادي وحرّ ينبثق عن خيار وطني، وهو التقاء الوطنيين على واجب حماية الوطن، ويجمعهم الشعار العريض “الوطن في خطر وعلينا حمايته“. سيجد التآخي بين الجماعات الشعبية طريقه إلى قلب المجتمع بشتى فئاته إذا التفّ الجميع حول شعار حماية الوطن. وتمثّل هذه الحالة الشعبية وقاية فعّالة من الجماعات الطائفية والمذهبية. سلاح المجابهة دوماً هو الشعب المنظّم والملتزم بقضايا وطنه والواعي لها، وعلى الأخص لمسبّباتها وأسلوب معالجتها.
يقوم بناء الوحدة الوطنية على الوفاق والتفاهم؛ فخيرٌ لنا البحث معاً عن حلول هادئة تستند إلى المبادئ الأساسية للوحدة الوطنية:
أولاً: رفض كل أشكال التدخّل الخارجي المتعارضة مع مصالح الوطن العليا في السيادة والاستقرار والأمن.
ثانياً: أيّ خطة تطوير للعمل الوطني في كلّ مجالاته، يجب أن تتمّ بالتوافق والحوار مع القوى السياسية التي تسعى لتكون بلادنا حرّة وديموقراطية وسيدة ومستقلّة.
ثالثاً: لا تُحقَّق الحرية والديموقراطية في أي مجتمع إلّا بعملية تراكمية تتمّ على مراحل، في كل خطوة فيها تأسيس لما بعدها وتكملة لما قبلها.
علينا إذن العمل على تحقيق الأهداف الآتية:
- تعزيز قدرتنا على الصمود والبناء ومواجهة الأخطار.
- تعزيز الجبهة الداخلية وتقويتها بتحقيق التلاحم الوطني بين أفراد الشعب بكل فئاته.
- توفير المناخ الملائم لبناء نظام سياسي ديموقراطي اجتماعي، يكفل جميع الحرّيات والحقوق المرتبطة بحق المواطنة من دون تمييز.
- تأكيد حق الشعب في اختيار من يتولّى السلطة، وفق قانون انتخابي يحقّق تكافؤ الفرص بين المواطنين ترشيحاً وانتخاباً.
- توفير كل ما هو مطلوب من عوامل تساعد على تحقيق التنمية الاقتصادية والبشرية والسياسية وترسيخ العدالة في توزيع الثروة لتحقيق العدالة الاجتماعية.
- تأكيد مبدأ سيادة القانون، واستخدامه بحزم لتوفير العدالة بين أفراد المجتمع، إستناداً إلى قضاء نزيه ومستقلّ.
***
يبقى ثمة تساؤل خطر في بالي وأنا أستمع لأغنية فيروز تلك: تُرى، هل تَمَيّزنا كأمة (سوريّة أو عربيّة) بالوحدة الوطنيّة الحقّة، حسبما ورد تعريفها أعلاه، حين تعرّضت بلادنا، وما تزال، لخطر داهم؟
هو سؤالٌ برسمنا جميعاً!
(*) اللوحات التشكيلية الثلاث من أعمال الفنان التشكيلي السوري الراحل سعيد تحسين.
