في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، لا يبدو القصف الإسرائيلي حدثاً عسكرياً معزولاً، بل جزءاً من هندسة ضغط أوسع. استهداف القرى والمدن وتفريغها من السكان، ومعها البنية التحتية لا يقتصر على تقليص قدرات ميدانية، بل يعيد تشكيل البيئة السياسية التي ستُجرى فيها أي مفاوضات محتملة. الرسالة واضحة، كلما طال أمد الحرب، تقلّصت قدرة لبنان على التفاوض من موقع متماسك، واتسعت الفجوة بين كلفة الصمود وكلفة التنازل.
هذا النمط ليس طارئاً في التجربة اللبنانية. تاريخ البلاد مع التسويات يكشف أنها غالباً ما وُلدت تحت ضغط مباشر. من اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية، إلى القرار 1701 بعد حرب 2006، وصولاً إلى ترسيم الحدود البحرية في 2022، كان العنف، بأشكاله المختلفة، يمهّد الطريق إلى طاولة التفاوض. الجديد اليوم هو حجم التآكل الداخلي الذي يجعل أي تكرار لهذا المسار أكثر خطورة، لأن الدولة نفسها لم تعد تملك الهامش الذي كان متاحاً سابقاً.
الانهيار الاقتصادي ليس خلفية للأزمة، بل أحد محدداتها الأساسية. شعب خسر ودائعه برمشة عين، عملة فقدت معظم قيمتها، مؤسسات عامة شبه مشلولة، وشبكات أمان اجتماعي تكاد تكون معدومة. في مثل هذا السياق، لا يكون التفاوض قراراً سيادياً خالصاً، بل استجابة لضغط مركّب، عسكري من الخارج، ومعيشي من الداخل. هنا تحديداً تكمن المعضلة، إذ كيف يمكن لدولة ضعيفة أن تفاوض على قضايا سيادية من دون أن تتحول المفاوضات إلى إدارة للخسائر؟
حزب الله.. وإسرائيل
يزيد الانقسام السياسي الداخلي من تعقيد الصورة. نظام تقاسم السلطة، الذي كان يُفترض أن يضمن التوازن، بات عملياً عائقاً أمام إنتاج موقف وطني موحّد. المؤسسات الدستورية تعمل بحدودها الدنيا، والشرعية السياسية موزعة بين مراكز قوى متنافسة. في مثل هذه البيئة، لا تضعف فقط القدرة على التفاوض، بل أيضاً القدرة على الالتزام بأي اتفاق قد يُبرم. الطرف المقابل لا يرى دولة واحدة، بل فسيفساء من الفاعلين، لكل منهم حساباته وحدوده.
ضمن هذه الفسيفساء، يبرز «حزب الله» كفاعل حاسم يتجاوز وزن الدولة في ملفات الحرب والسلم. ارتباطه الاستراتيجي بإيران يربط الساحة اللبنانية بحسابات إقليمية أوسع، ما يجعل أي مسار تفاوضي جزءاً من معادلة تتخطى الحدود اللبنانية. هذا لا يلغي وجود حسابات محلية، لكنه يقيّدها. النتيجة أن قرار التفاوض في توقيته وشروطه، لا يُصاغ بالكامل في بيروت، بل يتأثر بمسارات موازية في طهران وواشنطن وتل أبيب.
في المقابل، لا يمكن فصل الدور الإسرائيلي عن هذه المعادلة. استخدام القوة واستهداف مقومات الحياة اليومية، يهدف إلى إنتاج بيئة تفاوضية غير متكافئة. الدمار هنا ليس نتيجة جانبية، بل أداة ضغط بحد ذاته. ومع كل ضربة إضافية، يتعزز تصور لدى المجتمع الدولي بأن الاستقرار يتطلب تسوية سريعة حتى ولو جاءت بشروط غير متوازنة. هكذا يتحول العامل الإنساني، على نحو متناقض، إلى مدخل لتكريس اختلال سياسي.
الديناميات الدولية تُعمّق هذا الاتجاه. فرنسا تدفع نحو تهدئة سريعة، لكنها تصطدم بغياب شريك لبناني قادر على اتخاذ قرار جامع. الولايات المتحدة توازن بين دعمها لإسرائيل ورغبتها في منع توسع الحرب، ما يترجم عملياً إلى ضغط على لبنان لتقديم تنازلات أمنية وسياسية. دول الخليج تراقب بحذر، مترددة في الانخراط مالياً أو سياسياً في ظل نفوذ «حزب الله». أما إيران، فتنظر إلى الساحة اللبنانية كجزء من شبكة ردع إقليمية، لا كملف مستقل.
أية استراتيجية تفاوضية؟
أمام هذا التشابك، تبدو الخيارات اللبنانية محدودة ومكلفة في آن. التفاوض الآن، ولو بحدوده الدنيا، (سيمون كرم وحيداً) ليس مؤكداً أنه سيُحقّق وقفاً لإطلاق النار ويُخفف الضغط الإنساني، والأخطر أنه يجري في ظل ميزان قوى مختل تريد له إسرائيل أن يزداد اختلالاً إذا نجح غزوها البري، ما يرفع احتمال فرض شروط صعبة على لبنان. الاستمرار في المواجهة يحافظ نظرياً على أوراق ضغط، لكنه يؤدي إلى استنزاف ما تبقى من قدرات الدولة والمجتمع، ويزيد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع. لا يوجد خيار بلا كلفة؛ السؤال هو أي كلفة يمكن تحمّلها، وأيها يهدد الكيان نفسه.
السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب هو هدنة هشة، تُدار عبر وساطات دولية، وتؤجل القضايا الجوهرية بدلاً من حلها. مثل هذه الهدن تمنح الجميع وقتاً، لكنها لا تغيّر المعادلة الأساسية. لبنان يفاوض من موقع ضعف بنيوي، وإسرائيل تستخدم هذا الضعف لتعظيم مكاسبها التفاوضية. أما سيناريو الاتفاق الشامل، فيبقى رهناً بتحولات إقليمية أوسع قد لا تكون وشيكة.
لكن ما يغيب غالباً عن هذا النقاش هو أن “عدم التفاوض” ليس خياراً سلبياً محايداً، بل قرار بحد ذاته يحمل تبعات استراتيجية. الاستمرار في الحرب من دون أفق سياسي واضح يعني عملياً القبول بتآكل تدريجي للدولة، وبإعادة تشكيل المجتمع تحت ضغط النزوح والفقر وفقدان الخدمات. في المقابل، الذهاب إلى التفاوض من دون حد أدنى من التماسك الداخلي وبلا أي استعداد إسرائيلي لتقديم تنازلات وبلا رعاية أميركية متوازنة، قد يُكرّس اختلالاً طويل الأمد يصعب تصحيحه لاحقاً.
هنا تحديداً يتبلور السؤال الحاسم: ما هو الهدف من التفاوض أو بالأحرى ما هي استراتيجية لبنان التفاوضية؟ هل هو مجرد وقف للنار، أم إعادة تثبيت قواعد اشتباك جديدة، أم فتح مسار أوسع يعيد تعريف موقع لبنان في الإقليم؟
من دون إجابة واضحة، يتحول التفاوض إلى إجراء تكتيكي قصير الأمد، لا إلى خيار استراتيجي.
المحاولة خيرٌ من الاستسلام!
في ضوء هذه المعطيات، لا يبدو أن لبنان يملك ترف تأجيل التفاوض، لكنه أيضاً لا يستطيع خوضه بالشروط الحالية. الخيار الأكثر واقعية ليس “التفاوض الآن” أو “رفض التفاوض”، بل السعي إلى تحسين شروط الدخول إليه. وهذا يتطلب، كحد أدنى، إنتاج موقف داخلي أكثر تماسكاً وتحديد ثوابت واضحة لا يمكن تجاوزها، وربط أي مسار تفاوضي بضمانات دولية قابلة للتنفيذ، لا أن تكون مجرد تعهدات سياسية.
بمعنى آخر، على لبنان أن يذهب إلى التفاوض، لكن ليس كطرف مستعجل لوقف الألم بأي ثمن، بل كطرف يسعى إلى إدارة ضعفه بذكاء، لا الاستسلام له. هذا الفارق – بين إدارة الضعف وتكريسه – هو ما سيُحدّد ما إذا كانت المفاوضات مخرجاً مؤقتاً من الأزمة، أم مدخلاً لأزمة أعمق.
إلى أن يتحقق ذلك، سيبقى لبنان يتحرك ضمن هامش ضيق؛ بين ضغط عسكري إسرائيلي يُعيد تشكيل شروط السياسة، وضغط داخلي يحدّ من قدرته على المقاومة أو التنازل. وهذه ليست مجرد لحظة عابرة؛ هذه لحظة اختبار لقدرة الدولة على استعادة تعريف نفسها، كطرف يملك قراره، أو بوصفها مجرد ساحة تُدار فوق أرضها توازنات الآخرين.
